8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ثقافة التغيير وثقافة المتغيرات

ماذا يبقى من ثقافة التغيير اليوم، كأفكار وأفعال وممارسات وأحلام ويوتوبيات، منذ أقصى التوجهات الايديولوجية (الرسمية) إلى أقصى الفوضويات، والهوامش الثورية والانقلابية والتجاوزية؟ فكرة التغيير التي غَذَّت الثورة الفرنسية، ومن بعدها الثورة البولشفية، وامتداداً إلى المنظومات والتنظيمات الراديكالية في العالم العربي وفي أميركا اللاتينية، وصولاً إلى الصين وافريقيا، هذه الفكرة، ماذا حل بها، وفي أي بقعة من هذا العالم (أو العالم الآخر) حطت ترحالها، وأناخت، واستقرت استقرار الموتى أو المحتضرين أو التواريخ السالفة؟
كلنا يذكر أن القرن العشرين (مع تمهيدات القرنين الثامن والتاسع عشر التنويريين)، كان قرن الثورات، كل شيء كان يلتهب بالتغيير، والقطع، وإعلان البدايات ومحاولة نسف ما تراكم على امتداد المراحل السابقة. الفلسفة التنويرية وامتداداتها الايديولوجية كانت ثقافة تغيير قبل كل شيء. المجتمعات بتعددياتها كأنها مستنفرة للخروج من محفوظاتها ومحفوراتها التاريخية.
تفجرت الآداب والفنون في كل اتجاه على مساحات لا متناهية من هواجس التجديد والتجريب ومحاولة إلغاء أو محو كل وصول نهائي. من ثورة المسرح إلى ثورات الفكر والشعر، كانت كل هذه التيارات والمدارس قائمة على فكرة التغيير، والتنوير، والتبديل، والتجاوز.
كل هذا كان ذات قرن، وذات زمن، وذات عصر سُمي "ذهبياً"، و"شغوفاً"، و"مجنوناً". لكن صارت كل هذه الظواهر وراءنا فعلاً. في ذمة الموت. حتى لم يقتصر الأمر على نعي المدارس الفكرية والابداعية والفلسفية، بل الفكرة ذاتها. فصرنا نسمع ونقرأ من يقول "الشعر مات"، و"المسرح مات" وكذلك السينما، والاذاعة والرسم. والانسان. والجسد: موكب جنائزي يليق بعصر كامل.
فكرة التغيير (وبذرته أيضاً) وُضعت في صدارة لائحة المفقودين والموتى. أقصد الفعل التغييري، اليوتوبي منه وغير اليوتوبي، باعتبارها كانت فعلاً ومحركاً. فكرة التغيير هي فكرة البدايات الدائمة. والفجر الدائم. والانبعاث الدائم. هي فكرة الحداثة نفسها. والتحديث (كفعل) نفسه. أي هي فكرة النهضة بامتياز. عرفناها وحلمناها على امتداد أكثر من قرن. واقتبسنا أفكار "الآخر" على مختلف الأصعدة: من فكرة الدولة (الكواكبي، رفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وفرح أنطون...) إلى فكرة التجديد في الفلسفة والنقد والسياسة والايديولوجيا والأدب والفن والمعمارية والتكنولوجيا... فارتبطت فكرة التغيير بقيم التقدم والحرية والديموقراطية والجمال (النسبي) والتعدد...
اليوم شُحبت تلك القسمات التي حفّرت، وتكاد تتلاشى الفكرة من رؤوسنا. بل صارت فكرة التقدم بالمفهوم التغييري، أو فكرة التغيير بالمفهوم التقدمي (المستقبل سلسلة من الحلقات التي تتقدم وتتطوّر بإطراد)، تنتسب إلى "الرجعيين" و"الماضويين"، وأهل "الحنين" و"المواويل" والوداعات، كأنها صارت ظلالاً تتحرّك على شاشات سابقة: أخيلة ظل!
اليوم، ما عاد أحد يريد لا أن يتغيّر ولا أن يُغيّر، أتذكر عبارة قالها لي أحد الشعراء الفرنسيين الذين شاركوا في ثورة أيار 1968: كنا نريد أن نغيّر العالم، فغيّرنا العالم". وبعدما كان التغيير جزءاً من السلوك اليومي والفكري والانساني، صرنا جزءاً من "المتغيرات": من فعل التغيير إلى الانخراط في المتغيرات. من ثقافة التغيير إلى ثقافة "المتغيرات"، حيث تصير هذه الأخيرة متاعاً من أمتعة "الغياب"، وصدى من أصداء "التكيف" وضرورته، وزبداً يتلاشى في الأمواج العارمة.
ثقافة المتغيرات هذه هي ثقافة "اللا أحد"، ثقافة "اللا شخص"، ثقافة اللا فرد، عنوانها الأساسي "القبول"، و"الخضوع" و"الامتثال"، وهجرة أماكن الرفض "للجواهر" والمطلقات، والظواهر النهائية، والبنى الأبدية، إلى الحلول في اللاأمكنة البلاملامح، ولا وجوه، ولا نتوءات.
إذاً عليك في ثقافة المتغيرات أن تبرك في الحاضر. أقصد الحاضر المنفي. والآني، أقصد الآني المنفي أيضاً. واللحظة، أقصد اللحظة المتداعية. بلا تواريخ، ولا جغرافيا، وهكذا يكون عليك أن تساكن زمناً حاضراً بلا حضور، بلا هالات، بلا ولع، ولا رغبة، ولا قضايا، ولا قلق، ولا إشكاليات. ولا سجال: كائناً مفرغاً سوى من استمرارية العيش، والاندفاع في متغيرات التسليع، وتوتاليتاريات متجددة، في طريق الاعلان والترويج؟ توتاليتاريات الميديا، والرأي الواحد، والبضاعة الواحدة، والتعليب الواحد، والاقتلاع (الكوني) الواحد، والانفصالات المتعاقبة، على سطوح هشة تعوم عليها فضلات التكنولوجيا، والأمراض، والأوساخ، والأوبئة، والتلوث، والفقر والجوع والذل والهجرات والخوف...
هذه المتغيرات المتنافية، هي ثقافة الموت والحاجات (والضرورات) والمتطلبات المفروضة، وهي في طبيعتها الهشة، العابرة، الخاطفة، وفي تراكم هذه الهشاشات والبقايا، تحول دون قيام أي ثقافة للتغيير. تحول دون اشتعال أي شغف، أو استيلاد أي قضية. فكل شيء صار بلا قضية (بعدما كان شيء قضية)، الفقر المدقع لم يعد قضية، والاستعمار صار حالة عادية. والتبعية أمراً لازباً. والأوطان والأمكنة مجرد أرض وأتربة وحدود وهمية فارغة. والابداع صار "بدعة"، وغربة، ولزوم ما لا يلزم، وكسور استيهامات؛ والعنصرية صارت من ضرورات البقاء، والعنف المرئي واللامرئي، المادي وغير المادي، المخملي والمعدني، يتغلغل في صلب هذه الايديولوجيات "الصغيرة" المنمنمة. وحتى المعتقدات الدينية جُعلت (كما كانت في بعض المراحل السابقة) في ثنايا هذه المتغيرات جزءاً من الموت الداخلي، والكراهية المعلنة، وأداة لقتل الآخر، والروح، والما بعد. صار بضاعة من بضائع السوق. ككل شيء تماماً. فكيف إذاً، وفي ثقافة المتغيرات (المفروضة) لا يتحوّل العالم كله سوقاً واسعة، انتفت منها حتى حرية المنافسة الشريفة وغير الشريفة، لتحل محلها شريعة القوة، سوقاً يتحرك فيها البشر كما تتحرك السلع المشحونة، بلا إرادة، ولا حرية، ولا اختيار، ولا قيمة، سوى ما يتطلبه الاستهلاك والترويج، والتبادل، فهل ترى عدنا في زمن ثقافة المتغيرات، إلى لغة المقايضة، مقايضة الإنسان بأي شيء، حتى بالإنسان نفسه؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00