8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رجلٌ من هذا الزمان

لو أردنا أن نقرأ جورج أورويل، في ذكرى مئوية ولادته، (1903) قراءة أدبية لرواياته لا سيما "1984" أو "مزرعة الحيوانات" لفزنا بروائي لا يقل قيمة عن الكبار في القرن العشرين. فهو "حوّل السياسة إلى فن".انه الممتع، والصعب، والتشريحي والخصب. لكن لو أردنا قراءة هذا الرجل قراءة سياسية، فكرية سواء بأعماله الروائية أو بأبحاثه ومقالاته العلمية والفكرية المهمة، لاكتشفنا مجدداً أن هذا الشاهد على عصر كامل، رجل من زماننا. رجل كتب لزمانه ولزماننا معاً. صحيح أنه نتاج القرن العشرين الغربي بثوراته وإيديولوجياته ويوتوبياته وحروبه وابداعاته، إلاّ أن "نبي الابوكاليبس التوتاليتاري" تكمن أهميته في أن أفكاره تمتد على مجمل القرن الماضي، وعلى امتداد العالم، وصولاً إلى عالمنا العربي. "فنبوءته" القائمة على التجربة والفكر والمعيش (لا على الصوفية والحلولية) أصاب العالم منها الكثير وأصابنا أيضاً، وما تزال وفي قلب القرن الحادي والعشرين وما نشهده اليوم.
أورويل الذي بقي اشتراكياً حتى النهاية، لم يكن ذا حظوة، وإعجاب، ورضى، لا من أهل اليسار ولا من أهل اليمين. من اليسار لأنه لم يكن شيوعياً، ومن اليمين لأنه كان اشتراكياً. وأن تكون غير مُنْتم أو غير ملتزم بالمعسكرات الثنائية الطاغية (ذوات الفسطاطين) والبنى الكاملة، في القرن الماضي كان يعني أنك "منبوذ" وعبثي ومشكوك فيك، وفوضوي، وطفيلي، ومغامر أي ظاهرة معزولة "تُفرد إفرادَ البَعيرِ المُعبّد".
ذلك أن المثقفين في أوروبا وغير أوروبا، وقعوا منذ الثلاثينات (امتداداً إلى ظاهرة بروسبيير دانتون)، وضمن هذه التوتاليتاريات المضخمة والعاتية (لا سيما الشيوعية والرأسمالية) في ثنائية (او مانوية) ثيولوجية (لاهوتية) ـ ميتافيزقية تصنف تصنيفاً جازماً "كل من ليس معنا فهو ضدنا" (نتذكر الأخ الأكبر الجديد الخلنج جورج بوش وزميله الأخ الأكبر المنبعث بن لادن) لاسيما وأن "المقدس" بات سمة الثورة التي طلعت أصلاً كحركات احتجاج على كل "مقدس" (أو نهائي) فكرياً كان أو اجتماعياً أو حتى دينياً.
على هذه الأسس ، كِيلَت لأورويل اتهامات كثيرة من قِبل اليساريين أثقلها "المكارثية" أو الرجعية (بعد صدور 1984)، ومن قبل اليمينيين أرحمها "الفوضوي".
هذا لأن أورويل كان بكل بساطة ما كان الكثيرون من أهل الايديولوجيات في القرن الماضي يمجّونه، ويحتقرونه ويرفضونه، "المثقف المستقل" (خارج الكاتدرائيات المذهبية)، أو "المفكر الحر". اذ ان اشتراكيته لم تتمذهب، لم تتأدلج. لم تتحول إلى نظام قيم ظاهره علمي وخلفيته ميتافزيقية . وهذا يجعلنا نستشف كيف أدرك أورويل قبل غيره ، طبيعة الاستبداد الايديولوجي (فحوى رواية 1984) والشمولي، المستند كذريعة أو كتبرير، الى المذهبية المادية اللاهوتية، على مختلف الصُعد التقدمية وغير التقدمية، الشيوعية، والرأسمالية... وهنا يمكن أن نعي كيف حاول أن يفصل بين التقدم كآلية وكإنجاز، وبين تقديس فكرة التقدم، بحيث صار هذا الأخير، عند الكثيرين معطى (أو جوهراً) ونمطاً "قَبْلياً" أي نوعاً من القدرية التاريخية تنضم إلى القدريات الأخرى وتمشي على قدم واحدة، وترى بعين واحدة، وتسلك حركة واحدة، وعلى حساب الانسان، فالفكرة التقدمية (في هالاتها وأنوارها) صارت لدى الايديولوجيين هدفاً في ذاتها، تتجاوز الانسان مركز الاهتمام الأول عند أورويل.
وبهذا المعنى، يمكن الكلام على مكننة التقدم في الأنظمة الرأسمالية (ولو بمجازات أخرى) حيث اجتمعت المكننة بالرأسمالية الطاغية في تحالف متوحش. فالحياة لا تمكنن. والتقدم لا يلغي تواريخ الشعوب ولا تقاليدهم. ولا خصوصياتهم وكذلك المدنية لا تطمس العلاقات الانسانية وتقولبها وتقطعها عن أصولها ونبضها. فالقولبة في المجتمعات الرأسمالية نمّطت الحياة وأعدمت التمايزات، وحولت الناس كائنات شمولية (متشابهة) تماماً كما هي الحال في المجتمعات الشيوعية وبوسائل اخرى كمصادرة الاعلام والميديا وسحق الفرد والفردية والفكر الحر، بحيث أنّ الانسان صار في خدمة الثورة وكذلك الفنون والآداب والفلسفة، وليس العكس. أي ان الرأسمالية والشيوعية تحولتا فكرتين ميتافيزيقيتين بامتيازتستبعدان الانسان .
هذا المنحى الميتافيزيقي الحاسم (اللاهوتي، الكهنوتي، الايقوني) الذي وسم القرن الماضي بكل اتجاهاته ومدارسه وايديولوجياته، والذي وقف منه أورويل موقف النقد الحاد، هو الذي أوقع تلك المرحلة بما سمي "الايتوبيات القاتلة"؟ أوليس هذا ما ساهم في إعدام إرادة الانسان وإبداعه بـ"صناعة التاريخ" ليقدم إليه التاريخ مصنوعاً؟ أوليس هذا إلغاء للوعي، ولشروط الواقع، وعناصره ومقوماته، وللحرية تحديداً. الميتافيزيقيا سواء تصدرت "أسطورة التقدم" أو "التطور"، أو "الثبات"، تعدم أول ما تعدم "الوعي الحر"، أو "الفكر الحر"، أو الاختيار الحر. (هنا نتذكر سارتر في بداياته الوجودية قبل أن ينضم إلى البنى الايديولوجية السائدة كالشيوعية).
فالميتافيزيقيا التي تبدأ بالأسطورة تنتهي بالقتل. والتي تبدأ بالاكتمال تنتهي بالموت أو بالخرافة. ولعل أهمية أورويل في كسره هذه المناحي الايديولوجية ليجذف عكس التيار. ونظن أن رفضه الرأسمالية والشيوعية إنما يعود إلى رفض نظامين توتاليتاريين خلفيتهما لاهوتية تحديداً. أكثر: نظن أن رفض أورويل لهذين النظامين يعود أيضاً إلى أنهما ينتجان شبيههما سواء في الميديا والاعلام والقمع(نتذكر المكارثية) أو في مجال البروباغندا، أو "السيطرة" أو الاستغلال أو العين الساهرة أو "الأخ الأكبر" هنا، والثاني هناك... وقد فرَّخَ أخوة واخوات من هذا النوع في كل أنحاء العالم: في المنظومات الاشتراكية (السوفياتية)، وفي الأنظمة الدكتاتورية التي أسست على سخونة "الحرب الباردة" (أميركا اللاتينية)، وعندنا في عالمنا العربي... وكل ذلك ينفي تحديداً مسألة الاختيار، ومسألة الفكر الحر، ينفي مسألة "الشعب"
كطاقة مساءلة حية. هذه اللاهوتية "القبْلية" لم تضعف بعد انهيار امبراطورية "الأخ الأكبر" الستالينية، ولا بعد سقوط جدار برلين، ولا بعد استفراد الامبراطورية الأميركية الجديدة العالم... على العكس تماماً: فبدلاً من لاهوتيتين "علمانيتين" في كل من المعسكرين السابقين، برزت لاهوتيات من نوع آخر، لا تختلف في جوهرها عن الظواهر السابقة: لاهوتية دينية (بروتستانتية ـ يهودية أصولية) في أميركا، ولاهوتيات أصولية ودينية وإثنية وعرقية تتكاثر على امتداد العالم (آخر خطاب لبوش أكد على يهودية اسرائيل)، وليس أدل على ذلك من أن الأصوليات والظواهر الدينية والطائفية والعنصرية تقتسم اليوم "البروليتاريا" الأممية، والجماهير على مساحة استلاب "ميتافيزيقي ـ يوتوبي" ساحقة.
وعندنا في العالم العربي لا يختلف الأمر كثيراً: فالأنظمة والأحزاب العلمانية والثورية والتغييرية العربية والتي تحوّلت بنى استبدادية (وأفرخت هنا أخاً أكبر وهناك آخر فآخر...) حذت، وبشكل ببغائي تلك التجارب التوتاليتارية، وصادرت الميديا ووسائل الانتاج والجماعات وحرية الفرد، وتحديداً الفكر الحر نفسه.
وأورويل، الذي فتح عينيه على الواقع، كزرقاء اليمامة، كأنه كان على موعد معنا اليوم، فاليسار الأوروبي بات على الهامش، لوقوعه على المقلب الآخر من الأفكار الحية التي يصنعها عبر تجاربه وعلاقاته بالواقع وبالناس. واليسار العربي تفكك أيضاً، بسبب قمع الأنظمة، وكذلك بسبب "أيقنته" لأفكار التقدم كشعارات من جهة، وضرب هذه الأفكار وتصفيتها من جهة أخرى، وبسبب ابتعاده عن الناس. وهذا ما كان يحذر منه اليساري أورويل. اليسار بات اليوم طبقة بيروقراطية متعالية معزولة، تتوسل جماهير سهلة، وتبتعد عن الجماهير الأخرى من فلاحين وعمال. صارت مجموعة معلقة في اللازمن بلا فاعل ولا مفعول. وإذا كان اليسار العربي قد تفكك من داخل معطياته، لتلك الأسباب، فإنه تبدد لتبنيه كل مساوئ الأنظمة التوتاليتارية لاسيما اضطهاد الفكر الفردي الحر. إذ كيف يمكن أن يكون الانسان حراً إذا كان ضد الحرية، وضد حرية الاختيار.
فاليساري لا يولد يسارياً بل يصير يسارياً. وإذا صار يسارياً لا يبقى حيث هو. ولهذا افرنقع القوم عندنا عند أول تجربة تحدّ، عادوا إلى البنى "التوتاليتارية" الأخرى (الغيبية) ـ أي العشيرة والقبيلة والطائفة والعائلة. فهكذا يستريحون من عناء البحث عن إبداع يسار متجدد. وما نقوله عن اليسار ينطبق على اليمين العربي (المحافظ منه والليبرالي)، الذي فقد مبررات وجوده، بتجمده في قوالب فكرية بائدة، وبافتراقه عن الناس ومشاكلهم... وانخراطه في لعبة الاستغلال، والاستبداد والنهب والفساد.
فالموقع الهامشي الناقد، النافذ، الحاد، الحيوي، الذي احتله أورويل بتميز إزاء الأنظمة الايديولوجية والبنى الفكرية، كأنه ما زال طازجاً حتى يومنا هذا. ويكفي أن ننظر حولنا: توتاليتارية الامبراطورية الجديدة، وتراجع اليسار الأميركي والأوروبي، وتخلف حركات التغيير العربية، وتقديس "السوق". والميديا، والرقابة، والتنصت، والاستبداد والاستغلال وبروز الأصوليات... لنتأكد من أن هذا الروائي والمفكر الكبير اكتشف قبل غيره سرّهم وسرنا.
كأنه كان رجلاً من ذلك الزمان، لكن ليكون أيضاً رجلاً من هذا الزمان. من زماننا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00