لم يعُد في العراق، كما علمنا، بعد تشكيل "المجلس الانتقالي" سوى طوائف. من قبل كان حزب البعث وحده دون سائر الأحزاب والملل والنحل، ولم يكن من فكر سوى فكره، وما من رئيس سوى رئيسه، وما من عائلات وأنساب سوى عائلته.
النظام الصدّامي اختزل العراق برئيسه وآله الكرام، اختزل الثقافة كلها، بثقافة القيادة. هي الوطن. والأرض. والتاريخ. والإبداع. والفنون. والتاريخ. والفلسفة. ثقافة الواحد الأحد.
اليوم، وبعد رحيل "الواحد الأحد" جاء "المجلس الانتقالي" المعيّن، ليُعبر عن ثقافة أخرى. و"حضارة أخرى". وتاريخ آخر. اختزال العراق الذي تمتد حضارته ألوف السنين الى ثلاث أو أربع طوائف ملحقة بها قوميات أخرى (التركمانية والكردية)، بالطبع دون القومية العربية! كأنما العقل الانقلابي الصدامي الذي أزال كل ما ومن قبله بالحديد والنار، هو ذاته اليوم وبطبعة جديدة، الذي يتحكم بالذين عُيّنوا وقبلوا جزءاً من العراق، ونثرة منه، وظلاً من ظلاله، بدلاً من أن يستعيد كله، بمفارقاته، وتناقضاته وامتداداته التاريخية السحيقة. الثقافة الانقلابية لم تتغير. (وهي التي ساقت الشعوب والأنظمة الى الخراب والتصحّر والهزائم). فالعلمانية التي ادعى النظام السابق اتباعها قُلبت وطويت صفحتها اليوم ربما الى الأبد، ومعها العروبة كانتماء وكمشروع، ليتربع على أنقاضهما غربان الطوائف على خريطة وطنية مفَتّتَة، ممزقة، مقسّمة، تحت مظلة الاحتلال الامبراطوري الأحادي.
وعندما تابعت هذا الكشكول المسمى "المجلس الانتقالي" المعروض على التلفزيونات ووسائل الاعلام في مؤتمره الصحافي كما تيقنت، من أن العراق الواحد، المتماسك، المتجذر، طافَ كخِرقة على أجسام هؤلاء الذين عيّنوا ممثلين للرافدين، "حاضراً" ومستقبلاً، وربما تبدد الى الأبد. وقلت ان العراق بات موقتاً كهذا المجلس. (نتذكر الوطن الفلسطيني الموقت أيضاً)، وربما نستشف أوطاناً عربية وغير عربية مرشحة لتكون أوطاناً موقتة، بل إننا كلنا كعرب، بتنا نشعر بأننا موقتون، على أرض موقتة، وتحت سماء موقتة، وفي تاريخ موقت، وثقافة موقتة.
ان تعيين مثل هذا المجلس (الذي سيعترف به معظم الموقتين العتيدين من العرب وغير العرب) انقلاب على الوجود العراقي، بقدر ما هو انقلاب على الوجود العربي برمته. وهو درس أميركي، بالدرجة الأولى، لنا، بأن علينا أن نقلب أنفسنا بأنفسنا قبل ان يأتي القلاّب الأكبر، وان علينا ان نقرأ واقعنا قراءة غير ذاتية، قراءة من خارج حواسنا وأفكارنا ومشاعرنا. قراءة بعيون الامبراطورية.
فنحن "أميو" واقعنا، وهم العارفون به. وهم أدرى بتاريخنا، وحاجاتنا، وأنظمتنا، وحضارتنا، ولهذا علينا أن نقيس معرفتنا بمعرفتهم كمرجعية، ونعيد تفصيل المستقبل على قياس تلك المرجعية.
وإذا كان القياصرة الجُدد ابتكروا "صراع الحضارات" لإفهامنا وإفهام غيرنا، بأنهم المتفوّقون، والخُلّص، وصانعو التواريخ، ومجترحو الإنجازات، فإن تقسيمهم العراق (وتالياً العالم العربي) الى طوائف وعشائر فحسب جاء ليسهل عليهم أولاً وصمهم العرب بالعنصرية، وثانياً بالدونية، وثالثاً استباحة خيراتهم التي "لا يستحقونها". ولهذا عليهم ان يقبلوا الاحتلال "الأبيض" كنعمة إلهية، ويُسخّروا أنفسهم عبيداً لخدمة هذا الاحتلال ولو نهب خيراتهم، وألغى تاريخهم، وسرق بترولهم، واستعبدهم استعباد الرقيق (كما فعل في السابق مع الأفارقة)، وقتل أبناءهم، وانتهك أعراضهم، فالاحتلال صنو "المقدس"، ومن يقاومه أو يفكر في مقاومته يدرج في خانة "التكفير" والارهاب.
كل هذا يعني استبدال فكر بفكر آخر وثقافة بثقافة أخرى. وواقع بواقع آخر. ووطن بوطن آخر. كأنما نوع من "ترانسفير تاريخي" وإنساني، ينتقل عبره ناس من ضفة الى ضفة، ومن منقلب الى منقلب، من دون إرادتهم ولا مشيئتهم (أو لم تقم أميركا على فكرة الإبادة. وإسرائيل ألم يزل ضمن استراتيجيتها قيامها بترانسفير فلسطيني الى أي مكان تريده أو تشاءه؟). وأكاد أقول ان مشروع الترانسفير التاريخي والمادي، الذي بدأ يتبلور عبر تعيين هذا "المجلس الانتقالي"، أخطر من فكرة انقلابية تحكمت بنا منذ قرابة نصف قرن. فهذا المجلس "الانتقالي" (الى أين؟) كأنه مُعيّن لينفذ "انتقال" التاريخ من موقع الى آخر، والابتداء من الصفر، انطلاقاً من النظام وانتهاء بالدولة ومروراً بالسلطة. ومجرد ان ننظر بهدوء الى هذه الخريطة المفروضة (نشتم منها روائح صهيونية كريهة)، نكتشف ان حدود العراق لم تعد حدوداً سوى بحدود الطوائف والاثنيات الراهنة. وان فعل "الإبادة" السياسية والانسانية يتم في حق مؤيدي النظام السابق من بعثيين وغيرهم، من دون التفريق بين مجرم وبريء ومتواطئ ومضلل. فكل من كان مع صدام هو صدام. (يذكرنا هذا بالإبادات الجماعية، والمذابح العرقية والطائفية)، أي تحولت النظرة الى النظام السابق من سياسية الى عنصرية، ومن عداء الى أيديولوجيا، لتنفي الجغرافيا الموحدة بجغرافيا فيديرالية (تقسيمية)، والتاريخ كبنية موصولة بتواريخ مجزوءة مشوّشة عمياء.
ولا بد أن يسأل العراقي (وغير العراقي): أين يبدأ تاريخ الرافدين؟ وهل كل ما سبق الاحتلال الأميركي، مجرد تهويمات، وأوهام وتجريدات؟
تكاد تكون المرة الأولى في التاريخ أن يعمد احتلال ما (وعملاؤه بالطبع والمتواطئون معه) الى اعتبار يوم احتلاله عيداً وطنياً، عيداً للتحرير (إسألوا أحمد الجلبي)، ليلغي بذلك أزمنة متسعة من نضال هذا الشعب ضد الاستعمار (الانكليز) وغيرهم. بل كأن الشعب العراقي ولد اليوم على أيدي محتليه. وكل ما كان قبل ذلك لا ينتمي اليه، بل الى شعوب أخرى مجهولة هوياتها، وان الشعب العراقي كأنما مُودَع قفصَ الاتهام باعتباره مسؤولاً عن أعمال النظام السابق وجرائمه. بل كأن الشعب العراقي لم يكن الضحية الأولى للصدامية، والضحية الأولى للحصار الذي فرض عليه أكثر من عشر سنوات. ويزداد الأمر سوءاً وضرراً عندما ينفى عن العراقيين، عبر نضالاتهم السياسية والفكرية والإيديولوجية الكبيرة، أي انتماء أو التزام عقلاني، أو مدني، عندما يحولهم الاحتلال (وعملاؤه والمتواطئون معه)، مجرد كائنات أو قطعان طائفية وعشيرية، ويحذف كل الظواهر الإيديولوجية والفكرية والسياسية الأخرى: من قوميين عرب، الى شيوعيين الى ماركسيين، الى ليبراليين، ليكمل بذلك ما ارتكبه صدام في حق هؤلاء من مجازر وإلغاء وتهميش وسجن وتهجير ونفي... ليسود "الحزب الواحد"، "والقائد الواحد". والمفارقة المضحكة ان الاحتلال (ومعاونيه) ألحقَ كثيراً من هؤلاء العلمانيين بطوائفهم وعشائرهم، ليكتسبوا "هوية" مذهبية دامغة أبدية على حساب كل انتماء آخر الى المجتمع المدني. صدام فعل الشيء ذاته لكن معكوساً: ضمّ كل الذين ينتمون الى طوائفهم وعشائرهم، بالقوة وبالولادة وبالفطرة، الى حزب "البعث"، حتى بدا، وكأن كلّ شيء بعثي في العراق: الوفيات والأشجار والفنون والأطفال والشيب... والتاريخ والجغرافيا والماء والأنهر... والغيوم والفصول... والمستقبل والماضي.
إنها ثقافة المحو، والإلغاء، والإبادة واحدة في النظام السابق، وفي هذا النظام الهجين، لتنتصر من جديد الذهنية الانقلابية المشحونة بنيّات بناء بلد آخر، وشعب آخر، وتاريخ آخر، ابتداء من سلطة حاضرة، أو ابتداء من حاضر يبدو أنه بلا ماض ولا آت.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.