8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الأحوال

عندما تتابع أحوالنا في لبنان وأحوال العرب، يُذهلك هذا التشابه القائم بين الناس والجماهير والمثقفين والفنانين والسياسيين والأفكار والمشاعر والغرائز والسلوك وردود الفعل. كأنها وحدة المتشابهات غير المعلنة.
حتى الأمكنة والمدن والدساكر والأرياف والأزقة والغرف باتت متشابهة. كل شيء كأنه طالع من كل شيء. وكل شيء ذاهب إلى كل شيء. يذهلك الأمر على قدر ما يخيفك. ويخيفك على قدر ما يوقعك في الالتباس، والحيرة والتشكك واليأس.
تسمع عن انتخابات برلمانية في ذلك القطر، بوقائعها، وظروفها ونتائجها لتلمس انها لا تختلف بوقائعها وظروفها ونتائجها عن أي انتخابات برلمانية أخرى في أي قطر عربي آخر: طائفية، تدخّل السلطة، اللعب، الرشوة بالقوائم، بيع الأصوات، تزوير النتائج..
وتسمع عن أخبار القضاء والقضاة والمحاكمات وكيف تحصل في ذلك البلد، لتتأكد من أنها تتناسخ بحذافيرها في أي بلد آخر بقُضاته وقضائه وموازينه ومحاكماته: تسلّط السياسية وأصحاب النفوذ على القوانين والدساتير والأحكام، بعيداً من استقلال سلطة القانون عن السلطات الأخرى: أي الخلط بين القانون والعدالة؛ بين المذنب والبريء.
وتسمع عن أخبار السجون في هذا القطر فتكتشف أن السجون العربية كلها متشابهة: تعذيب، تنكيل، ظلم، امتهان للانسان، وتجاوز لكل المخيلات في ميدان المعاملة الوحشية التي يتعرض لها المساجين الذين ارتضوا بتُهم أو بلا تهم، بمحاكمة أو بلا محاكمة.
تسمع عن أخبار الثقافة والفكر والشعر والفنون والمهرجانات والمؤتمرات والكتب والجوائز ، فتكتشف بلا جهد أنها متشابهة في كل الأقطار العربية: انهيار، وإحباط، وتراجع بوتائر تكاد تكون واحدة.
وتسأل عن الأوضاع الاقتصادية والمادية فتكتشف أيضاً أن اشكال التردي والفقر والمعاناة والفاقة والعوز والذل والهجرات الى بلاد الله الواسعة واحدة موحدة، يقابلها أخبار فساد اهل السلطة، وزبانيتهم وفضائحهم وسرقاتهم ونهبهم المنظم وغير المنظم...
وعندها عليك أن تسائل: أي "حجر فلسفي" يحوّل كل هؤلاء الناس والأمكنة والأحوال، كائنات متوأمة، متشابهة، فكأنها طالعة من رحم واحدة، وسائرة على خط واحد، وماضية إلى نقطة واحدة.
أو لم يبق أي هامش، وإن متضائلاً، للاختلاف؟ أو لم يبق أي زمن ولو كسوراً، للخروج على العمومي والمهيمن والسائد؟ أو لم تبق فكرة واحدة جديدة، تلمع على ذلك الأديم الساد في الغياب، والتكرار والامتثال؟ أو رمى كل هؤلاء الناس، فرادى وزمراً، خصوصياتهم من نوافذهم المشرعة على اللاشيء، ليسووا بحضيض القبول والغيبوبة؟
في الماضي، أي عندما كان الناس يعرفون اذا وقفوا انهم واقفون، واذا ناموا انهم نائمون، واذا انتفضوا انهم منتفضون، وإن استكانوا انهم مستكينون، في ذلك الماضي، الممتد على اكثر من قرن، كانت الأمكنة ناساً. تضج بالحياة. وكان الناس "أمكنة" تخفق بالأسرار والخصب وكانت الأحلام تسبق أصحابها، والشغف يزاحم اهليه، والغد أقرب من البارحة. كان كل شخص أبعد من السنوات المقبلة. كان كل شخص شخصاً. يتفقد كل يوم حبره الخاص اذا كان كاتباً. ومعوله الخاص اذا كان فلاحاً. وفكره الخاص اذا كان مفكراً. وألوانه وقماشاته الخاصة اذا كان فناناً. وموقفه الخاص اذا كان سياسياً. وعمارته الايديولوجية إذا كان ايديولوجياً . وحريته الخاصة اذا كان من أهلها. كان كل شيء في مكانه. حتى الفوضى كانت في مكانها، والأمل في مكانه. والمغامرة في مكانها، والهوس والجنون الجميل والحكمة في امكنتها. كان كل شيء حياً لأن حل كل شيء يحتفظ بحدوده الخاصة، وفضائه الخاص.
كان زمن الاختلاف والخلاف. زمن الجدال والجدل. زمن المفارقات والفوارق. زمن الخاص والعام. ولهذا كان كل شيء طازجاً. كرغيف أخرج لتوه من الفرن. كثمرة قطفت لتوها من شجرة.
في الماضي ، كأنما كانت الأرض صلبة تحت الأقدام . صلبة ومطواعة في آن واحد. تمشي وكأنها تمشي في جذورك. تحمل جذروك وكأنك تحمل الأرض كلها. ذلك لأن ظلك عليها، على ثقله، يفترق عن الظلال الأخرى.
هل صحيح أن الجحيم الحقيقي هو أن يكون كل الناس وكل الأشياء، والأفكار والمشاعر والغرائز متشابهة؛ الناس كأنما يرددون انفسهم. العيون كأنها ترى نفسها. الأنوف كأنما تشتم الأنوف، الكلام كأنما يطلع من الكلام. القتل واحد عند الجميع. الفقر واحد، والغنى واحد. الملبس واحد، الانفاس واحدة. هل هو الجحيم الحقيقي . كي لا ترى ظلاً يخرج على ظل. طفلاً يبكي بطريقته الخاصة لا بطريقة آبائه، مؤمناً يصلي كما يجب ان يصلي، لا كمن يريدونه أن يصلي.
كاتباً يكتب كما يشاء لا كما يشاؤون، امرأة تحب كما تريد أن تحب، لا كما يريدونها أن تحب،. متمرداً يتمرد ولا يقتل أو يُنفى او يُفرد في محيطه وقبيلته وطائفته وحزبه وعائلته.
أو لم يعد في هذه الأحوال حتى مَن يهز رأسه بـ"لا" قبل أن يبصم بالعشرة لـ"نعم"؟ هذا التكرار في الكائنات والأمور، كم يشعرك بأنك وشم بين الأوشام، دمغة بين الدمغات، عدماً فتيتاً، على الشارع والبيت والمقهى، عدماً على صحراء لا ينطق رملها. خروفاً أبيض، في قطيع ابيض. خروفاً بلا لون وصوت في قطيع بلا لون ولا صوت.
هل هي شروط الحياة؟ شروط "الانظمة" العاتية شروط الغيبوبات الانسانية والسياسية وما منها وإليها؟ شروط القوانين والأعراف الواحدة، التي تنسيك ان في فمك صوتاً لا يشبه صوت صديقك، ولا صوت أبيك. وان في عينيك نظراً لا يرى بالطريقة التي يرى فيها جارك أو زميلك أو أي شخص آخر.
أهو الجحيم "التوتاليتاري" المقنع في الطائفية والشمولية والعائلية والدساتير والنظم والقمع والقتل المخفي والظاهر؟ كيف يمكن أن تعيش في أحوال لم يعد لاحد ما يفرقه عن الآخر. لم يعد لفرد أن يكون فرداً، ولا لفردية أن يكون لها فضاء، او رصيف، أو ركن أو كرسي أو طاولة، أو سبيل؟
من أين يمكن ان يطلع، وكيف، ما يتميز، ولو قيد انملة، سياسياً، أو فكرياً، أو ابداعياً، حيث أن الطاحونة الواحدة تنتج كائنات مطحونة، بلا حول ولا قوة ولا خفق ولا نبض، سوى ما يذوب في ما تفعله طاحونة أخرى متشابهة!
أو ليس الجحيم الحقيقي في ألا ترى فكرة لا تشبه الأفكار الأخرى. وغريزة لا تشبه الغرائز الأخرى، وحتى امرأة لا تشبه كل النساء؟
وأخيراً: اليس هو الجحيم الحقيقي في انك تخشى الخشية كلها من ان تكون مختلفاً ولو قيد أنملة؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00