لم نستغرب أن تُثير نتائج التصفيات ما قبل النهائية لبرنامج "سوبر ستار" (تلفزيون المستقبل) والتي أسفرت عن خروج ملحم زين من المنافسة، كل هذه الضوضاء والجلبة وردود الفعل في البلد وسائر بلدان العالم العربي.
إنها الجلبة التي ترافق أحياناً كثيرة كل حدث يكتسب حجماً كبيراً. و"سوبر ستار"، الذي أمتع الناس بالأصوات التي قدّمها على امتداد أشهر، اكتسب شيئاً فشيئاً صفة "الحدث" الشعبي الكبير. ولهذا علينا ألا ننحرف في تداعيات النتائج وذيولها، وننسى أن هذا البرنامج، قدَّم قبل كل شيء، خامات صوتية فتية وشبابية غنية وجديدة وواعدة. فالحدث أولاً وأخيراً هو حدث فني، كشف وبتقشف وعلى غير استعراض وإبهار، مجانيين، ومن دون ابتذال، ان الصوت الجميل هو دليل ذاته، ولا يحتاج لكي ينجح إلى اكسسوارات برانية، برّاقة، وإلى عدة الاثارة، والافتعال، والاعتداء على الفن نفسه، إذ لا يمكن أن نطوّر فناً بالاعتداء على الفن نفسه.
وكم كنا نتمنى أن يبقى هذا الحدث في حدوده الفنية الخالصة، النقية، الابداعية، يحمل المواهب الغضة إلى الضوء، سعياً إلى احتلالها أمكنة مرموقة في ساحات الغناء المكتظة بالرداءة والانحطاط. أي كم كنا نتمنى ألا يتداخل في هذا "الحدث" ما يحيله على ما يصب في مجتمعاتنا وأنظمتنا وعاداتنا وسلوكنا وأنماطنا من أمراض. أي تحويله حدثاً "سياسياً" أو طائفياً، فيطمس خصوصيته الفنية، ويذيبه في عموميات سائدة، لا تلمس شيئاً إلا وتفسده، أو تشوهه، أو تحرفه عن مساره الأصلي.
لكن "صار الذي خفت أن يكون"، وتساقطت الرواسب والنوافل والأسافل على تلك النجوم الشبابية، فكادت تغمرها كلها أو تطفئ أجزاء منها.
وعندما خرج ملحم زين، هذا الصوت "المتسع" والشاهق، طفا "المخفي" فجأة، لنجد أن الجميع تعاملوا مع النتيجة وقبلها في طريقة التصويت تعاملهم مع أي انتخابات نيابية أو بلدية، أو أي استفتاءات أو مبايعات معهودة، مسقطين هواجسهم وخيباتهم (المكبوتة عادة) وغرائزهم ومشاعرهم، وعصبياتهم "الوطنية" والقروية والسياسية لكي لا أقول العنصرية. وقد يعود ذلك إلى أن الجمهور الذي شارك في "انتخاب" مطرب كان أصلاً قد انقسم إلى جماهير "إجماعية" يصوّت كل جمهور منها "لبلده"، وبمنطق العشائر، أكثر مما يصوّت لاختياراته وذائقاته الفنية التي انصهرت في ذائقة واحدة تنوّعت على امتداد البلدان المشاركة. فكان مثلاً "إجماع" لبناني حول ملحم زين. وإجماع سوري حول رويدا عطية. وإجماع أردني حول ديانا كرزون. طغت فكرة "الاجماع" "الوطني" على ممارسة الجمهور "حقه" المشروع في "اختيار" مصيره...
إنه الاجماع الذي ورثناه من تكاويننا العشيرية والقبلية وأنظمتنا التوتاليتارية. أي إجماع اللون الواحد، والصوت الواحد. إجماع الكتل الباصمة والمبصومة، والشرائح المفرزة على الأسس البيولوجية، أو الوراثية، أو التقليدية.
الثلاثة إذاً، ومن خلال نتائج "التصويت" كانوا مرشحي إجماع "شعوبهم" وأوطانهم "الغالية" الوفية، المخلصة. فكل قبيلة حضنت "شاعرها" ومطربها لتذكرنا بحروب داحس والغبراء، أو "بجنون" الانتماءات الجماعية المفلتة من كل عقال. وهو جنون متشابه عند الجميع إلى حد كبير، بطبيعته ونوعيته وسليقته وردود فعله وعنفه، عندنا، في لبنان وفي البلدان التي قدمت "مرشحها" المفضل الذي لا يقهر. حتى المثقفون والصحافيون والكتبة والفنانون انضموا إلى قبائلهم التاريخية المكتملة، لكي لا أقول إلى قراهم ودساكرهم ووشائجهم الوطنية الضيّقة. واللافت أن المؤسسات الرسمية السائدة شاركت أيضاً وبقوة في هذا الكرنفال الكبير، فكأنما أرادت أن تعوض "بربح" فني ما قد خسرته، وتبحث عن انتصار ما في غير مرماها وحولها وقوتها. إنها لعبة المصادرة بامتياز. فاستنفرت وسائلها الشتى، و"جماهيرها" لترتقي بالمنافسة الغنائية هذه إلى مستوى الوطن! وكرامة الوطن. وشرف الوطن! ومصير الوطن!
أما الجمهور الغفير الذي دق النفير فهو أيضاً، هنا وهناك، وربما بالتساوي، كان يبحث أيضاً، بدوره، عن انتصار، أي انتصار حرمته منه هذه المؤسسات المهيمنة وقد وجد ضالته أيضاً في هذا السباق الجميل، والفني. وجد في هذه المنافسات مخرجاً لتفجير كبته التاريخي، وتعويضاً عن كل ما عاناه من إرهاب طائفي وخوف وصمت ولا حضور. وجد مكاناً يستطيع أن يدلي فيه "بصوته" المخنوق، أو على الأقل وجد ملاذاً آنياً يمكن أن يحقق فيه أو يتوهم أنه حقق ولو إعلان صوت، ولو إعلان انتصار. فالوطن الذي اختزلته الأنظمة، على ضروبها، في قياداتها ها هو الجمهور يلعب اللعبة ذاتها، فيختزل الوطن في هذه الأصوات المتبارية. لعبة عبثية؟ ربما! لكنها مغرية بقوة دلالاتها ومعانيها، تراهن في ما لا تدري، على تضامن ما، على "وحدة" ما، إزاء ظاهرة ما، أو قضية ما، أو شخص ما، أياً تكن تلك الظاهرة، أو القضية أو الشخص. ها هو "الشعب" هنا وهناك، يتوحد أخيراً هذه المرة بعفوية. أو الأحرى ها هو يصوغ "وحدته" بإرادته! يصوغ إجماعه الخاص، حول المتبارين. فليكن إذاً هذا "الاجماع" حول الفن بديلاً من حرية فردية "مفقودة"، وبديلاً من مجتمع مدني متماسك، وبديلاً من إرادة جماعية حية، وبديلاً من مشاركة مباشرة بالقرارات الصغيرة أو الكبيرة.
فالجمهور العربي، في هذا البلد أو ذاك، والذي يطفو على أزمات اجتماعية واقتصادية وفقر وقمع وتخلف، وهزائم بالجملة والمفرّق ها هو ينتقل بأفكاره والتزاماته وتعاطفه وغرائزه إلى أمكنة أخرى، غير التي يجب أن يتواجد فيها، وبدلاً من أن يخزن به طاقاته وحميته وحماسه من أجل مطالبه الوطنية والقومية والاجتماعية المهدورة، ها هو يجد نفسه في الموقع ذاته، وفي الموقف ذاته، مع الذين أخرجوه من "اللعبة"، موحداً حول "مطربه" أو "مطربته" (أو فريقه الرياضي). وكما تتعامل الأنظمة معه من مبدأ "الاجماع" حولها، تعامل هو مع مطربه الوطني (الانتساب البلدي)، من باب الاجماع أيضاً، لا تزكية للفن وللمعايير الفنية، بل تزكية للاسقاطات "الوطنية" على الفن ومعاييره. إنه منطق السياسة "الشمولية" ينسجم مع منطق "الفن الشمولي". وكل هذه المقاييس "الخارجية" (العنصرية) الجامعة وهماً وخرافة، هي أولاً وأخيراً انحراف عن الفن نفسه والفنانين أنفسهم. فالفن لا يحتاج إلى "إجماع" بل هو ضد الاجماع، لأنه يقسم الناس ولا يجمعهم. يقسمهم على قاعدة أن كل ذائقة هي ذائقة فردية، نسبية، وليست ذائقة إطلاقية من صنف توتاليتاري أو قبلي أو عشيري أو طائفي. ولهذا فمعظم الذين صوّتوا لهذا الفنان أو ذاك من منطق الاجماع الوطني، أو القبلي تجاوزوا اللعبة الفنية الأصلية، ووقعوا في لعبة أخرى. وهنا أسأل: ماذا لو صَوَّت مثلاً 40 بالمئة من المشاركين اللبنانيين لرويدا، أو 50 بالمئة من السوريين لملحم زين، أو 50 بالمئة من الأردنيين لأحد المطربين. هنا كانت اللعبة فنية بامتياز، وهنا كانت أشكال الانتماء القبلي أقل، وهنا كانت انتصرت فكرة الفن الحقيقي، الذي يتجاوز بجوهره الأعراق والأجناس والروابط التاريخية والايديولوجية والقومية والعصبيات.
وفي النهاية، وبرغم هذه الظواهر، نجح سوبر ستار في رهانه الفني، ونجح الفنانون في تقديم خاماتهم الصوتية الجميلة، ونجح الجمهور العربي في متابعة هذا البرنامج، وإن كنَّا نتمنى أن يخلط هذا الجمهور الأوراق، ولا يعتبر أنه يصوّت في هذا الاحتفال الفني، لنشيده الوطني، أو لقضيته الوطنية، بقدر ما يصوّت لصوت جميل أقنعه صاحبه بقوته وعذوبته وموهبته.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.