8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الخديعة

في الفترة الملتهبة من سبعينات القرن الماضي وما قبلها، وفي ظل الفوران الثقافي والفكري والإيديولوجي والسياسي والنقابي والطالبي في لبنان، خلنا، ونحن في تلك الشرفات العالية، أقصد الحالمين بمستقبل لوطن أفضل، وكأننا نشهد مرحلة انتقالية، تحملنا من الزمن القديم (النظام الطائفي وقاعدة 6 و6 مكرر، والاقطاع، والاستغلال...) الى زمن جديد، في رؤيا مطهرة، وشاهقة ونظام متقدم، وتغييري، وديموقراطي، أي تجسيد المشروع النهضوي الذي أسيء تجسيده سواء في الأنظمة الثوروية أو المحافظة، اليمينية أو اليسارية أو الليبرالية في عالمنا العربي.
كانت أحلامنا كبيرة ربما على الوطن الصغير، أو على العكس، كانت أحلامنا صغيرة على الوطن الكبير، لكن في كلتا الحالين، كانت الأحلام أكثر من أحلام، نكاد نراها، بأم العين، أمامنا، تتحقق على أرض الواقع، بل كنّا نقول، ان هذه التركيبة السياسية المفتَقِدة الخلفية الثقافية التي تتكون منها عناصر النظام والسلطة، باتت شبه موقتة. تلفظ أنفاسها الأخيرة وانها على قاب قوسين من التحول. وكانت الأجيال الجديدة آنئذ، أجيالاً جديدة بالفعل. مشحونة بشغف لا حدود له للخروج من مواقعها الموروثة التقليدية (العائلة، القبيلة، الطائفة، المنطقة، التخلف، الاقطاعية) الى مواقع التقدم. وأذكر ان هذه الأجيال الجديدة كانت تشعر بأنها معنية بتغيير الوطن لأن الوطن كان يعنيها.. بمؤسساته وعلاقاته وناسه سواء انتمت الى اليسار التاريخي، أو اليسار الجديد، أو الليبرالية أو الاتجاهات القومية أو المؤسسات الديموقراطية، وكل من هذه الأجيال المدفوعة برغبتها في الخروج من القدرية الاجتماعية والفكرية اللازبة، كان عنده حلمه، حلم صغير هنا، كبير هناك، مغامرة هنا، "جنون" هناك. لكن مجموع هذه الأحلام كانت تصنع فعلاً حلماً خاصاً وشاسعاً وجديداً.
كان ثمة لقاء مشترك للتفكير في المستقبل. ووشائج نضرة لنقل المجتمع من حالة الى حالة. تلك الأجيال الجديدة النازعة نحو التجاوز، وبوعي حاد ونافذ، تواشجت (على الرغم من اختلاف ارتباطاتها وانتماءاتها)، لجعل الواقع الجامد واقعاً متحركاً، دينامياً محكوماً بنيّات التحول، وربطه بحركة الحداثة في صُعُدها وأشكال تعابيرها، ومحاولة تأسيس مجتمع مدني على أنقاض ظواهر التخلف والقمع والجمود. ومن كان يتابع حركات الاحتجاج من تظاهرات نقابية وطالبية (وصل بعضها الى مئة ألف) يكتشف، وبسهولة، كم ان تلك التواشجات والتقاطعات، بشير موضوعي يتخطى في عمقه المطالب النقابية المطروحة الى صُلب النظام نفسه، صلب العالم السائد عندنا.
هذا كان على السّطح: لعبة الطهورين والمخيلات العالية وولع الأجيال الجديدة بالتحولات، والحرية، والعدالة، والتقدم والمساواة والتكافؤ.
هذا كان على السطح: كانت تلك الأجيال تتحرك على مساحات صافية كأخيلة من لحم ودم. كأخيلة حية. لكن اكتشف الجميع وبمرارة، وبطعم لاذع من العبث والخوف والخيبة، انه بينما كانت الأجيال الطالعة تحلم على السطح، كانت الحرب تهيأ تحتهم. كانت تَشحذ آلات القتل والتدمير في الطبقات السفلية، المعتمة، والغامضة، بكل الشعارات والأفكار المضادة لأحلامهم. كنا كأننا نمشي على أرض أديمها ورد وباطنها براكين وحرائق ودم. فمن أين جئنا بهذا الاطمئنان والسهو والثقة؟ وعندما أطلقت الرصاصة الأولى في الحرب، شَعَر الجميع بالخديعة الكبرى. أهكذا فجأة ينهار كل شيء: الأفكار الكبيرة، والتنوير، والآمال، والأماني، والمستقبل في براثن التقسيم، والظلامية الطائفية، والمذهبية والعمالة؟ أهكذا تحولت الأجيال التي كانت تنشد للحرية مجرد وقود عند دكتاتوريات أحزابهم وقياداتهم، تحولت قتلة ولصوصاً وطائفيين وخائنين لإيديولوجياتهم وأفكارهم؟ أهكذا فجأة تتحول الأحزاب العلمانية والديموقراطية أحزاباً تابعة للحالة الطائفية والمذهبية والمناطقية، حيث باتت كل قضية مطروحة شعاراً من شعارات القتل والدم؟ أين ذهبت كل هذه الأجيال التي ملأت الطرقات والجامعات والمدن بصراخها، وبهتافاتها ناشدة الحرية والاستقلال والديموقراطية؛ أهكذا تتحول الى قوات ظلامية، انقلابية تسعى الى السلطة، وبأي ثمن، ومع أي كان، ولو على أرض محروقة؟
انها الخديعة السوداء، بعد البيضاء، وقعوا فيها يميناً ويساراً، وحفروا فيها نهاياتهم. حلموا في الخديعة الأولى وانتحروا في الثانية لينحروا معهم المشاريع التقدمية والقومية والتغييرية، لينحروا فكرة الحداثة والمجتمع المدني معاً.
اليوم، وبعد انتهاء حروب وبداية حروب من نوع آخر، يطفو من القاع الاحساس ذاته، بأننا نعيش مرحلة موقتة أو انتقالية، وبأن أعراض تغيير ما، تظهر في الأفق. وعندما تبحث عن أدوات التغيير هذه، لا تجد سوى دوي انهيارات على مختلف الأصعدة: الحزبية والسياسية والفكرية والنقابية والطالبية. فكأن كل شيء استنقع في رواسبه ووحوله. كأن كل شيء مصنوع من الماضي وللماضي. وكأن الانقلاب الذي أنجزته الحرب على تلك الأحلام العالية، ما زال فاعلاً. وهنا تتساءل: أي تغيير يمكن ان ننتظر في هذا السكون الصدئ؟ أي تغيير نستشفه وكل ما حولك يعادي التغيير! بل كيف يمكن ان تغير الأمور بوسائل غير قابلة للتغير؟ مع هذا يساورك الخوف من الأدهى. مما هو قادم. لكن، في المقابل، تلاحظ ان الخديعة التي وقع الجميع في فخاخها ما زالت براقة في أسفل الهاوية (كأنه نداء الهاوية أو السقوط). وتلاحظ ان الذين راهنوا قبل الحرب، تاركين أحلامهم الكبرى، على تغيير الأوضاع أو المحافظة عليها بالقوة، يراهنون بالحمية ذاتها على ظروف أخرى وقوى غامضة يتهيأ لهم انها تظهر كالمعجزات، وتقلب الواقع رأساً على عقب. كأنها حسابات المهزومين واليائسين. أو حسابات المضروبين بالقيلولة الفكرية، أو بغيبوبة الغيوب، أو بالأطماع العمياء.
من جديد الوقوع في الخديعة. في مكائد التاريخ. يا للمفارقة!
أترى هذا الإحساس صحيح؟ ربما لا والأرجح نعم! لكن الصحيح أيضاً اننا حتى اليوم لم نشعر بأن الأرض صلبة تحت أقدامنا. ولهذا يتخللنا ما يجعلنا نستشعر بأن ما نعيشه، وعلى الرغم من المظاهر المتينة والشعارات، هشّ، هزيل، بلا قوام، هيولي، معطوب، وان كل العناصر التي تكون المرحلة، قابلة للتساقط في أي لحظة. هذا وعي حاد وشقي، لكن كيف يمكن لمن يتمتع بهذا الوعي بأن يظن ولو لمرة واحدة، بأن الآتي (ولا بد ان يأتي مما هو موجود) سيكون أفضل؟ ونتذكر هنا العراق وأفغانستان وبلداناً كثيرة، أدى التغيير فيها الى أسوأ مما كانت عليه. وعندها تبسط أمامك لمزيد من التأكد. العناصر الطاغية في واقعك: الطائفية، المذهبية، الكانتونية، الانهيار الفكري، التقسيم المستور والظاهر، العسكريتاريا المقنعة، القضاء المسيس، واقع النقابات، تداعي الأحزاب، الفساد، العمالة، الانحطاط، تشويه الدين، القمع، الغوغائية، الفقر، التبعية، وتحصيها، لتدرك ان هذه الظواهر تُنتج ذاتها. وان أي محاولة لتحويل هذا الواقع ستؤدي الى واقع شبيه أو أسوأ: ستزداد الطائفية، وتقوى العشيرية والعائلية، وتستنبت ظواهر أكثر انحطاطاً... بمعنى آخر كيف يمكن ان نسعى الى التغيير من دون بديل متقدم ومختلف. وتبسط أمامك البديل وتكتشف ان لا بديل سوى ما ترفضه، إذ كيف يمكن ألا يكون البديل الطالع من الانحطاط سوى انحطاط آخر، وكيف يمكن ألا يكون بديل التخلف تخلفاً؟ وكيف يمكن ألا يكون بديل التعصب الطائفي تعصباً طائفياً؟ مع هذا، وكأن الذين وقعوا، في كمائن الخديعة، تسحرهم كمائن الخديعة من جديد، فيا للمفارقة!
كأن تاريخهم وتاريخنا كله مجموعة كمائن، وخدع، نلدغ منها مرة، فنستطيب لدغها وجحرها... لكن بدون إيمان ولا مؤمنين...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00