هل نحتاج، اليوم، في لبنان وفي العالم العربي إلى الديموقراطية؟ وماذا يمكن أن نفعل بهذا "الكائن" الهجين الغريب، الذي تمارس عليه، منذ عقود، ما يُمارَس على الخارجين على القانون، والنواميس، والأعراف، ولا مَنْ يدافع عنه، أو ينقذه من براثن وأنياب تنامت وصَلُبَت على ظواهر المليشيات، والطائفية، والعقول المعسكرة ـ المسكرة، والفساد، والقمع، والترهيب، والفقر المتفاقم، والهجرات المستمرة، والأمية المستشرية بوتائر عالية.
هل نحتاج إلى ديموقراطية؟ ولماذا؟ ما دمنا أولاً لا نعرفها، (وإن تذوّق بعضنا بعض مذاقها، قبل حروب العرب واسرائيل، وأميركا علينا في ما يسمى زوراً "الحرب الأهلية"؟)، وثانياً لا نؤمن بها، ونكرهها، ونحتقرها، ونذلها في ممارساتنا اليومية، والحزبية، والسياسية، والاجتماعية، والطائفية؟
لماذا علينا، وربما من باب الترف الفكري، أن نتكلم على ديموقراطية، ونتبجح بوجودها، (اسمعوا الجميع كباراً وصغاراً كأن الديموقراطية اسطوانة مشروخة في زلاعيمهم)، وندّعي تبنّيها، ما دمنا في كل صنوف أعمالنا المهنية والحزبية والنقابية وحتى العملية والفكرية، لا نستغني عنها فقط، وإنما نضطهدها ربما انتقاماً حتى من وجودها "النظري" أو "التجريدي" أو "الهيولي"، في "أفكارنا" الميتة.
فالذين ما زالوا يحلمون بالديموقراطية، (ولو خارج الحياة المألوفة)، يحاولون، البحث عنها، كمن يبحث عن وردة زُرعت في حجر، لكن أليس عليهم التلفت إلى ذواتهم، وإلى ما حولهم، وإلى واقعهم، ليتحسسوا، على الأقل، البيئة التي يمكن أن تعيش فيها هذه الديموقراطية، وتترعرع وتتنامى وتتطوّر وتفعل فعلها في المجتمع؟ ولماذا لا نطرح ويطرحون الأسئلة الأساسية حول احتمال "العثور" على هذا الكائن "الأسطوري"، الدينوصوري:
1 ـ الديموقراطية التي التمعت كوميض في مرحلة ما قبل السبعينات، بأفكارها، وأدواتها، وأهدافها، وظواهرها، هل عادت تصلح، لمجتمع ما بعد الحرب، وما بعد الطائفية، وما بعد الدولة، وما بعد الحداثة، وما بعد الرأسمال؟ وماذا يمكن أن نستبقي من تلك التجارب المهمة أصلاً، سوى التفاتات حنينية تشبه التفاتات الأطفال إلى دمى تحطمت في طفولاتهم؟
2 ـ هل يمكن أن تعيش الديموقراطية في مناخات أحادية؟ (كما عاشت شعارات، مجرد شعارات في أنظمتنا الأحادية؟)؟ أقصد هل يمكن أن نتكلم على ديموقراطية خارج التعددية السياسية والفكرية (والايديولوجية) والثقافية؟ وأقصد أيضاً: هل ما يتحدثون عنه، من "تعددية حضارية" ويقصدون "تعددية طائفية"، يمكن أن تشكل تعددية حقيقية، وهي في الواقع أحادية بأصوات متعددة ومتشابهة، وهذا يقودنا إلى سؤال أساسي: هل يمكن أن تنتج الطائفية ذات البنى المغلقة، تعددية ليبرالية أو غير ليبرالية، وتالياً هل يمكن أن تخرج من الطائفية ديموقراطية يحتمل أن نسميها ديموقراطية الطوائف وإن كانتونية، ودوغماتية، وشمولية، وفقيرة المحتوى، وهشة الهياكل وعنيفة التعابير؟
3 ـ هل يمكن أن تنشأ ديموقراطية ما، في ظل الاستبداد "المدني" (الجماهيري)، أو الاستبداد العسكري، أو الاستبداد الايديولوجي، أو الاستبداد الاقتصادي أو الاستبداد الفكري (الأصوليات ومشتقاتها)، والاستبداد في المناهج التعليمية والتربوية عبر تقنينها، واختزالها، وتوظيفها لما يناقض الحرية، حرية الاختيار، والعلم، والتعبير وبناء الفرد، والاستبداد الاقطاعي (الديني والسياسي الموروث والمكتسب)؟
4 ـ هل يمكن الكلام على ديموقراطية برلمانية، إذا كان النظام الديموقراطي مجزأ القوانين، خاضعاً لتشريعات مرتبطة بظروف الطوائف أو الاقطاعات أو بعض الشخصيات "المدعومة" من فوق ومن أعلى ومن تحت؟
5 ـ والدولة؟ إذا كان صحيحاً أن الدولة لا تصنع الديموقراطية بل على العكس: الديموقراطية هي التي تصنع الدولة، فالصحيح أيضاً أن غياب الدولة (كعباءة تضم كل المؤسسات والأنظمة)، أو محاربة أهل الدولة لقيامها وتطويرها، وتسفيهها بممارسات تضعفها أو تنفيها، لا يؤدي إلى قيام ديموقراطية. (لا نتكلم هنا على المجتمعات الفوضوية)، وإنما على مجتمعات مدنية عقلانية منظمة. بمعنى أن الشعب المتحرر هو الذي يحمي الدولة، وليست الدولة (كما يدعون) هي التي تحمي الشعب (إلا من شرورها)، صحيح أن الدولة ضعفت بالنسبة إلى مفهومها القديم كراعية للمجتمع، وممسكة بمقدراته ومؤمّنة لحاجاته، لكن الصحيح أيضاً أنها لم تختفِ، وأنها ما زالت "موجودة" على طريقة حكّامها بالطبع، وأنها كلما ضعفت علاقتها بالمجتمع، وقعت في الاستبداد والقمع. أي المس بحقوق الناس واختياراتهم ومصالحهم وحرياتهم العامة والخاصة.
6 ـ كيف يمكن أن تنبت ديموقراطية إذا كانت المجتمعات محكومة بهيمنة "العسكر"، وبذهنيات العسكر؟ (وهؤلاء كانوا وراء خراب الأمة في السنوات الخمسين الماضية وما زالوا)، وإذا كانت هذه المجتمعات تعتاش من ثقافة الخوف والرعب، والقمع، والظلم والديكتاتورية، ليؤول كل ذلك إلى مجتمع أحادي حصاده الموسمي 99.99 في الاستفتاءات والبيعات والانتخابات.
7 ـ كيف يمكن أن تحيا ديموقراطية ما، في مجتمعات، تربت بفعل ظروف الحروب أو غسل الأدمغة أو الاضطهاد أو الأصوليات، على ثقافة إلغاء الآخر. ونشير هنا، إلى أنه إلى جانب استبداد الأنظمة (الرسمية)، برزت استبدادات (هي امتداد لهذه الأنظمة) أشرس وأكثر عماء وصمماً وجهلاً مما خبرناه من حكامنا. (نتذكر "قيم" المجموعات الطائفية الأخلاقية والفكرية وكيف ترفض أي اختلاف داخل كانتوناتها غير المعلنة جنوباً وشمالاً وجبلاً وشرقاً وساحلاً وكيف تنصِّب نفسها أحياناً رقيباً على الفكر والأدب والفن).
8 ـ كيف يمكن أن تحيا ديموقراطية ولو في آخر الدنيا، في أنظمة تشكو خللاً في القضاء المسيس، المرتبط بالأجهزة، فهل يمكن التحدث عن ديموقراطية ما إذا كانت السلطات غير مستقلة بما فيها القضاء، وإذا كانت القوانين تستخدم ضد العدالة! هذا الكلام ينطبق على أنظمة العالم الثالث كله، ويبدو أنه امتد اليوم إلى الولايات المتحدة الأميركية.
9 ـ هل يمكن الكلام على بيئة صحية للديموقراطية إذا كان الاعلام ووسائل الميديا مهددة باستمرار (نتذكر قصف الجبناء المجرمين لبناء تلفزيون "المستقبل")، وإذا كان بعض هذا الاعلام أو معظمه، من مكتوب وسمعي ومرئي، محاصراً، بالمحرمات والنواهي والخطوط الحمر على أنواعها، واستنسابياً إلى آخر الحدود.
10 ـ هل يمكن الكلام على ممارسة شعبية للديموقراطية إذا كانت الأحزاب والنقابات والحركات والتنظيمات والجمعيات والجماعات. مشلولة الفكر، ممزقة في تنظيمها، هامشية في توجهاتها، دكتاتورية في علاقاتها، فاسدة في ارتباطاتها، مزدوجة في أفكارها وممارساتها، عقيمة في تجديد نفسها معزولة عن الناس والعباد.
ما سقناه هنا، أو ما تيسَّر لنا أن نسوقه مجرد إعلان عن أن ما نراه وما نسمعه حولنا، في بيئتنا وفي البيئات العربية الأخرى، ليس ديموقراطية، ولا حرية ولا حتى هوامش حولهما، بقدر ما هو "اجتهاد" تجريدي لشيء تجريدي (أو نظري) يتردد كالأشباح أو كالأطياف أو كالمنامات ويطيب لنا من باب الحلم أو التوهم أن نسميه ديموقراطية.
إنه شيء يمكن أن يكون تارة اسماً بلا مسمى، وتارة أخرى مسمى بلا إسم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.