كيف يقبل الإسرائيليون ما ارتكبته وترتكبه حكوماتهم السابقة والحالية من مجازر، وزرع مستوطنات، وانتهاك لحقوق الإنسان، وتدمير، وقصف، وإعدامات ميدانية، واغتيالات، وهم بكل فخر، لا يزالون يصدقون أنهم البلد "الديموقراطي" الوحيد في هذا الشرق المحاصر بالدكتاتوريات (بحسب ما يُزعم)؟ كيف يستطيعون الجمع بين رفض ما يسمونه إرهاباً (وهو نضال مشروع)، وقبول إرهاب دولتهم، ورئيس حكومتهم شارون؟
بل كيف يمكن أن يظنوا أنهم ما زالوا واجهة الحضارة "الغربية" في هذه المنطقة، وواجهة التقدم، و"الحرية"، وهم يستمرون في تأييد سياسة دولتهم العنصرية، والقمعية، والوحشية؟
شيء غريب! يشجعون شارون على ارتكاب مجازره، وفي الوقت ذاته "يحبون السلام". أهي شيزوفرانية تصيب عقولهم ونفوسهم أم هو ازدواج الخطاب "يريحهم" ويقسمهم أنصافاً وأرباعاً؟
كيف يمكن أن تنتج الديموقراطية دكتاتوريات مقنعة أو سافرة على مثل هذه الدكتاتورية الحالية؟ كيف يمكن أن تستولد الديموقراطية هذا الجنون والتطرّف، والغيتوية، والعرقية، والعنف، والتعصب والعدوانية والفساد، بل وكيف يمكن أن يسمى مجتمع كهذا مجتمعاً مدنياً تُجرى فيه انتخابات سياسية ونقابية "حرة" ويتم فيه الفصل بين القضاء والسياسة، وبين سائر السلطات، وتسوده حرية التعبير (بعض الصحف الإسرائيلية يوزع أكثر من 500 ألف نسخة يومياً)؟
هذه الأسئلة التي نطرحها من دون أن نعترف لا بوجود ديموقراطية حقيقية (سوى اللهم ديموقراطية اللصوص والعصابات)، ولا بوجود مجتمع مدني حقيقي، لأن بعض الإسرائيليين، وإن قلة، صاروا يطرحونها على أنفسهم، إزاء ما آلت إليه أحوالهم.
كأنها ديموقراطية سوريالية. بات يقول بعضهم. ويذهب آخرون كابراهام بورغ إلى نعي "الصهيونية" نفسها، وإلى نهاية "الدولة ـ الحلم". ونتذكر تصريحات بيريز. بعد سقوطه في آخر انتخابات خاضها ضد نتنياهو: "ربِحَ اليهود وخَسِرَتْ إسرائيل". وبورغ الذي تتملكه سورة الغضب يقول "الدولة الإسرائيلية لم تعد اليوم سوى خليط هش من الفساد والقمع والظلم".
هذه الأصوات الطالعة من الهامش السياسي والثقافي تعززها أصوات أخرى من المؤرخين الجدد، وبعض الشعراء والأحزاب وأنصار السلام، في مواجهة الصورة الأخرى من الصهيونية، (كما يرون)، المتمثلة بحكومة شارون التي "أفلتت من كل عقل وعقال".
لكن ماذا يريد هؤلاء؟ أفاقوا متأخرين على نتائج ما ارتُكب، (وربما ما ارتكبوه)، أفاقوا متأخرين ليجدوا أن بلادهم التي اغتصبوها، لم تعد أكثر من نهر دم، يسيل في كل شارع من شوارعهم. وفي كل قرية. ومقهى. وطريق. طلعوا من القوة، وها هم من أهدافها. لكن القوة "الصهيونية" (برغم ما يرون فيها من مبادئ عالية)، انقلبت عليهم. و"الصهيونية" انقلبت على حالها. وبناء حلم على أحلام الآخرين تحول كابوساً.
لكن نكرر السؤال: ماذا عساهم يفعلون، هؤلاء، أنصار السلام، وأين هم، وأين هو اليسار؟ وماذا في مقدورهم أن يفعلوا، إزاء الحصار المعدني، وهذا الجنون الجامح ضد الفلسطينيين، والبشرية، وحتى ضد بعضهم؟
ماذا يمكن أن تفعل أكثرية صارت أقلية بعدما ساهمت في ارتكاب المجازر ودشنت سياسة الاستيطان؟ ونقصد حزب العمل تحديداً، ومن ثم الأحزاب الأخرى واليسار وحركات السلام؟ لكن أين هم هؤلاء منذ انتفاضة الأقصى، ومنذ سقوط باراك ومجيء شارون كأنهم "اختفوا تحت الأرض" كما يقول البعض، بل كأن حزباً واحداً بات يحكم الكيان الذي يفخر أهلوه بتعدده الحزبي؟ هذه التساؤلات الكبيرة كأنها صرخة في واد ولو وصل بعضها إلى الدعوة إلى انتفاضة شعبية (أو مدنية أو أهلية) "تنقذ الإسرائيليين وكذلك الفلسطينيين من الجنون الجماعي اليميني المتطرّف الشاروني الجامح".
دعوة إلى انتفاضة من أجل إنقاذ "الصهيونية" كما يقول بورغ، أم إنقاذ دولة إسرائيل كما يقول بيريز، أم الديموقراطية المهددة كما يقول سترنهيل، لكن مَنْ يقوم بهذه الانتفاضة؟ المثقفون المختبئون في جحورهم الذي لا يتجرأون على النزول إلى الشارع خوفاً من اعتداءات المتطرفين اليهود الذين لم يوفروا دعاة السلام عندما تظاهروا في تل أبيب؟ (كما يقول أيضاً المؤرخ الإسرائيلي)؟
وماذا يمكن أن تفعل انتفاضة مدنية تقوم بها أقلية، مبعثرة، إزاء أكثرية متوحشة. وهل ممكنة هذه الانتفاضة في مثل هذه الأحوال التي شرخ فيها المجتمع الإسرائيلي وتآكل، حتى يكاد يكون هناك إسرائيلان أو أكثر.
سترنهيل يرى أنه "لن تتحرر إسرائيل من هذه الدوامة الجهنمية إلا بانتفاضة شعبية شبيهة بما حصل بعد حرب الغفران أو حرب لبنان (يقصد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982) وستكون تلك (كما يضيف) لحظة خلاص للمجتمع المدني الإسرائيلي، عندما تتحرّك المنظمات الشعبية المؤمنة بالسلام، وبحقوق الإنسان، وبالديموقراطية والعدالة". لكن هذه الانتفاضة هل يمكن "أن تنجح إذا كان المجتمع المدني مشلولاً؟" كما يقول ابراهام يهوشيع (كاتب) في مجلة "نويل أوبسراتور": "نحن في الوقت الراهن لا نحتاج لا إلى ثورة ولا إلى انتفاضة بل إلى اقتراحات تؤدي إلى السلام مع الفلسطينيين وفي هذا الاتجاه يقول نسيم كولدوني (جامعي وصحافي في يهودوت أحرونوت): "صار ملحاً تحرير إسرائيل من سياسة شارون. ولكن ليس بانتفاضة أهلية".
على أن باتيا غور (كاتبة) تنضم إلى بورغ وبعض المثقفين الآخرين وتنادي بضرورة "القيام بانتفاضة أهلية في إسرائيل"، منتقدة "هروب المثقفين الذين كان يجب أن ينتفضوا من زمان". لتدعو "كل مثقف وكل مواطن إلى النزول إلى الشارع لمواجهة مباشرة وشخصية، مع الممارسات المتوحشة التي يتعرّض لها الفلسطينيون".
هذا على الصعيد "اليساري" و"العلماني". لكن الأكثرية الطاغية ما زالت تؤيد شارون وسياساته ضد الفلسطينيين، وضد قيام دولة فلسطينية مستقلة... وقد أظهر آخر استطلاع أجري أول من أمس أن 71 بالمائة من الإسرائيليين "لا يرون مستقبلاً لأولادهم في إسرائيل". لكن سبق وأظهر استطلاع آخر منذ عدة أشهر أن 57 بالمائة من الإسرائيليين ما عادوا "يثقون بالديموقراطية. بل بالحاكم الفرد". وكان يعني ذلك تحديداً شارون.
ناس يطالبون بانتفاضة مستحيلة تعيد إليهم "الصهيونية" والديموقراطية والسلام، وآخرون (الأكثرية) مترددون بين اليأس، وبين الشغف بالقوة، وبين الدكتاتورية. والنتيجة أنه لا الانتفاضة المدنية ستأتي، ولا غودو الديموقراطية سيهل، ولا بصيص الأمل سيلمع، مع هذا، ما زال الإسرائيليون في معظمهم يمشون خلف شارون! فيا للمفارقة الديموقراطية! ويا لهذه التعددية البائسة!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.