الديمقراطية في موقع ملتبس وحائر، ليس عندنا فقط (أقصد العرب والعالم الثالث) بل في الغرب أيضاً، أي في الأمكنة التي ترعرعت فيها ونمت وتراكمت وأنتجت، أو ساعدت على تكوين المجتمعات المدنية المفتوحة، وما تستدعيه من حرية التعبير، وحرية الانتخاب، وحرية المعتقد والفكر والحركة والتحرك.
بل كأنّ هذه الديمقراطية التي تعبت من نفسها، وأتعبت الكثيرين، ووقعت في مطبات كبيرة، عندما أنتجت أنظمة "ديمقراطية" لم تتورع باسم الديمقراطية من أن تُقدِم على ارتكاب المجازر (قنبلة هيروشيما) أو دعم الدكتاتوريات العسكرية في العالم الثالث، أو استيلاد بنى اقتصادية واجتماعية وسياسية متوحشة.
مع هذا بقي لها وهجها، وسحرها، وفعلها، أو على الأقل بقيت، إزاء الأنظمة الشمولية ذات الصوت الواحد، والبنى الطائفية والغيبية، الملجأ الأخير بل الحلم الأخير الذي نعبر به الى مجتمعات تتمتع(ولو نسبياً) بالعدالة، والمساواة، والتعدد، أو ما يمكن ان نسميه المجتمعات الليبرالية. هذه المجتمعات الليبرالية (الغربية) بدت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وجدار برلين والمنظومات الملحقة به، وكأنها وحدها على الساحة بلا منافس. لكن هذا الواقع واجهه واقع آخر، وهو انفصال الظواهر الديمقراطية ـ الليبرالية عن امتداداتها العضوية؟ وهذا ظهر قبل العدوان على العراق وأثناءه وبعده، عندما برزت شروخ بين الهيئات التمثيلية البرلمانية المنتخبة من الشعب، وبين الشارع لا سيما في البلدان المعنية (بريطانيا، أميركا، إسبانيا... متجسدة في موافقة البرلمانات على العدوان ورفض الشارع له بنسب عالية وصلت الى 92 في المئة في إسبانيا، و70 في المئة في بريطانيا...).
وهذا يعني في ما يعنيه وكأنّه برزت شروخ أو مفارقات بين الديمقراطية التمثيلية المتعددة، وبين الليبرالية نفسها، انعكست بشكل أساسي على مناخات الرأي العام. لكن يبدو أيضاً، ان عجز هذه التظاهرات والتحركات الديمقراطية في الشارع وفي المدن، عن منع الحرب، وكأنه تشكيك في قدرتها وفي فاعليتها وفي رسوخها. بل وكأن قرارات الحكام الغربيين ومؤسساتهم الرسمية والتي لم ترضخ للشارع، هي التي انتصرت، بل وكأن ما جرى من تظاهرات بلغت الملايين وبين الإرادات العليا، انتقال من عصر الديمقراطية المفتوحة (الجماهيرية) الى عصر الديمقراطية المقننة أو الموجهة.
من هنا يمكن الإطلالة على "ديمقراطياتنا" العربية التي تعززت الشروخ بينها وبين الأنظمة، وكذلك الجروح. فكأن الديمقراطيات الموجهة بإرادات استبدادية، انفصلت انفصالاً تاماً عن الديمقراطيات المتجسدة في التظاهرات أو في الرأي العام. وكشفت مناطق الخلل هذه عن ان كل ديمقراطية "موجهة" من فوق لا يمكن إلاّ ان تتعارض مع الديمقراطيات المشرعة على حرية الفعل والقول والانتماء والموقف.
لكن الفارق بين ما جرى في الغرب لا سيما أوروبا وبين جماهيرنا ان الجماهير، مهما بدت عفوية وتلقائية وحتى عاطفية، فإنها محكومة بمؤسسات وأحزاب ونقابات وهيئات سياسية وثقافية واجتماعية. أي محكومة بوجود مجتمع مدني مؤسس على ليبرالية راسخة، تنظم التحركات، وتختار شعاراتها وقضاياها، وتبرمج خطاها على مدى زمني أبعد مما يطيل من عمرها، ويغذي حضورها اليومي. ذلك لأن التراكم ضروري لبناء الديمقراطيات، وتعزيز الجوانب المدنية في الحياة السياسية والنقابية والثقافية. أما عندنا، ومن خلال ما شاهدناه ولمسناه من حركات احتجاج تأييداً للعراق أو إدانة للحرب، فقد بدا وكأن كل شيء قصير المدى، قصير النفس، يتدفق كل شيء، ثم ينكفئ كل شيء؛ نقول هذا من دون ان نبرئ الأنظمة العربية من محاولة امتصاص هذه الفورات الجماهيرية، ومن ثم إجهاضها، إما بمنعها، وإما بحصرها في أماكن محددة، أو بالمشاركة الشكلية فيها، أو حتى بالدعوات الرسمية إليها. وهذا يعود، والى حد كبير، الى غياب الحياة السياسية في العالم العربي، غياب الكادرات العريقة، والأحزاب الجماهيرية، والنقابات (ألحقت بالسلطة)، ومؤسسات المجتمع المدني. بل يمكن القول ان الجماهير العربية التي اعتادت مبايعة حكامها (لا انتخابهم)، لم تكن مهيأة، لا بأطرها التنظيمية، ولا بأطرها الفكرية المتجددة، للخوض طويلاً في هذه التحركات. كأنها جماهير موقتة، مناسبية، عابرة، تنتفض لحظة ثم تعود الى سكينتها وقبولها ويأسها.
ولهذا نجد ان أزمة الديمقراطية في الغرب تكمن (في بعض جوانبها) في أنها أزمة استنفاد، كأن نقول: إذاً ماذا بعد هذه الديمقراطيات العريقة؟ كيف تتم المصالحة (أو الاستيعاب) بين تجلياتها وبين المتغيرات سواء على الصعد الفكرية أم على الصعد الدينية والاقتصادية، والعولمة، وتنامي وسائل الاتصال، وتراجع القيم الإيديولوجية والبنى الحزبية.
بل ان المسألة تزداد إلحاحاً عندما نكتشف ان هذه التعددية الفكرية والحزبية بدأت تضيق تخومها بين المؤسسات والأفراد، لا سيما بعد تراجع اليسار تراجعاً دراماتيكياً في فرنسا، (وفي أميركا)، حتى لنردد ما قاله بعض المفكرين من أنه لم يعد من فارق بين اليمين واليسار في فرنسا سوى الاسم. أي نزوع اليسار نحو الليبرالية ونحو اليمين، من دون ان ننسى الظواهر العنصرية المتفشية. فالديمقراطية هناك تمرّ بمخاض طويل قبل ان تكتشف سر الخلل بين ظواهرها ابتداء بالحركات النقابية، امتداداً الى الواقع الطالبي، فوصولاً الى الشارع. فالديمقراطية هناك تراجع نفسها انطلاقاً من إرثها الطويل.
أما عندنا، فالديمقراطية تشكو أولاً من عدم وجود إرث لها، ولا تراكم، منذ خمسين عاماً بعدما صادرتها الأنظمة التوتاليتارية، وخربت عناصرها ومكوناتها من الميديا (الموجه) الى الأحزاب الملغاة (لصالح الحزب الواحد) الى إلغاء استقلالية القضاء، الى سيطرة الأجهزة على وسائل الاعلام والسياسة والمجتمع. ولهذا تجد نفسها، اليوم، على مفترق: فمن أين تبدأ، وقد قطعت كل أوصالها العلمانية والنهضوية والتقدمية والديمقراطية والحزبية والنقابية؟ بل هل تستطيع ان تبدأ، (هذا إذا بدأت) من نقطة الصفر من دون ان تكون معززة بفكر جديد، وبطريقة تعامل جديدة مع التحولات المتسارعة حولها، وبمؤسسات قادرة على القيام بهذه المهام.
الديمقراطية في الغرب تُعيد النظر بذاتها، وبطريقة حرة، مفتوحة، قاسية (ليتنا نعود الى مساجلات اليسار الفرنسي اليوم، لا سيما الحزب الاشتراكي واليمين)، لأنها تشعر بأنها إذا لم تراجع تاريخها فستندثر وتموت.
أما عندنا، وفي بلاد "الديمقراطية" الموجهة (بالدكتاتورية) والإعلام الموجه والمصادر، والقضاء المسيس، والأحزاب المستوعبة، والمجتمع المدني المختنق والمقموع، والأفكار البائدة، والفراغ المستشري، فالقضية مختلفة تماماً... إذ في الوقت الذي تحاول الديمقراطية الغربية ان تنتج ذاتها انسجاماً مع المتغيرات، نجد اننا اليوم، نخاف من زوال "الدكتاتوريات" لكي لا يكون "الآتي أعظم".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.