نظام الملالي في إيران أين صار؟ ماذا حلّ به؟ هل سيجدد نفسه بلقاء قسري بين آيات الله المحافظين (خامنئي) وبين آيات الله الإصلاحيين (الرئيس خاتمي) لوضع حد للحركة الطالبية التي توصّلت الى قناعة بأن الفريقين المذكورين قد وصلا الى آخر المنعطف، وان عليها تجاوز هذه "الثنائية" الراديكالية ـ الإصلاحية الى صيغة تكوّن القوة الثالثة، أو الأحرى الطريق الثالث أو الأحرى أيضاً الثورة الثالثة؟
في تحقيق أجرته "لوموند" من داخل إيران استعرضت في لقاءات مع الأطراف المختلفة أحوال الشارع الإيراني، وخلف الجدران الإيرانية، والأفكار "الجديدة" والميول الفَتيّة (70 في المئة من الشعب الإيراني من الشباب. فأي حيوية. وأي تفجر)، وظهرت فسيفساء تتباعد قطعها وألوانها أكثر فأكثر.
المتشددون (الخامنئيون) معروفة مواقفهم: الارثوذكسية المطلقةوحكم المرشد المطلق، وسلطة ولاية الفقيه المطلقة، وتحركات الطرف الآخر (أو الأطراف الأخرى) ليست أكثر من زندقة، وانحراف عن الدين والأخلاق (طبعاً!) وعن الثورة بقماشتها الأولى، وان هؤلاء "الخارجين على القانون" هم عملاء ينفذون المخطط الأميركي لضرب إيران... الخ.
الخاتميون، المغلوب على أمرهم وعلى أمر رئيسهم (البلا سلطة ولا حكم)، حذرون من تحركات الطلاب وامتداداتها الشعبية، ليس لأنهم ضدها في المطلق، ولكن لأنهم يرون ان التغيير "يجب ان يتم على نار هادئة" للتوصل في المستقبل "الى تغيير الدستور وربما النظام". ويرون ان الجموح في هذه الاتجاهات ليس قفزاً في المجهول فحسب، بل وان من شأنه ان يقوي الطرف المتشدد الذي يملك العسكر والأمن والمخابرات والقضاء. كأنما كلامهم طلب تأجيل، والتسلح بالانتظار. بل وكأنهم يقولون أيضاً ان بعض الشعارات والأفكار التي رفعت في التظاهرات الطالبية (وتناقش داخل الدور والأماكن المغلقة) كفصل الدين عن الدولة، والعمل على إنهاء النظام الإسلامي ككل، وتالياً نظام الملالي ورجال الدين، وتجاوز التفسير الحرفي للدين، والاجراءات المتصلة بالشريعة، سترتدّ عليهم في النهاية. فخاتمي جزء من هذا النظام، وان مثل الجانب "التنويري" و"المنفتح"، و"المتسامح"، وان "يبطن" ربما وفي مستقبل قريب أو بعيد من يدري، التوجه صوب ليبرالية من نوع جديد تلتقي التجارب الأوروبية، وفي الوقت نفسه تبقى تحت السقف الديني. لكن في كل الأحوال من الصعب ان يقاوم الرئيس خاتمي الطغيانية لدى المتطرفين، ويسعى في الوقت ذاته الى "التماهي" بتحركات الشباب، من دون ان ينسى التخوم الدينية لسلطته.
لكن، نظن الآن، ان الكرة عند الشباب في هذه المرحلة. فهل يركبون مجازفة؟ هل عندهم نظرة متكاملة لتصوراتهم التغييرية، والى أي حد يمكن للمجتمع الإيراني تقبل اقتراحاتهم وآرائهم التي ينسف بعضها النظام برمته.
فماذا يقول هؤلاء:
1 ـ ان سلطة الملالي وآيات الله أي المحافظين يبدو أنها صارت موضع تشكيك من قبل كثيرين من الإيرانيين. وان هناك سباتاً "ايديولوجياً" عميقاً في النظام الذي ما عاد قادراً حتى على التصدي لحركة المجتمع. فهو، أي النظام، تقتصر سلطته على إجراءين: منع الكحول وفرض الحجاب على النساء. واذا سحبنا (كما يقول أحد المخرجين الذي لم يذكر اسمه في لوموند) هذين الاجراءين فلن يتبقى شيء من النظام السياسي".
2 ـ وفي الاطار ذاته ترى شريحة من الشباب (في لوموند أيضاً) انها "لم تعد تحتمل الطريقة التي يفرض بها الدين عليها" من دون ان تنكر "أنهم إسلام ويحترمون دينهم" لكنهم لا يفهمون كيف "يفرض الحجاب على المرأة الذي يجب أن يكون اختياراً فردياً" (بحسب لوموند)، لأن فرض الحجاب لا علاقة له بالاسلام.
3 ـ إن فصل الدين عن الدولة (كما يقول بعضهم) "يحرر المجتمع والدين معاً"، ويُفسح في المجال لمجتمع مدني متعدد الأفكار والانتماءات، تسوده سلطة القوانين لحماية الحرية لا لقمعها، ولممارسة الديقراطية لا لتكفير من ينادي بها.
وهذا يعني دك السلطة الدينية، وجعلها مقتصرة على الأمور الروحية والميتافيزيقية (كما هي الحال في أوروبا وبعض البلدان الأخرى)، ودك سلطة "ولاية الفقيه" التي وضعها الخميني بعد الثورة عام 1979، ونفي الصفة الإطلاقية والتقديسية التي يتمتع بها مرشد الثورة. وهذه النقطة قد تكون "الأدق" و"الأخطر" لأنها تخترق التقاطع الروحي والدنيوي الى ما يمكن ان نسميه جوهر النظام أو السلطة، وتقتصر في الوقت ذاته على "ما هو خاص" لدى المسلم لا ما هو عام. أي إدخال الملالي وما يمثلون الى الغرف الخلفية للمجتمع الإيراني، بنزع "سلطتهم" المطلقة وحتى النسبية".
4 ـ هؤلاء الشباب وهم "ثوريو الخمينية السابقون" في 1970، و"ما بعد الاسلاميين" في 2003، يشعرون ايضاً بخيبة أمل كبيرة من خاتمي، "توهمنا ان انتخاب خاتمي للرئاسة عام 1997 وانتصار الإصلاحيين في الانتخابات البرلمانية عام 2000 سيضعان حداً لسلطة المحافظين بقيادة خامنئي.
لكن لم يحصل شيء من كل هذا وفشل خاتمي فشلاً ذريعاً". يقولون هذا من دون ان ينكروا ان "خاتمي رجل إصلاحي لكنه بلا سلطة أمام المرشد الروحي، ولهذا تجاوزته الأحداث، وتجاوزته حركة المجتمع".
هل أدركت الحركة الطالبية التي تريد تجاوز النظام الحالي بشقيه المتشدد والإصلاحي، الخطوط الحُمر التي تضعها أمام تحديات أهمها تغيير المجتمع برمته، والثورة برمتها، أو الأحرى إخراج المجتمع من الثورة، والثورة من الثورة، وتجريدها من قوتها المادية والسياسية؛ والمجتمع الإيراني (أغلبيته مع الإصلاحيين نحو 70 في المئة) هل هو مستعد للانخراط في هذه المغامرة برغم تململه مما يحيط به من عنف وأشكال منع وردع وقمع وصراع؛ وما هي الوسائل والأدوات التي يستخدمها الطلاب في تأطير أفكارهم، في الوقت الذي تكاد تغيب الهيكليات الحزبية المتعددة؟ وهل يمكن اعتبار ان ما يطرحونه لا يعدو أكثر من شعارات ملمومة من هنا وهناك، وشذرات أفكار، تحتاج الى تماسك وتنظيم في إطار مُوحد؟
اللافت ان هذه "القوة البديلة" (الثالثة) تحاول ان تكسر بنية مجتمع بكامله سيراً نحو "نظام علماني"، في حين ان الحركات الشبابية في معظم البلدان "العلمانية" تسعى الى نظام ديني، أو طائفي؟ ثورة عكس التيار؟ ربما! لا سيما ان ما يحيط بها، وما يحيط بإيران من بلدان مجاورة، غارق بالفكر الأصولي والديني على صنوفه. فهل ستكمل وسط هذه المآزق، والسبل الوعرة (لكي لا أقول المقطوعة) أم أنها ستكون "حلم ليلة صيف"، أو تعبيراً آنياً عن اعتمالات شبابية واجتماعية تأتي كردود فعل عابرة؟
كل الاحتمالات واردة!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.