النظام العراقي السابق انتهى بعد أن أنهى على امتداد أكثر من ثلاثة عقود ثقافة فكرية وسياسية وايديولوجية واجتماعية وحزبية كاملة كان منخرطاً بها و"ملتزماً لها". دمرها كلها: الفكر القومي العربي، العروبة، البعث، اليسار، الشيوعيون، التقدميون، الوطنيون، وكل ما كان يحضن هذه الأفكار، منذ نشوئها من طليعية (ثورية)، وديموقراطية، وليبرالية. دمرها بالقمع والقتل والسجن والتنكيل والارهاب.
بمعنى آخر افترس النظام السابق نظامه الفكري ومشتقاته وأطره التي وصل باسمها إلى السلطة. أكل نفسه. حطم الأسس التي اعتلاها، وَبَرَك على أنقاضها وحده. حتى بدا أن قوته في "عزلته" أي في وحدانيته. وحده حل محل كل شيء. التاريخ، الجغرافيا، الجماهير، الارادات الحية. اعتلى اهرامات من الموتى والجماجم والعظام، كانت أجساداً ذات يوم حملته إلى ذلك الكرسي الأوحد الثابت، ولم يجد معيناً له، سوى "مساقط" رأسه، وقبيلته (أو قبائله)، وعشيرته (أو عشائره) وعائلته من أبناء وأخوة وأقارب... أي انتقل من مقلب التاريخ والأفكار إلى مقلب البيولوجيا، من فضاء "الجماهير" إلى فضاء السلالة والخلافة والوراثة. هكذا تَسَنَّم أعلى قمة من قمم العزلة وتَرَبَّع عليها.
وقبل أن تقوم الامبراطورية الأميركية وتحالفاتها بالاعتداء على العراق، كان النظام العراقي صفى كل الأفكار. وصل إلى النقطة الانقلابية القصوى على ذاته، وعلى تاريخه. لم يبق شيء سوى ما تخلفه الديكتاتوريات (الخلافية) من موروثاتها: نقائضها، ولهذا، عندما كان يحتفل بعض المثقفين بسقوط "الديكتاتور"، من دون أن يستشعر "النقائض" التي سترثه، كان مثقفون وسياسيون آخرون يتكهنون بالمنقلبات الجديدة التي صنعها قمع النظام السابق أو غذاها ونماها في الجوفيات المعتمة، والأوكار، والتحركات السرية: الطائفية، العشيرية، القبلية. وقد تُوِّجت هذه الظواهر الكيفية التي تمر بها تأليف المجلس الانتقالي. كأنه مجلس انتقالي ـ ثوري جديد. يريد، بموروثه الانقلابي، أن "يطهر" الأرض العراقية من كل ما تبقى من النظام السابق، وليس هذه المرة، بشعارات علمانية، واشتراكية، ووحدوية، وإنما بشعارات كانتونية. أي بثقافة تكونت، على امتداد السنوات الثلاثين الأخيرة، في الطبقات السفلى من المجتمع تبشر، في معطياتها وجواهرها، بتغييب كل ما سواها، تماماً كما فعل الديكتاتور السابق. هذه الثقافة غير البعيدة من منظوماتنا الفكرية والحزبية العربية وجدت بسهولة أرضاً صالحة لبذارها: من ثقافة "قتل" إلى ثقافة "قتل أخرى". ولا نظن أن رعاية الاحتلال لهذه "الديموقراطية" العددية (والديموقراطية العددية نوع من الديكتاتورية إذا لم تُهجَّن بصراعات فكرية أو تعددية حزبية)، يمكن أن يموِّه طبيعتها وطبائعها وسليقتها وفطريتها ويوحي بعلاقات متكافئة، حوارية بين أطرافها: السنة، الشيعة، الأكراد، التركمان، المسيحيون. وكل هذه الأطراف، تندرج سياسياً في بنى، تستخدم الدين والانتساب القومي كذرائع جاهزة لفرض حضورها أو هيمناتها على بعضها، كما تستخدم كل ذلك كمسوغات للارتباط بالخارج سواء كان هذا "الخارج" احتلالاً مباشراً (أميركياً) أو مرجعيات كبيرة في الجوار وأبعد من الجوار.
كأنها ديموقراطية الجدران. كل طائفة أو عشيرة أو "قومية" تصافح الأخرى بأيدٍ مستعارة، ومن وراء جدران انتماءاتها المغلقة.
السؤال: أيُّ ثقافة تحاور أيَّ ثقافة هناك اليوم؟ ما هي الأفكار التي تتحاور؟ ما هي المشاريع التي تتصادم؟ ما هي آليات المجتمع التي تتلاقى أو تختلف؟ وهل يمكن، بعد استشراء ثقافة المذاهب والطوائف والعشائر الكلام على شيء اسمه العراق؟ اسمه الدولة العراقية؟ اسمه الانتساب إلى التراب العراقي، والتاريخ العراقي، والحضارات العراقية، والمستقبل العراقي؟ لا أظن. فالعقل الانقلابي "العلماني" السابق، تقمّص العقلَ الانقلابي "الديني" الراهن؛ بل نكاد نقول ان الطائفة حلّت محل الوطن؛ (تماماً كما هي الحال، وإلى حد كبير في لبنان وبعض العالم العربي). إذا كان هذا صحيحاً، ولو بنسب، فيعني أن مستقبل العراق ليس "عراقياً"، ولا "عربياً" بل فضاء من الخراب والغموض والتشتت والتسلط والارتهان والارتباط والغربة، والفوضى.
ويعني كل ذلك أيضاً أن السياسة كطريقة لتداول السلطة، أو الحكم، عبر قنوات حرة وحية، لن تكون موجودة. وإذا وجدت، بين هذه الطوائف، فلن تقوم سوى على "المحاصصة". والصفقات، والمساومة، والاقتسام (النموذج اللبناني بامتياز)، والعنف، والارهاب، وإذا حصلت انتخابات ما، فلن تكون أكثر من تعبير عن ثقافة القطعان التي عرفناها (وما زلنا) مع الديكتاتوريات، أي نقل الجماعات المدموغة من ممارسة الاستفتاءات، إلى ممارسة نوع مشابه تموّه فيه الانتخابات وتنساق "الجماهير" الطائفية بقوة غيابها إلى صناديق اقتراع تبقى فارغة حتى بعد امتلائها! فالغياب هو السمة المشتركة لكل من الممارستين: العلمانية الديكتاتورية بقوة الفوضى، والطائفية بقوة الخضوع لمنطق الانتماء النرجسي.
إنها ثقافة واحدة، ولو كوَّنها أهلوها بتلاوين وأصباغ توهم بالاختلاف. فصدام مرَّ من هناك، واستمر مروره ثلاثة عقود، و"الصداميون" الجدد يبدأون اليوم رحلة القضاء على ما تبقى في النفوس وفي الأماكن من عقلانية، وإرادة، وحلم وحرية. نقول ذلك وكأننا ننسى أن السيناريو الذي أوصل البعث وصدام إلى السلطة عبر الانقلاب الدموي على عبد الكريم قاسم لم تكن الأنامل الأميركية ببعيدة منه في ظل الحرب الباردة آنئذ بينها وبين الاتحاد السوفياتي، كما أن الانقلاب الراهن على صدام ووعد الشعب العراقي ببناء ديموقراطية ونظام جديد (بشائره المجلس الانتقالي) من صنع أميركي أيضاً. فالامبراطورية كانت حاضرة وبقوة في المحطتين التاريخيتين. الأولى أدت إلى حروب الخليج، والثانية (اليوم) قد تؤدي إلى حروب داخلية. الأولى أدت إلى انهيار العراق اقتصادياً وعسكرياً، والثانية (اليوم مع الانقلاب الجديد)، قد تؤدي إلى سيطرة الاحتلال على ثروات بلاد الرافدين. الأولى (1979) ساهمت بتسلّم السلطة وديكتاتورية مطلقة (ألا نتذكر بينوشيه، ونورييغا وماركوس) وفي الثانية (اليوم وتحت الاحتلال المباشر) تخلق سلطة برؤوس شمولية متشابهة (متنوّعة الطائفة والاثنية).
هذا النموذج "الانتقالي" الجديد، الذي يصوغه الاحتلال، هل سيكون نذيراً لنماذج انتقالية جديدة أخرى في جوار العراق وأبعد منه، لتكون البدائل طوائف ومذاهب وعشائر واثنيات "يُنتج" لها مجالس موقتة، ملمومة، وملزّقة، وهشة، تقضي على ما تبقى من ثقافة التنوير، والديموقراطية، والاستقلال؟
السؤال الكبير: قامت الأنظمة العربية الراهنة بعد مرحلة "الاستقلال"، فهل تكون "الأنظمة" المقبلة، وبتخطيط من الامبراطورية والصهيونية، أنظمة التبعية، وزوال الاستقلال؟
بل نقول: هل ماتت ثقافة التحرر فعلاً في رؤوسنا وقلوبنا؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.