8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

.. وثقافة الإصلاح

كان بعض المنظمات والأحزاب والشلل اليسارية في الستينات والسبعينات، راديكالياً بامتياز ازاء النظام اللبناني، بحيث يرى أن هذا النظام كان يحتاج إلى تغيير جذري: بدستوره، ونظامه وبناه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية. أي ثورة على كل المستويات، ثورة اجتثاث وإعادة بناء بديل شامل وشمولي بالطبع.
وقد بلغ غلوّ هذه المنظمات في رؤيتها ورؤياها للواقع أن اتهمت حتى بعض الأحزاب اليسارية التاريخية (الحزب الشيوعي) مثلاً بالإصلاحي، وحتى بانحرافه إلى "اليمين" في علاقته بالمؤسسات القائمة. وبالطبع كان الحزب الشيوعي يتهم هؤلاء باليسار المغامر، او الطفولي...الخ. ولم تسلم بالطبع الحركات والأحزاب الليبرالية من تهمة السعي إلى "ترقيع" النظام وانها "صمام أمان" وامتداد له... وتواطؤ معه.
أما اليمين، وكان متشعباً ومتجذراً، يضم شرائح كثيرة من المحافظين والإقطاعيين السياسيين والطائفيين المتمسكين بقوة وبشراسة بصيغة 1943، (اهل الصيغة الفريدة) فكان يتهم كل هؤلاء بالغربة عن الواقع، وباستيراد نظرياته ومقولاته وأفكاره من أمكنة جاهزة كالاتحاد السوفياتي (الماركسية اللينينية)، أو كوبا (الكاستروية)، أو الصينية (ماوتسي تونغ)، أو حتى كيم ايل سونغية، ناهيك ببعض المرجعيات والمراجع غير "اللبنانية". بل كان بعض هذا اليمين ينعت كل هؤلاء بأنهم "غير لبنانيين"، حتى بعض الأحزاب ذات التوجهات القومية العربية (كالناصرية، وحزب البعث...) والقومية السورية (كالحزب السوري القومي الاجتماعي).
كان الصراع حول النظام ابتداء بالإصلاح وانتهاء بالثورة، مروراً بالبين بين (بعض الاتجاهات الليبرالية والديموقراطية) صراعاً سياسياً وفكرياً أي في العمق صراع ايديولوجيات. وكانت فكرة الإصلاح على صعدها مختلفة (اذا افترضنا جدلاً أن كل هذه الاقتراحات تصب في خانة تعديل النظام أو ترميمه)، تتغلغل من تحت إلى فوق (أو حتى من فوق إلى تحت بفعل بعض الذهنيات الانقلابية). كان ثمة ثقافة تجاوزية تتأسس في هذه المرحلة الاستقلالية، وكان يمكن أن تُفرّق بسهولة بين حزب يساري ويساري، وحتى بين حزي يميني وليبرالي، وحتى بين الحزب المحافظ والحزب الوسط.
صحيح أن معظم تلك المقولات ذهب أدراج الحروب، وانتفى حتى استخدام مصطلحات عديدة كاليمين واليسار والليبرالية، إلاّ ان كل هذه الحركات الإصلاحية وغيرالإصلاحية كانت، وتحت دفع الصراع الفكري والسياسي، شاملة. برامج حزبية شاملة (وإن بقي بعضها نسبياً ضمن الاطار النظري دون الميداني لا سيما في بعض القطاعات الانتاجية كالزراعة والصناعة). وهذه الشمولية في التصور كانت، عموماً، من نعمة تلك المرحلة، اذ ان الحركات والأحزاب كافة، كانت تحاول وضع أطر نظرية مجردة (سياسية وإيديولوجية) تتناول مختلف جوانب النظام القائم، ذلك لأن الفكر عندما يكون اساساً في الصراع، يحاول قدر الامكان ان يصوغ نظرة عقلانية شاملة للإصلاح أو للثورة.
اليوم، أقصد المرحلة التي تلت الحروب وأدت الى تساقط كل هذه المقولات وهيكلياتها الحزبية (يميناً ويساراً)، وفي غياب الفاعلية الحزبية وقواعدها وجماهيرها، لتحل محلها "الفكرة" الطائفية بقواعدها وجماهيرها، والأحادية التعددية بانغلاقها وتقوقعها وعنفها، تهاوت الفكرة الإصلاحية والتغييرية الشاملة تاركة الساحة لأفكار إصلاحية غير ممركزة، وغير واضحة ومكتملة، غير مستمرة، ولأنه حدث انقلاب على مرحلة ما قبل الحرب (بجنونها، وشغفها وتناقضاتها وتنافراتها، وديموقراطيتها، ولاديموقراطيتها، وسلميتها وعنفها، وطموحاتها القصوى...) فإن هذا الانقلاب اصاب تحديداً ما كان يسمى الاستراتيجية الإصلاحية بتفريعاتها، وامتدادتها. ولهذا نتذكر أن كل حزب كان عنده استراتيجية بعيدة المدى، وتكتيكات يستخدمها او يبررها لبلوغ تلك الاستراتيجية. هذا انتفى اليوم. (آخر محاولة كانت الوثيقة الدستورية وربما الطائف، الله أعلم) وبانت فكرة الإصلاح بلا فكر. واستراتيجيته بلا استراتيجية. مجرد تكتيكات لا تعلو لتدرك اكثر من همومها المباشرة، أو صراعاتها الآنية حول السلطة. فلا ترى الإصلاح يبدأ من فوق، ولا من تحت، ولا حتى من الوسط.
ولأنه تجريد تحس أنه يُباشر من حيث لا يبدأ. واذا بدأ فأنت لا تدري الى أين يبدأ. لحظة من تلك اللحظات التي تنتفض كالنوبة، تحيي كلاماً رميماً، وشعارات نافدة، ثم تأفل كأنها "عاصفة رملية" بين الأصابع وبين الحناجر وبين الفناجين. وعندما تريد أن تتحقق لمعرفة الامكنة التي هبت منها هذه "العاصفة" المذرية الغبار، فتكاد لا تعرف. أهي من زهو ذاتي، أن من نيات تقول ما لا تفعل، أم من نوافذ السلطة لتحمي هشاشتها، أو من باب الانفعال، أو من باب "التكتكة"، ام من باب اللفظية الفضفاضة، أو من حيث تسجيل نقاط بين أهل الحكم، أو حتى من حيث ترويع "الخصم" وترهيبه، أو من حيث تحقيق مكاسب وقتية أم لاحقة أم متداركة. لكن الإصلاح في جميع هذه الحالات يأتي من الموقع المضاد للإصلاح. لا لارتباطه بكل هذه الأسباب والدوافع فقط، بل لأنه مُفرغ تماماً لا من احتياجات الواقع وانما من احتمالاته، ومستقبله.
كل إصلاح لا يتصل بمنظومة فكرية ـ سياسية واضحة يُفضي إلى تشويش عمومي، لكي لا أقول إلى ضيق افق خانق. فالإصلاح، في مفهومه الاساسي، ليس مسألة "مكافحة الفساد" فحسب وانما هو محاولة للوصول إلى جوهر العلاقات السياسية، ومنظوماتها المختلفة، وإلى ادراك واعٍ (لا خطابي) للبنى التحتية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية أي للبنى التي تكوّن النظام نفسه.
فهل يجرؤ احد اليوم (برغم "شجاعة" الكثيرين، وأين؟) على ربط الإصلاح ببنية النظام وتركيبته وثقافته؟ هل يجرؤ أحد اليوم ان يتجاوز، عندما يتعرض للإصلاح القضية الطائفية، والتي هي أساس النظام؟ هل يمكن أحداً ان "يهجم" ليحقق الإصلاح في ظل غياب الصوت الآخر، او الأصوات الأخرى: النقابات المهنية والاجتماعية، والأحزاب التغييرية والمحافظة أي ما يسمى مكونات المجتمع المدني؟ هل يمكن ان تعلو "نبرة" احادية مستقلة عن مكونات المجتمع المدني وتعابيره الديموقراطية (الفصل بين السلطات وفصل القضاء عن الأجهزة والسياسة، وحرية التعبير المطلقة، والاستقلال الناجز) أن تفعل سوى ما يفعله العقل الأحادي في مجتمعات شبه أحادية، مسيطر عليها، ومتمكن منها، ومحددة لها السقوف والأمداء والهوامش؟
فأي إصلاح يرتجى في أمكنة انحسرت فيها "العقول" المدنية، المنفتحة، والحية والاستراتيجية تسطو عليها أشكال الفرض والطغيان الذاتية؟
أي إصلاح يرتجى في امكنة شاغرة، لا تنبض فيها فكرة، ولا يلمع فيها ابداع، ولا يبرق فيها سوى ذهنية الاملاء، والتخويف والقمع والترويع؟
الإصلاح قبل كل شيء تراكم، ومن الصعب جداً أن تستنبته هواجس فردية، وعجائبية، ونيات غرائبية، بل من المستحيل أن يطلع إصلاح من حيث يسود الجهل والأمية والطائفية والتسلط والفساد والنفاق والتبعية والاحادية.
اذ ان المجتمع كله هو الذي يقوم بالإصلاح، لكن ماذا يمكن ان نفعل اذا كان هذا المجتمع مصادراً ومعزولاً ومدفوعاً بقوة كتله العمياء، وأرسانه العمياء، وأحصنته العمياء؟
الإصلاح، أو فكرة الإصلاح ثقافة، ونمط تفكير، وسلوك حياة، وممارسة. فأين هي هذه الثقافة؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00