8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ثقافة الفساد

كل الذي تعاقبوا على السلطة، منذ الاستقلال وحتى زمننا العجيب هذا، كانوا، وبالتتابع ربما، يكتشفون في لحظة ما "سحرية" أو "أسطورية" أن في بلادنا "فساداً"، وان عليهم، بحكم مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية والسياسية، وحفاظاً على "طهارة" الوطن، والمواطنين، ان يرسموا خطة لمكافحة هذا الفساد، بل و"استئصاله". والطريقة الأسهل لتحقيق هذه "المهمة ـ الرسالة" كانت تتمثل عند الجميع كما خبرنا وعلمنا في القيام بعملية "تطهير" في الإدارات والمؤسسات الرسمية. عال! وهكذا يحددون، وعلى عجلة مفاجئة، الداءَ والدواء. لكن، وعبر هذه العقود المتطاولة، كنّا نكتشف، أن معظم من يطهرونهم كان من "خصومهم" أو من أتباع خصومهم، وهنا تشتد "المعارضة" وترتفع الاتهامات والضغوط، وتستنفر الصفات والمراتب الطائفية، فتتوقف عملية التطهير مع "توقف" الفساد ويعود كلّ الى قواعده سالماً ليمارس بدوره وبحكم المسؤولية التاريخية مهنة الفساد من فوق، وصولاً الى تحت، مع أتباعه وأقاربه وأهله وجيرانه وخلاّنه، أقصد ليمارس مهنة الحكم عبر الفساد، فتستتب له الأمور. ومن الطبيعي في نظام كنظامنا، ومنذ العهود الاستقلالية وما قبل (فوضوي بطائفيته) أن يكون عادة المُطالب بمكافحة الفساد، هو من أكثر الفاسدين والمفسدين. انها أصول اللعبة، وهكذا تكونت عندنا بعد سنوات طويلة ثقافة فساد متكاملة، أو نظام ثقافي متكامل، قائم على أركان صلبة من الفساد، وعلى تراكمات وتجارب وممارسات، تجعل من هذه الظاهرة جزءاً من تفكيرنا، وتكويننا، وسلوكنا، حتى ليصبح الفساد طريقة حياة، وطريقة حكم، وطريقة تربية، ومناهج، وتأهيل قد يبدأ منذ الطفولة ويكمل عبر التربية المستدامة (تربية الفساد) كل العمر. بل وأكثر: يصبح الفساد شيمة من شيم المواطن "الصالح"، وفضيلة من فضائله، ودلالة على نجابته، وذكائه، وشطارته، ولاسيما واقعيته. فالفاسد شخص "واقعي"، وغير الفاسد شخص خيالي، "لا علاقة له بما يجري حوله". الفاسد هو القاعدة و"النظيف" هو الاستثناء.
ولعلّ هذه الثقافة المتأصلة، والعريقة، والراسخة تتخلل مراتب الفرد والمجتمع والعائلة والحياة والشرائح والطبقات، ككل ثقافة، تخترق اللاوعي الجماعي، والخلايا، والمسام، والعادات. وهي ثقافة، من فرط قوتها وانغرازها في النسائج الاجتماعية، والتاريخية، بات معترفاً بشرعيتها، وبشرعنتها، و"قوننتها" ودسترتها. بل هي من الشروط الأساسية التي تتيح للشخص أي شخص، أن يحقق نجاحاً، أو يكتسب موقعاً، أو يحصل على وظيفة، أو يتسنم منصباً، أو ينخرط "بحرية" في لعبة السياسة والقيادة والرياسة والوزارة والنيابة والإدارة. ذلك أن ثقافة الفساد تعمم ذاتها وتجدد لذاتها، وتنجب ذاتها، عبر كائناتها الذين وضعتهم، وربتهم، وكوّنتهم وصدرتهم. وهي تعرف جيداً كيف تلفظ الأجسام الغريبة "النظيفة" التي تهدد حضورها الطاغي، وتشير الى مكامنها، والى أمراضها، وأوبئتها، وأخطارها.
ان ثقافة الفساد هذه تجعل من الشعوب شعوباً بلا مُثُل، ولا قيم، ولا وشائج أصيلة، ولا أفكار، ولا أحلام، ولا إبداع، ولا آمال كبيرة ولا حرية ولا ديمقراطية، ذلك أنها تُعطب كل ينبوع حي في الداخل. تحوّل الناس الى أرقام انتهازية، وأنانية، لا يردعها رادع، ولا يردها وازع، عن "تحقيق ذواتها" أو بعض ذواتها، طموحاتها، أو بعض طموحاتها، سلطتها أو بعض سلطتها، أهدافها أو بعض أهدافها، بأي وسيلة ممكنة مهما بلغت لاإنسانيتها وقذارتها ووحشيتها وجنونها. ويمكن ثقافة الفساد هذه أن تقدم كائنات مستعدة لخيانة أي شيء لبلوغ مآربها: خيانة الوطن، الناس، الأهل، الأصدقاء. ويمكنها أن تقدم نفسها لتلعب أي دور، وتقوم بأي مهمة، وترتكب أي جريمة، من أجل أهدافها. يمكن مثلاً أن يعمل هذا الفلان عميلاً أو جاسوساً ضد بلده من أجل سلطة أو مال أو منصب. يمكن أن يقتل، يسرق، يزوّر تواريخ الأدوية، ينهب المال العام، يستخدم سطوته المدنية أو العسكرية، أن يستورد نفايات نووية ويزرعها في مكان ما من وطنه وربما قرب أهله، (لا يهم)، يمكن أن يفخخ سيارات وأمكنة، ويغتال ويقصف مباني مدنية، ويذبح على الهوية، ويرتكب المجازر، ويسجن الأبرياء، ويرشو القضاء، ويزيّف القانون، ويسمم الينابيع، من أجل أي حفنة من الوعود، والسلطة، والمال...
هذه الثقافة الفاسدة لا توفّر الأفراد ولا توفر الجماعات والأحزاب والهيئات والطوائف والقبائل والعشائر ورجال الدنيا والآخرة وما بعد الآخرة. فلننظر حولنا اليوم: جميل أن ندعو الى مكافحة الفساد، لكن المهم أن ندعو الى مكافحة ثقافة الفساد، فتكون كمن يدعو الى مكافحة ارتفاع الحرارة، أو انخفاضها. ومن قوة هذه الثقافة أنها تفضح وبشراسة أهليها ومتبنيها ومغذيها، مهما لبسوا لبوس محاربتها. فهي تعرفهم. والناس الذي تمرسوا على امتداد عقود بأعراض الفساد، يعرفون جيداً (وإن تواطأوا) لماذا يحدد اليوم أو البارحة أو العقد الفائت لحظة لـ"التطهير"، ولحظة "ضمير" لضرب ظواهر الفساد ومظاهره. وهؤلاء الناس يعرفون أنه عندما يركز على بؤرة فاسدة هنا، فلكي يغطى على بؤرة أفسد هناك. لعبة تعمية معروفة جيداً. والناس المتمرسون بهذه الثقافة اليومية، الحميمة، يعرفون تمام المعرفة، أن المسائل ستلفلف في النهاية ولو بدأت ولأسباب محددة بعراضات وكاميرات واستعراض قوة.
ذلك أن الذين يستمدون قوتهم، منذ عشرات السنين، من ثقافة الفساد، ويستغلونها من أجل ترسيخ حضورهم (عبر تلويث المؤسسات والتلاعب بها)، لا يمكن أن يذهبوا في هذه اللعبة بعيداً، لأنه لو هزمت هذه الثقافة هزم النظام معها، وهزمت تقاليد سياسية وأعراف اجتماعية وقواعد تكوِّن الحياة، وتكون أساسيات العيش... وهزمت بالتالي آمالهم وأشواقهم، ومسراتهم.
انها لعبة المرايا المعكوسة. لعبة الأقنعة. والازدواجية. لعبة الخراب العميم، بل لعبة الانتحار بامتياز!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00