8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

النُخَب الثقافية ولغة الأفول

النخب الثقافية العراقية التي هربت من تسلط الدكتاتور إلى منافي الله الواسعة وكانت تأمل بالعودة إلى وطنها العراق، بقيت في تطوافها ولم ترضَ "من الغنيمة بالأياب". ومن تبقى من هذه النخب، من شعراء وكتاب ومفكرين وأكاديميين متعددي الاهتمام، وعانت ما عانته من عسف وخوف وإرهاب من أجهزة الدكتاتور، لا يعرف أحدٌ شيئاً عنها، بعضها متهم بالتواطؤ مع النظام، وبعضها الآخر بالاستسلام للواقع القاسي.
والنخب الثقافية الفلسطينية التي هُجرّت ايضاً إلى منافي الله الواسعة، منها من عاد إلى الوطن السليب، علّه يساهم في صنع الحرية والتحرير والبناء، لكن كأنما رضيت هي أيضاً "من الغنيمة بالأياب".
فالثقافة العالية، التي تجمع بين النضال والإبداع، في كلا البلدين، تعرضت، وتتعرض لهجمة بربرية مزدوجة: صهيونية ـ شارونية في فلسطين، وصهيونية ـ شارونية ـ أميركية في بلاد الرافدين.
الوضع يكاد يكون متشابهاً في البلدين. هنا شعب يجترح الاسطورة في انتفاضة الأقصى، يقاوم مقاومة يومية وحشية الاحتلال، لكن قياداته منقسمة على ذاتها، مشتتة، متنافرة، تمكن الاحتلال من وضعها في مواجهة بعضها، إما باستيعاب قسم منها، عبر تغيير الخطاب النضالي المقاوم إلى ما يشبه الانسجام مع الإسرائيليين والأميركان وبعض الأنظمة العربية، وإما بارتكاب المجازر في القسم الآخر، وإما بوضع من تبقى تحت سيف الإرهاب الصهيوني المصلت فوق الرؤوس.
وفي العراق أيضاً مقاومة ناشئة يواجهها المستفيدون"المتعاملون" من البلديين، والمستوردين تحت مسمى "المعارضة"، مواجهة لا تقل شراسة وخبثاً وانتهازية عن مواجهة قوات التحالف لها. والقاعدة الشعبية (حتى الآن) منقسمة (على عكس القاعدة الفلسطينية المتماسكة) انقسامات طائفية واثنية وعشيرية، من دون أن يظهر في الأفق احتمال توحيد هؤلاء الناس في مواجهة موحدة مع الاحتلال الأميركي.
في فلسطين يحاول الصهاينة نسف العلاقة بين الناس والقيادات، عبر فرض زعماء وإبعاد آخرين بحجة دعم الإرهاب واختراع قيادات جديدة بديلة من السلطة الفلسطينية الشرعية المنتخبة والمتمثلة بعرفات والمؤسسات الشرعية، لتجعل من البدلاء ما يشبه المستوطنين الإسرائيليين الذين يغتصبون الأرض، اغتصاب هؤلاء أمكنة لهم في السلطة.
وفي العراق يسعى الأميركيون الى جعله مجموعة كانتونات معلنة، يحكمها موالون لهم، بل ويجعلون منه مجموعة أراضٍ مقتلعة، منفصلة، يُعيّنون على خرابها ما يشبه "المستوطنين" أيضاً. وفي كلتا الحالين: في العراق وفلسطين، محاولة مدروسة ضمن استراتيجية خبيثة، لإلغاء البلدين أو لتغيير ثقافتهما، وانتماءاتهما، وقسماتهما وإذابتهما شيئاً فشيئاً في اللاكيان، واللاسلطة الوطنية، واللاتاريخ. هناك يحاولون "أمركة" الواقع عبر استغلال التناقضات الطائفية وغير الطائفية، وهنالك يحاولون "تهويد" الأرض والتاريخ عبر استغلال كل شيء سواء بين الفصائل المختلفة، أو بين قيلولة الأنظمة العربية والعالم "المتحضر" أو بين التفوق العسكري الصهيوني، ونية التدمير والتخريب والإلغاء. هناك يحاولون مسح الثقافات المتراكمة عبر التاريخ، وتشويه معالمها، ونهب علاماتها، وهنالك أيضاً يحاولون إحراق كل ما يلمع، وكل احتمال بالقيامة، بل وكل أمل باستعادة الوهج الإبداعي للشعب الفلسطيني.
بمعنى آخر يحاول الصهاينة والأميركيون استبدال تاريخ بتاريخ، حضارة بهمجية، وثقافة متجذرة بأخرى طافية بلا شروش، وشعب بشعب، عبر القوة والقمع والقتل والإبادة.
النخب الثقافية الفلسطينية العراقية كأنها تلتقي في هذه المنعطفات الخطرة، لتجد نفسها (كالنخب اللبنانية أثناء الحرب وبعدها) بلا حول ولا قوة ولتجد كلماتها وأفكارها وخطبها السياسية والإبداعية التي خالتها يوماً كلمات فعلت فعلها وسحرها وقوتها. بل ولتجد الأفكار التي دفعتها إلى رفض الواقعين المفروضين في العراق وفلسطين، لا تقل هامشية وعجزاً عنها.
ولهذا، تشعر هذه النخب، وعبر وعيها "الشقي" الحاد، أن تراثها، (وتراث بلديها كله)، يضيع أمامها، أو يُمحى، من دون أن تكون قادرة على منع ذلك، بل كأنها تعيش في عزلات مضاعفة بين طغيانية الاحتلالين الأميركي والصهيوني وبين انقسامات زعمائها، وبين مقاومات محاصرة هنا (فلسطين) بتردد بعض هذه القيادات، ومحاصرة هناك بالتباس المجموعات الطائفية والعشيرية والأثنية.
هذا الوعي الشقي برؤية مآل الأمور وسيرورتها وبالعجز المادي والمعنوي، عن لعب دور مقاوم، يتماهى بالمقاومات المندلعة في كلا البلدين، يجعل وعيها شبه عاجز تماماً، عن إثبات الحضور المفترض للمثقف. وهذا يعني أن هؤلاء المثقفين يعانون إشكال الحصار الذي يجعل منهم "كائنات" لا جدوى منها، ولا أمل. يكتبون أو يغنون أو يفكرون أو يرسمون أو يروون أو يعرضون، كمن يُطل على حافة مجهولة، أو على جدران صماء.
للمرة الأولى، ربما، منذ أكثر من قرن، تخلو ساحات "النضال" من أجل الحرية والتحرير، من ثقافة فاعلة، ومن مثقفين فاعلين (هذا ما كان وضع المثقف اللبناني الحر في حروب الآخرين عليه). كأنه "النضال" السلبي أو المهمش، تحترق فيه كل أسلحة الإبداع، وتستنفد خلاله كل الأدوات التي كانت تصوغ ذات يوم الضمير الجماعي، وتشحذ النفوس والهمم، وتؤلف المصائر الكبرى.
ولهذا مثلاً ما عاد ينفع خطاب المنافي والتشتت لأنه، عندما كان يخترق الواقع ذات يوم، كان يتضمن في تضامينه خطاب الأمل والانتصار والديموقراطية، والكرامة والحرية. ولهذا أيضاً شَجُبت الكلمات في حلوق الكتاب والشعراء، لأنها عندما كانت تتوهج، كان لها ما يُعينها، ويروجها، ويخصبها، في امتدادتها التاريخية والشعبية.
النخب الثقافية في فلسطين والعراق، (كمثل النخب الثقافية العربية) كأنها، من فرط الهزائم وأشكال الحصار والإحباط، تصرخ (إن صرخت) في وادٍ سحيق لا قرار له.
إنه زمن الحصار المستبد بامتياز!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00