رحل إدوارد سعيد، وخسرنا جميعاً. خسرت فلسطين، والعرب والعالم. خسارة قلّما كانت، على مثل هذه الفداحة، قلّما كانت على مثل هذه الآثار المحفرة، عميقاً عميقاً، في الأمكنة والناس، والثقافة، عميمة في الأقطار وفي النفوس معاً.
شخصية اختزنت طويلاً ما تختزله المنافي والجذور والهزائم، والآمال، وما تستنبته الآلام، والكسور، في عالم بلا رحمة، ولا "عقل"، ولا عدالة.
ابن المنافي، جعل من منافيه، في كل العالم، أمكنة مفتوحة على تراب بلاده، ومآسي ناسه، وما يتعرضون له من قهر وظلم ليس من قبل العدو الصهيوني فقط، بل من عالم تواطأ كله، ذات زمن، وما زال، مع هذا العدو. ومع هذا اخترق إدوار سعيد ما يُخترق بأعجوبة، اخترق بحضوره الفذ، ورحابة ثقافته، وإبداعه الفكري، والنقدي، والسياسي، تلك الجدران المعدنية العالية التي ارتفعت أصلاً في وجه شعبه، ليحتل المكانة المرموقة بين أهل الكتابة والفلسفة والسياسة، ذلك لأنه جاء من أمكنة أخرى. أمكنة من خارج الثقافة التقليدية، والنضال التقليدي، والخطاب الفكري والسياسي الجامد. جاء من حيث يفاجئك المبدعون الكبار بحضور متفرد، وأخّاذ، وقريب وطازج، لكن أيضاً شاهق.
عرف إدوارد سعيد كيف يجمع بين الخطاب النضالي اليومي الطالع من الحدث، وبين الأساس الفكري الذي يبدأ بطبيعة الالتزام، وينفتح على مفاهيم الثقافة الأدبية والنقدية والسياسية المعاصرة باتجاهاتها الحداثية وما بعد الحداثية.
إدوارد سعيد من قلة استعادت، بإصرار وبوعي عميق، واجتراح، وتجذر، الوظيفة السياسية للثقافة والإبداع والكتابة، من دون أن يقع، حتى في أكثر المراحل سخونة وانفعالاً وعاطفية وذاتية، لا في المباشرة، ولا في التبسيط، ولا في الخطاب التعبوي الآني، أو الدوغمائية المغلقة أو الدعائية الضيقة. كان لنضاله أفق. بل كانت كل الآفاق المشرّعة على المعاصرة في خدمة نضاله: من الفكر الذي رفض أن يكون مرتبطاً بما يسمّى "ما بعد الحداثة" بمضونه العدمي أو التدميري، أو المفرّغ من القيم والحقائق الكبرى، الى السياسة التي جعل التزامه فيها التزاماً بالقضية الفلسطينية وبكل القضايا العالمية، والشعوب الخاضعة للكولونيالية، ومطامحها وآلياتها المتوحشة وجنونها.
وجه واحد ولكن كثير، هذا الوجه الفلسطيني المضيء انتصب بين أهليه، وناسه، ضميراً، وسْعَ العالم، ووسع المشاعر الكبرى، ووسع الأفكار، ووسع الاحتمالات والمآسي، لكن على غير يأس، وقبول واستسلام.
إدوارد سعيد خرج في اللحظة التي يجب أن يبقى فيها بيننا، صَمَتَ في اللحظة التي نحتاج فيها إليه صوتاً مليئاً، مختلفاً، صارخاً، حكيماً، مناضلاً واثقاً، مستكشفاً من دون أوهام، لكن حاملاً أيضاً كل الآمال المختزنة، هذه الآمال التي رحل قبل ان يلمح منها ولو بصيصا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.