8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كيلي بطلاً تراجيدياً

من يتابع المحطات الرئيسية لسيرة ديفيد كيلي، عالماً وخبيراً في أمور اسلحة الدمار الشامل، ومراتبه العلمية والادارية والرسمية يستغرب حتى الدهشة "الانقلاب" الحاد المفاجئ إلى حد كبير، والتحولات التي طرأت ربما، بلا مقدمات على سلوك هذا الموظف، المواظب، الذي عمل طيلة حياته "المهنية" من ضمن منطق المؤسسة الرسمية، متبنياً حتى "ايديولوجيتها" (أحياناً كثيراً) ومواقفها وخططها واستراتيجيتها بما فيها تكتيكاتها.
وقد أظهر معظم ممارساته انه ابن "النظام" البريطاني البار (لكي لا أقول الغربي بامتياز).
بهذه الذهنية "فتش" على امتداد سنوات في العراق، "متمنياً" العثور على أسلحة دمار شامل في "الدولة المارقة" كما كان يسميها. بل استنفر حواسه وأدواته وعلمه وثقافته وخبرته وشميمه وحدسه علّه يجد ما يدين العراق الذي كان محاصراً.
وكان من الطبيعي أن تشهد له الدوائر العليا والصغرى، العلمية والسياسية الغربية والبريطانية وتعترف اعترافاً سخياً بإخلاصه الشديد لوظائفه "الصعبة" لتوكل إليه في نيسان الماضي مهمة وضع تقرير عن أسلحة الدمار الشامل وكان عُين مستشاراً في وزارة الدفاع البريطانية. فالرجل المشهود له بالجدية العلمية، مشهود له أيضاً بالتزام الحدود الرسمية المرسومة. وعليه، وعندما تمّ تزوير التقرير الذي صور في أيلول بإضافة بعض الجمل التي جعله أكثر "إثارة" وأكثر استجابة لإرادة النظامين البريطاني والأميركي لتبرير الحرب على العراق، وقعت الواقعة، لا سيما عندما تبنى بلير وبوش هذا التقرير "المعدّل" ليحرضا على العراق، وينشرا الرعب عند الأقربين والأبعدين باعتبار أن صدام حسين قادر على "نشر أسلحة دمار شامل واستعمالها في 45 دقيقة!".
إثارة هوليوودية رائعة! واستثارة مسرحية بريطانية أروع!
اهتز الرجل، كأنما اصيب بتحول فجائي يشبه في لغة المسرح "Coup de T?atre". ربما بلا تمهيد. (وربما بتمهيد).
لكن كأن شيئاً كبيراً انقشع في عقل هذا العالم. وفي جسمه. وفي افكاره وسلوكه. فجأة شعر بأنه مخدوع بين المخدوعين. وأكثر من مخدوع. وانه مجرد "موظف" يمكن أن "يُوظف" كواجهة علمية، لأقذر الادوار السياسية، ولأقذر الحروب والمآسي، وربما شعر أيضاً بعد هذه المسيرة "العلمية"، بأن الإنسان لا يكفي أن يكون عالماً... يقدم خدماته للنظام بتفانٍ وموضوعية ليترك بقية الأمور لهذا النظام. هزة ضمير؟ (ربما! ارتعاشة انسانية جديدة؟ ربما! تعاطف ما مع البلد (أي العراق) الذي أحبه وكره نظامه؟ ربما! شَكّ عميق بالمؤسسات التي كانت تستخدمه؟ ربما! تدارك تاريخي لحياته المهنية؟ ربما كل ذلك، وأكثر. لكن المهم أن ديفيد كيلي، كان عليه، لكي يترجم هذه الاحساسات والأفكار، وردود فعله على تزييف التقرير، بأن يبدأ البداية الطبيعية والصحيحة: فضح التزييف وأصحابه والوسيلة الناجعة هي الميديا... وتحديداً "BBC") "المتهمة من قبل حكومة بلير بأنها تتخذ موقفاً ضد الحرب منذ البداية"....
وتتفجر القضية عبر "BBC" وتوجه أصابع الاتهام لديفيد كيلي بأنه مصدر معلومات الوسيلة الاعلامية المذكورة. حتى الآن، كأن كيلي انتقل من داخل المؤسسات الرسمية إلى عتباتها الخارجية. احتجاج بطيء وإن متفجراً، لكن محدود. أي انتقل من دور الموظف إلى دور العالم ـ المثقف، من دور "الضمير المتململ" إلى الضمير المنتفض، من دور المنخرط في لعبة الحرب (وإن "بنزاهة")إلى دور المنخرط في اللعبة ضد الحرب بقوة. بمعنى آخر انفصلت فردية كيلي عن القرارات والالزامات الجماعية الرسمية لتحاول تأكيد تميُّزها. لكن مع كل ذلك بقي في حدود الدور "الدرامي" المعهود لشخصية منسجمة مع ما حولها، من دون القفز، الدراماتيكي إلى دور "أخطر". كل ما تم حتى الآن في حدود ردود الفعل: الاشمئزاز، القرف، الضيق، الشعور بشيء من المهانة، بالنسبة إليه كعالم وكخبير. انها انتفاضة الموظف الذي بدأ يشك بأصول اللعبة "التقليدية" المرسومة بين "النخبة" الثقافية المهمشة، وبين سلطة القرار الطاغية.
لكن عندما استدعي كيلي للاستجواب من قبل احدى اللجان البرلمانية البريطانية، ليرد على نحو 157 سؤالاً ـ استجواباً، وفي قاعة بلغت حرارة التدفئة فيها 30 درجة، حُسمت القضية عنده. لم يستطع هذا الذي أدى الخدمات الجلى للعلم وللدولة والذي رُقي في المراتب تقديراً لجهوده، ان يتقبل فكرة معاملته بامتهان وبفظاظة، وبخبث وبعدوانية وباحتقار، في مناخ من الضغط النفسي عليه، معاقبة له على "افشائه" أسراراً خطيرة تمس بمصالح السلطة لا سيما بلير. هكذا بدا له حصاد عُمر كامل يحترق أمام عينيه. وهكذا بدا له ان هؤلاء الافظاظ الذين ساءلوه (بطلب من المسؤولين الرسميين) يعاملونه كحشرة. ربما كخائن. أو كواشٍ، أو كوباء. في هذه اللحظات التي بدا (كما يقال) شديد الهدوء والوضوح والدقة، كأن زلزالاً صامتاً يتفجر داخله. نظر حوله، ثم استعرض ربما تاريخه، ثم قارن بين الأمس واليوم، ثم وربما كالوميض (أو كالمعجزة) عرف انه اختار ان ينتقل من دور إلى دور: اختار ان يواجه "الآلهة" عندما تحداهم واعترض، وفضح التقرير: من دور درامي في مسرحيات "ابسن" إلى شخصية تراجيدية في مسرحيات سوفوكل أو يوريبيدس، ربما فكر في أن يتقمص دور انطيغون التي تمردت على القوانين من أجل العدالة، أو سيزيف الذي تمرد على الآلهة وعاقبته.
فجأة أحس بأنه تلك الشخصية التراجيدية التي تواجه قدرها وتواجه "الآلهة" وتعرف انها ستُهزم في النهاية.
هو الذي قرر. هو الذي اختار، لم يترك اسلوب التحقير الذي قابلته به اللجنة البرلمانية في استجوابها إياه، أي مجال للشك... أو التردد عنده، على العكس تماماً. فقد شَحَنته بعبثية لا حدود لها. وبقوة ان يذهب إلى الموت ذهاب الكبار. ذهاب الخاسرين. خرج من ذلك الاجتماع، واختار لنهايته التراجيدية مكاناً يحبه، ولطالما قطعه وعبره واستظل شجرَهُ: غابة نائية صامتة، لميتة نائية صامتة: فتح شريانه وتركه مفتوحاً على العشب. بصمت وكبرياء وكرامة. فالشريان المفتوح دليل أحياناً. دليل على الطريق، مخلفاً وراءه عالماً يظن انه ساهم بصنعه. عالماً من العنف والقتل والكذب والرياء والنفاق، عالم السياسيين. هكذا رحل، ليكون رحيله المختار، أبلغ احتجاج لا على حكومة، أو مسؤول بعينه، وانما احتجاج على عصر بكامله على ثقافة عصر بكاملها. على نخب حاكمة بكاملها...
نزف مع شريانه، وكأنه ينزف من كل جروح العالم، هذا الرجل الذي رمى "الميلودراما" خلفه واختار أن يكون تراجيدياً إلى آخر حدود التراجيديا .

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00