8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التيار العروبي اليتيم

التيار القومي العربي (وقبله الأفكار النهضوية التي قام عليها)، جاء على امتداد أكثر من قرن، قبل أن يتجسد في السلطة، كان جزءاً من الحداثة العربية وغير العربية، بل كان، مع التيارات التغييرية والماركسية والتقدمية والديموقراطية، الامتداد الحي لهذه الحداثة. وهل من الضرورة أن نذكر أنه كان في صلب التغيير الثوري، السياسي والاجتماعي والايديولوجي والثقافي، والمساحة الفسيحة لحروب التحرير من الاستعمار؟ وهل من الضروري أن نذكر أن الفكرة العروبية، بمداها الفسيح الجامع لكل التناقضات والاعتمالات، كانت، تتضمن، في ما تتضمن عنصر المجتمع المدني القائم على التعددية. بل ان فكرة العروبة نفسها هي فكرة التعدد، والاختلاف، لا فكرة الانغلاق والآحادية. هكذا عرفناها مع اعلام التنوير كالبساتنة، واليازجيين ابراهيم وناصيف، ومحمد عبده، والطهطاوي، والكواكبي، وجبران، وفرح انطون، وشبلي الشميل، والعقاد وولي الدين يكن، ومحمد تيمور، وطه حسين، وأمين الريحاني، (والأرسوزي)، وصولاً إلى أحزاب البعث، والناصرية، في بداياتها فوصولاً إلى أنظمة تبنت الفكرة القومية كالثورة الليبية، واليمنية، والجزائرية...
فمن أفكار تترادف، إلى أحزاب تتبلور، إلى سلطة تُنّفِّذ، بدت القومية وكأنها المحرك الأول للحداثة النهضوية، والمجرى الواسع لكل حلم تغييري وثوري لدى المثقفين والجماهير. أي أنها كمفاهيم وتطلعات، كانت تنتمي إلى ديناميتها التاريخية، في عروبة، لا تتجمد في شوفينية، أو في قوالب ثابتة، أو ولاءات مقننة وأبدية.
هكذا تمددت الفكرة العروبية. لكن هل يصح القول، ان هذه الفكرة العروبية ـ الحداثية بامتياز، بدأت تشحب، وتنفي نفسها، مع وصول أحزابها وتياراتها إلى السلطة عبر انقلابات سميت ثورات، وعبر عسكر سمي طلائع الثورة العربية؟
نقول هذا الآن، لأننا اعتدنا أن نؤرخ لتراجع الفكر القومي مع كل هزيمة عسكرية: ففي 1967، قيل ان النكسة شكلت بداية تراجع المد القومي، (هذا لم يقل في نكبة 1948 لأن التيار القومي لم يكن قد وصل إلى الحكم)، وان الصراعات بين الأنظمة وسقوط النظام العراقي، "تعبير" عن نكسة فكرية، بل وانتهاء للتيار القومي العروبي. قد تكون هذه النزاعات بين الأنظمة "القومية"، والنكسات، وجهاً من وجوه الانتكاسة القومية، لكن علينا أن نعرف، أنه، لا الهزائم العسكرية ولا الصراعات بين أهل الأنظمة، هي التي أضعفت وحدها هذا التيار. فالحروب بين الأنظمة، كانت حروباً على القومية نفسها، (ونتذكر أن أحد مقوماتها الوحدة العربية الشاملة)، لا لأن هذه الأنظمة تمثل جناحاً أو خطاً مختلفاً لفكرها، بل لأنها لم تعد تمثل لا التيار القومي، ولا أفكاره، ولا أحلامه. المسمار الأول في جسد القومية دقته الأنظمة الناطقة باسم القومية. ولو عدنا إلى تواريخ هذه الأنظمة، لاكتشفنا بسهولة، أنها: 1) أفرغت القومية من كل محتوى "حداثي"، إذ برز التناقض بين العقول الريفية والقروية والعشيرية والعائلية للقيادات، وبين الحداثية ـ النهضوية القومية. 2) حوّلت الحرية الاشتراكية، والوحدة، والتنمية إلى شعارات جوفاء، بل مارست كل ما من شأنه أن يشوّه الاشتراكية، ويغتال الحرية، ويهلك الوحدة. 3) ألغت كل عمل حزبي ديموقراطي ليحل محله تسلط الصوت الواحد، الذي يُوَشّي أحاديته بما يُسمى "جبهة وطنية"، ضمّت قسراً إليها الأحزاب والتنظيمات التقدمية واليسارية، بعد عمليات إبادة جماعية أو زج في السجون، أو اغتيال، أو قمع (صدام حسين قتل قرابة 100 ألف شيوعي لدى تسلمه السلطة؛ 4) تحولت السلطات بطغيانيتها الستالينية، إلى نوعٍ من الأصولية المنفردة. وهنا لا بد أن نشير إلى أن الأصوليات الاسلامية والمسيحية والاتنية انما جاءت رد فعل على الأصولية الحزبية والسلطوية التي أفرزتها هذه الأنظمة، 5) تساقط المشاريع التنموية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والتعليمية ازاء تخبط في التصور، وقصور في التفكير، وعنف في الممارسة، فازداد الفقر وتفاقمت أشكال التراجع الاقتصادي، في وقت صادرت فيه هذه الأنظمة خيرات البلدان ومقدراتها ومرافقها ومصادرها باسم الاشتراكية التي صارت اليوم "اشتراكية عائلية" بامتياز؛ 6) محاربة كل تجديد أو محاولة تحديث في الفكر القومي، وزجّ المفكرين المجددين في السجون أو في المنافي أو في الآخرة، بحيث صارت كل دعوة إلى التجديد بمثابة خيانة، أو تجديف، بل وتحول كل صوت "معترض" أو ملاحظ، أو منتقد إلى صوت نشاز يقضي على صاحبه وأهله وأصحابه بالمفرق والجملة، 7) عجز هذه الأنظمة المتجمدة عن اقامة علاقة حية بين الأحزاب والتيارات التقدمية والديموقراطية، وعن استيعاب الظواهر الاتنية (غير العربية) والدينية والطائفية، (نتذكر البربر في الجزائر والأكراد في العراق)، بحيث ادى إلى تصفية هذه الأحزاب أو اضعافها، وأدى من ناحية إلى استفراد "الحزب الواحد" (حزب القائد والعائلة والعشيرة) وبكل شيء، ومن ناحية اخرى الى وقوفه "وحيداً" على رأس السلطة. وهذا يعني أن أنظمة الصوت الواحد لا بدّ من أن تنجب نفسها، أن تحاور ذاتها وتُعيِّن شبيهها في خلافتها. واذا اعتبرنا ان جماهير هذه الأحزاب "المستوحدة" هي جماهير وهمية لأنها لا تعي انتماءها اصلاً، ولأنها تنخرط في الحزب بالولادة (وربما بالجينة)، ولأنها لا تتصل بأفكار "الحزب" لا من قريب ولا من بعيد، فهذا يؤدي، اذا ما اهتزت هذه الأنظمة او بادت، إلى ارتفاع القوى التحتية وهي في غالبها طائفية ودينية واتنية وحتى أصولية، كبديل مجهول من هذه الأنظمة الطافية على قمعها.
أوليس هذا ما حصل في العراق: من هو البديل اليوم: القوى الدينية (الطائفية) والاتنية. أما جماهير الحزب و"أجيال الثورة" فتبخرت كتبخر النظام. أنها انظمة بلا ارث ولا امتداد. وهذا يعني تحديداً، انها بقضائها على القوى القومية والتغييرية قضت على ذاتها وهددت مستقبل الأمة نفسه.
لكن هل علينا ان نخلط بين الفكر القومي أو العروبة، وبين هذه الأنظمة بحيث انهما يزولان بزوالها؟ قد يكون ذلك خطأ كبيراً. واذا اعتبرنا أن الايديولوجيا (كسلطة) تنهار فان الافكار التي كونتها كانت موجودة قبلها، وستبقى بعدها. فافكار العدالة والأخوة والمساواة أفكار وجدت قبل الثورة الفرنسية وقبل الثورة البولشفية، وستبقى بعدها.
وان الأفكار العروبية، التحريرية، والتقدمية والقومية، بانتماءاتها وممارساتها كانت موجودة قبل أحزابها، وانظمتها، وستبقى بعدها. ولهذا علينا أن نتعامل، في تحديد مسار التيار القومي، وكذلك اليساري، مع الأفكار، لا مع البنى والمؤسسات، لأن الأفكار لا تموت أصلاً. فلا الماركسية ماتت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية ولا الفكر القومي مات بعد النكسات ورحيل بعض أنظمته.
ونظن أنه علينا، ان نحرر الفكر القومي من رواسبه وعلاقاته السلطوية وان نتعامل معه، ليس كمعطى نهائي بل كمشروع مفتوح على مجمل تحولات العصر وظواهره سياسياً، واقتصادياً وثقافياً... ويتحرر من الذهنيات "الاربعينية" المتجمدة، والمتخلفة، التي ما زالت تتخبط في شعارات وأفكار كانت، ربما صالحة، في مرحلة ما، ولكنها اليوم صارت ضارة ومسمومة. فليفتح هذا الفكر على الناس والأجيال الجديدة، لتساهم في صوغه، بدلاً من أن يبقى في حوزة التسلط والطبقات الفاسدة والسياسيين العقيمين...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00