8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشاعر المصري أمل دنقل في ذكرى رحيله العشرين (2)

أن تقرأ أمل دنقل وتكتب عنه كتابة تحليلية أو نقدية باردة، بعيدة، في مثل هذه الظروف التراجيدية التي نعيشها، مع حرب المغول الأميركان على العراق، وسقوط بغداد، وانهيار بنية تاريخية كاملة، في هزيمة توازي نكبة 48، ونكسة 1967، أمرٌ شاقٌ، متعب، ووعِر.
ذلك أن أمل دنقل، كأنما كتب في أعماله عن هزائم تجرعناها، لكنه كأنما كتب أيضاً عن هزائم سنتجرعها.
أن ترافق أمل دنقل في رحلته الشعرية، كأنما تنزل إلى الجحيم، حافي القدمين، عاري الحواس، جُلجلة طويلة من العذاب، لرجل لم يعرف الهدوء، ولا السكينة، ولا "الغياب"، ولا "القيلولة"، ولا السكينة، ولا الراحة (إلا لحظات أو بُرَهاً). هذا المسلوخ الجلد، أمل دنقل، هذا الصارخ في البرية، المتأمل في الخراب، المفكر في فساد أنظمتنا، "الرائي" الملتهب العينين، المكسور في الخسائر، الغريب المستلب وسط أشكال التخلّف والقمع والاستسلام، هذا "المتمرد" الفردي الذي يختزل تمرّد ناسه، هذا الهزيل كخيط الكَتَّان، الصلب كالمسمار، الوحيد كشجرة وحيدة، المتعدد كفصول، المتفجر في كل اتجاه، كيف يمكن أن نقرأه قراءة تبسيطية، وجاهزة، أي قراءة ترى فيه شاعراً "بسيطاً" يوزع كالخبز والحلوى والرز على الجماهير، كشعراء المناسبات والأزجال والبلاطات؟
أقول هذا لأنني، وعبر كثير من المقالات والأبحاث حول أمل دنقل، انصب الاهتمام على جعل هذا الشاعر القلِق، غير المستقر، العصبي (يذكرني كثيراً بالشاعر اللبناني الكبير الياس أبي شبكة صاحب "أفاعي الفردوس"...)، شاعراً ايديولوجياً، "بسيطاً"، أو سياسياً مباشراً، أو إعلامياً مسطحاً، أو انفعالياً آنياً، لينعكس كل ذلك على قصيدة وُصفت بـ"القريبة" و"غير الغامضة" والواضحة "وضوح الرغيف!".
ومَنْ يقرأ المقدمة التي وضعها الكاتب اليمني عبد العزيز المقالح لأعمال دنقل الكاملة (لا أعرف إذا كانت كاملة فعلاً)، يكتشف الحيف، والظلم، والاستسهال، التي تعرّض لها شاعرنا؛ فقد وُضع ضمن كليشيات العديد من الشعراء الاستهلاكيين، الدعائيين، أو السياسيين تحت يافطة "البساطة".
لهذا السبب، أي وضع هذا الشاعر الكبير في خانة "إعلامية"، أصابت تجربته في الصميم، وجدت نفسي، وبعد قراءتي أعماله الكاملة مراتٍ، وبروح حرة، أمام شاعر آخر، لا علاقة له لا بعقول النقاد الايديولوجيين (البراغماتية)، ولا بعقول النقاد السياسيين (الشعبويين)، ولا بعقول النقاد الاعلاميين الذين يرصدون المردود المباشر والآني في قراءة غير استبطانية، وغير متفحصة، ومفككة لعناصر التجربة الشعرية المتعددة عند أمل دنقل.
والواقع، أني، أثناء القراءة وتدوين الملاحظات، ومن ثم التوقف عند عناصر قصيدته، شعرتُ أولاً بحنان ومشاعر عميقة عند هذا الشاعر "الصادق"، "المسلوخ حياً"، وأظن أني لم أتألم لدى قراءة أي شاعر تألمي وأنا أقرأ رحلة العذاب الطويلة في شعره؛ وثانياً بدهشة، (واستمتاع) كبيرة، بأن هذا الشاعر "الملتهب"، "الصارخ"، كتب قصيدة لا تنتمي إطلاقاً لا إلى "البساطة" المعهودة، ولا إلى السهولة، ولا إلى المناسباتية، بل صاغ، (وهذا صعب جداً) من المادة السياسية والانسانية المتأججة، قصيدة مركبة، سواء في عمق المقاربة الواقعية، أو في عمق الاحساس "الحدسي"، أو في هذه القدرة على كتابة قصيدة بوليفينية، سَخَّرَ لها ثقافة متّسعة: من التاريخ إلى التراث، إلى الحكاية إلى الأسطورة، إلى الدين، إلى المسرح، والسينما، فإلى مخزون إيقاعي، ولغوي خصب، وتركيبي معقد، وثقافة شعرية واسعة، ومرجعيات شعرية عربية قديمة وحديثة وأجنبية، شرقية وغربية... مما جعل قصيدته كأنما اختزال لثقافة الحداثة الشعرية، لا بوجهها الشكلاني (سعيد عقل)، أو التنظيري المفصول عن النص (أدونيس، كمال أبو ديب)، ولا الدعائي والبروباغندا، ولا الخضوع لمتطلبات "السوق" أو البلاد، أو الذائقة المعممة، أو "التقنيات" (الرومانطيقية، السوريالية، الرمزية، الواقعية، الاشتراكية البائدة).
أمل دنقل اعتصر مرحلة كاملة، حاورها، واستنفدها، وساجلها، ليقدم لنا قصيدة جديدة تغرف من الموروثين الحديث والقديم، لكن لتتجاوزهما إلى صيغة لا علاقة لها لا بتنظيرات "الحداثة"، و"المعاصرة" والثنائيات، والمرجعيات التجريدية، ولا بمدارسها المقننة، ولا بتبريراتها.
أما الرموز الدينية فمتغلغلة في نص أمل دنقل، إيحاءً، وتوظيفاً، وإسقاطاً، وتأملاً، وخلفية، ولم يوفر الديانات التوحيدية، كلها من اسلامية ومسيحية ويهودية وكتبها كالتوراة والانجيل والقرآن.
وكم يدل ذلك على عمق ثقافة شاعرنا الدينية لا كنصوص "نهائية" ناجزة، بل كنصوص ترفد الحياة والتواريخ والمصائر وتساعد على فهمها، والاستفادة منها.
بالطبع لا نشير إلى هذا الجانب لنؤكد أو لنبيّن التوظيف "الايماني" للدين، فهذا قد يأتي في الخلفية غير المنظورة، وإنما لاستخدام القصص والترميزات الدينية استخداماً سياسياً واجتماعياً وتاريخياً. بل يمكن القول ان رهافة أمل دنقل ووعيه قاربا المضامين الدينية مقاربة انسانية. أنسنَ القصص، والقامات والقديسين، والأولياء جعلها جزءاً "تاريخياً" ويومياً من حيواتنا ومعاناتنا كأنما ينظر إلى الدين كحقيقة "ميتافيزيقية" وكذلك كحقيقة انتروبولوجية:
وأنا "يوسف" محبوب "زليخا"
عندما جئت إلى قصر العزيز
لم أكن أملك إلا... قمر!

أو:
"وتناقلوا النبأ الأليم على بريد الشمس
في كل المدينة،
قتل القمر
شهروه مصلوباً تدلى رأسه فوق الشجر
(...)
ويقول جاري
ـ "كان قديساً لماذا يقتلونه"؟
وتقول جارتنا الصبية:
ـ "كان يعجبه غنائي في المساء
وكان يهديني قوارير العطور
أو
"لا تدخلوا معمدانية الماء
بل معمدانية النار
كونوا لها الحطب المشتهى والقلوب: الحجارة
كونوا إلى أن تعود السماوات زرقاء
والصحراء بتولا.
على أن هذه الرموز ـ الصور (تاريخية، شعبية، دينية، أسطورية، يومية)، والتي تشكل، بديناميتها وقوة دلالاتها، العناصر الأهم لما أسميناه "الصورة المركبة" أو "البنية المركبة"، تغذيها في تقنياتها النصية ثقافة مشهدية، من سينمائية ومسرحية، وتشكيلية، توسع من أحجامها، وتضيف إليها عناصر تقنية، تمكن أمل دنقل من صهرها في تضاعيف القصيدة، وفي بنائها الداخلي، فصارت من نسيجها:
"أرشف في الحائط حد المطواة
والموت يهب من الصحف الملقاة
أتجزأ في المرآة
يضعفني وجهي المتخفي بقناع الدل
أصفعه... أصفع هذا الظل
كل الناس يفارقهم ظلهم عند الليل
إلا ظلي
ينسل معي، يتمدد فوق وسادي المبتل.
(ص 433)
وكم يبرع أمل دنقل (المشهدي) في استخدام التقطيع السينمائي لبناء القصيدة وكأنه يرسمها بكاميرا:
نافورة حمراء
طفل يبيع الفل بين العربات
كلب يحك أنفه على عمود النور
مقهى، ومذياع، ونرد صاخب، وطاولات.
الوية ملوية الأعناق فوق الساريات.
أندية ليلية.
كتابة ضوئية.
الصحف الدامية العنوان... يبقى الصفحات.
حوائط، وملصقات
تدعو لرؤية (الأب الجالس فوق الشجرة)
والثورة المنتصرة!
(ص 250)
وهو في استخدامه هذه العين السينمائية والتقطيع والمشهدية (والسيناريو)، يلجأ إلى المسرح فتكثر عنده المونولوغات والحوارات ورسم الشخصيات، والحس التراجيدي (وأمل دنقل شخصية تراجيدية بامتياز):
ـ من ترى مات؟
ـ أنا
ـ أنت!
ـ أجل.
ـ أنت لا تملك يوماً أن تموت
ـ الحمامات لوت أعناقها
والتوى حتى لساني بالرطان
ـ أنت لا تعرف من أنت.
من "العشاء الأخير"
صفحة 177
وها هو يتقدم كحكواتي أو كشخصية تلقي مونولوغاً:
وتناقلوا النبأ الأليم على بريد الشمس
(...)
فبأي ذنب يقتلونه؟
هل شاهدوه عند نافذتي
قبيل الفجر يصغي للغناء؟
وتدلت الدمعات من كل العيون
كأنها الأيتام ـ أطفال القمر
وترحموا
وتفرقوا
فكما يموت الناس... مات!
وجلست،
أسأله عن الأيدي التي غدرت به
لكنه لم يستمع لي،
... كان مات!
وإلى الحوار والمونولوغ يستعير من المسرح بعض أدواته (الاغريقية وغير الاغريقية) القديمة كالجوقة والصوت وتوزيع المقاطع على الصفحة توزيعاً سينوغرافياً يكاد يكون بصرياً
(صوت) (جوقة خلقية)
أيعمل الباكي هذا العام
ها نحن يا أيلول
نخلع عنه في السجن قلنسوة الاعدام
لم ندرك الطعنة
تسقط من سترته الأرقام!
فحلت اللعنة
يمشي في الأسواق يبشر بنبوءته الدموية
في جيلنا المخبول

ليلة أن وقف على درجات القصر الحجرية
قد حلت اللعنة
ليقول لنا: ان سليمان الجالس منكفئاً
في جيلنا المخبول
فوق عصاه فنحن يا أيلول
قد مات! ولكنا نحسبه يغفو حين نراه
لم ندرك الطعنة
حركة الايقاع
كل هذا الغضب، والصراخ، والعواصف الداخلية، والتمرد، واليأس، والأمل، والصفاء، والتشوش، التي تجسدت في صور ورموز، كان لا بد أن تحفر ايقاعاتها في اللغة، في موازاة (أو في تجاوز) هذه الحالات. فالصورة إيقاع في النهاية. والايقاع صورة. ولا بد، لأي منهما، أي الصورة والايقاع من أن يتجسدا ويذوبا في حركة واحدة.
ولا نقصد هنا بالايقاع مجرد اتقان البحور والتفاعيل وجوازاتها ومجزوءاتها فقط، وإنما علاقة العناصر الموسيقية ككل، من كلمات وحروف وجمل، وقواف. وقاموس، ومدى انتاج مثل هذه العلاقات ما يمكن أن نسميه مناخات القصيدة (أو طقوسها)، تلك التي تتخطى مجرد التفسير والمعادلات الذهنية.
أمل دنقل، قبل كل شيء، شاعر تفعيلة، ولكنه عرف، وببراعة كبيرة، أن يستغل كل طاقات التفعيلة كمفردة، أو كجملة أو كحركة أو كبنية، ليكون تعبيره الايقاعي في مستوى الصورة أولاً، وفي مستوى المضمون المتنوع. بمعنى آخر لم يقع أمل دنقل في الكليشيات الايقاعية (وأسميها أيضاً الفجوات) التي وقع فيها شعراء كثر بمن فيه الكبار، لنجد أن النمطية وسمت نتاجاتهم، والتكرار، والاجترار والسهولة الموسيقية، طغت على الحس التجريدي، أو المختلف في البناء الايقاعي العمومي. فمن الحركات "الوعرة"، الصادمة، التي تعطي شعوراً بالغرابة، والاعتكار، والقلق، إلى الحركات الصافية جداً، المنسابة، المسترسلة الشفافة، إلى الصراحة في الوقع، فإلى التكثيف في استخدام الكلمات والجمل مما يوحي بأحجام، وأبعاد متوغلة في الذات.
وأمل دنقل من أجل التوصل إلى مثل هذه الأجواء، عرف كيف:
أ ـ يستغل إيحائية القاموس الشعري مركزاً على الطاقات الفيزيقية للكلمة وامتداداتها الصوتية والنفسية:
"جسدي: صخرة صهرتها الظهيرة
حللتها يتفتت،
والبحر بعد ذراعي... بعد السماء.
فرس الموج تنفض أعرافها البيض
تعدو بمركبة الزرقة اللهبية،
لكنها تتحطم فوق الحواجز، تهوى كسيرة.

فدنقل هنا، حتى في استعماله لكلمات وعرة أو غير وعرة، كأنه يتجاوز مسألة الكلمات الشعرية وغير الشعرية، الكلمة وحدة إيقاعية قبل كل شيء. تحمل طاقة إيقاعية. ومن هذه الطاقة يشع المعنى إلى ما بعد المعنى، إلى ما بعد المعنى القاموسي المتداول، أي إلى ما بعد التعبير التفسيري النفعي.
ب ـ يستخدم التكرار سواء في المستوى التركيبي، أو في مستوى الكلمات، والحروف، والجمل، والتكرار هنا، بطرقه المختلفة، عنصر إيقاعي يساعد على تمتين البنية مساعدته على توفير حركة داخلية للقصيدة:
أيتها العرافة المقدسة
(...)
أسأل يا زرقاء.
عن فمك الياقوت عن نبوءة العذراء
من ساعدي المقطوع، وهو ما يزال ممسكاً
بالراية المنكسة
عن صور الأطفال في الخوذات، ملقاة في الصحراء
عن جاريَ الذي يهم بارتشاف الماء
عن الفم المحشو بالرمال والدماء!
اسأل يا زرقاء...
عن وقفتي العزلاء بين السيف والجدار
عن صرخة المرأة بين السبي والفرار.

من "البكاء بين يدي
زرقاء الحمامة"
(ص 121)

ج ـ توازي الصور والمفردات والحروف:
"وقريتنا وراء العين توراة من الصمت
وثرثرة من الغدران
وصوت الطبل
يدق لينزع القمر القديم نقابه المعتل
وطفل شاحب ينهض،
تزغرد نسوة لختانه المدسوس في
جلبابه الأبيض.
(ص 62).

هذه المتوازية المربوطة بحروف العطف، وبالجمل التي تكاد تتشابه في تركيبها، وقصرها وطولها، تمنح القصيدة انسياباً تكرارياً يشكل بناءها الكلي.
د ـ كسر السردية وتتابع الصور وترادفاتها وتدفقاتها، إما بالفصل بينها عبر (التنقيط)، أو عبر الفراغات، أو البياض، أو التضمين أو المزدوجات، مما يُبعد عن المقطع وعن القصيدة، أفقية ما يمكن أن تقع فيها السردية:
صبياً كان
شددت على يديه القوس
أعلمه الرماية
(كي يفوق بقية الأقران)
"فلما اشتد ساعده..."
......................
ثلاث سنين أبارز قلبي المفتون
يجمع بيننا ليل ويفصلنا نهار قتال
تطل عليّ ـ خلف لثامه ـ عينان خضراوان
(كأوردة تكوّن بطن يكبة عانس عجفاء)
وقبلاً... كانتا في وجه قديسة!

من "قلبي والعيون الخضر"
(صفحة: 60)

أو
"قولي يا ماريا
..................
...................
..................
ما أحلى النغمة
لتكاد تترجم معناها كلمة كلمة
غنيها ثانية غني
(أوف.
لا تتجهم
ما دمت جواري. فلتبتسم
بين يديك وجودي كنز الحب)
هـ ـ اللعب على فراغ الصفحة، واعتبار البياض جزءاً من الايقاع. جزءاً من الصمت:
أوهموني بأن السرير سريري
ان قارب "رغ"
سوف ـ يحملني عبر نهر الأفاعي
لأولد في الصبح ثانية إن سطع

(فوق الدوق المصقول
وضعوا رقمي دون اسم
وضعوا تذكرة الدم
واسم المرض المجهول)

أوهموني فصدقت
(هذا السرير
ظنني ـ مثله ـ فاقد الروح
فالتصقت بي أضلاعه
والجماد يضم ليحميه من مواجهة الناس!)
جسداً واحداً في انتظار المصير.
(من "السرير" ص 372)

و ـ إن مجمل هذه الأدوات والعناصر التي توقفنا عندها تؤدي بنا إلى اختزال حركات الجمل عند أمل دنقل إلى اثنتين: جمل متوترة، ذات إيقاعات متتابعة، ومتصادمة، وعنيفة، وملحاحة، ولاهثة، وصافعة، والجملة الهادئة (الغنائية) المصفاة، الرائقة المنسابة، ولا يمنع ان تتداخل، ضمن تضاعيف القصيدة الواحدة لا سيما الطويلة، هاتان الجملتان، لتجسدا تنوع الايقاعات الداخلية.
ويذكرني أمل دنقل في هذا المجال بشاعر لبناني كبير هو الياس أبو شبكة، الذي جمع اللحظتين: الكابوسية، المجتاحة، الضاربة، الخابطة، العصبية المتوترة، (في "أفاعي الفردوس" مثلاً)، واللحظة الأخرى النقية، الأضعف من دمعة، والأصفى من صلاة.
من القصائد ذات الجمل الصافية، الموسيقية، الرقراقة، الأقرب إلى الصمت والسكون:
"العينان الخضراوان
مروحتان
في أروقة الصيف الحران
أغنيتان مسافرتان
أبحرتا من نايات الرعيان
بعبير حنان
بعزاء من آلهة النور إلى مدن الأحزان
سنتان
وأنا أبني زورق حب
يمتد عليه الشوق شراعان
كي أبحر في العينين الصافيتين
إلى جزر المرجان
ما أحلى أن يضطرب الموج فينسدل الجفنان
وأنا أبحث عن مجداف
عن إيمان!
من "العينان الخضراوان"
(صفحة 97)
ومن القصائد العنيفة، المتوترة، ذات الجمل المتصادمة، المتلاطمة:
ويكون عام فيه تحترق السنابل والفروع
تنمو حوافرنا مع اللعنات من ظمأ وجوع
يتزامن الأطفال في حلق الثرى
ينمو حديداً الصمغ في الأفواه
في هدب العيون فلا ترى
تتساقط الأقراط من آذان عذراوات
ويموت ثدي الأم تنهض في الكرى
تطهو على نيرانها الطفل الرضيع
(صفحة 184)
خاتمة
قد تكون هناك جوانب وزوايا عديدة لم نتمكن من مقاربتها في شعر أمل دنقل، لكن ما حاولنا تبيانه، أو تقديمه، اتساع تجربة هذا الشاعر، وخصبها، وعمقها، وحدتها، وحنوها، لتشكل كل قصيدة عنده، تحدياً شعرياً جديداً، يريد، ومن دون افتعال، أو افتراع جماليات شكلانية هشة وخاوية، أن يصوغ عملاً مركباً، ذا طبقات، وقراءات، ومراوح متعددة.
على هذا الأساس، يمكننا القول انه إذا كان لدى أمل دنقل ذلك الحس الشعبي المرهف، والوعي الحاد، النافذ، وإذا كان دنقل ملتزماً في شعره وحياته قضايا الانسان العربي، التزاماً حراً غير مقنن، فإن شاعرنا من الصعب وضعه في خانة "الشعراء الشعبيين" بالمعنى الكمي والنوعي المتداول، وباللغة السهلة، الميسرة، المريحة، أو العالية، والخطابية والمباشرة، التي تستدعي ثقافة "الأذن" أكثر مما تستدعي ثقافة "التأمل".
أمل دنقل شاعر الشعب لكنه ليس شعبياً لأن قصيدته تنتمي إلى "المكتوب" أكثر مما تنتمي إلى الشفوي، ولأنها تنتمي إلى الالتزام العميق ليس بالقضايا فحسب، لكن باللغة الشعرية، واجتراح احتمالاتها ومغامراتها وأسرارها.

مختارات من شعره

مقتل القمر

..وتناقلوا النبأ الأليم على بريد الشمس
في كل المدينة:
"قتل القمر"!
شهدوه مصلوباً تدلى رأسه فوق الشجر!
نهب اللصوص قلادة الماس الثمينة
من صدره!
تركوه في الأعواد،
كالأسطورة السوداء في عيني ضرير
ويقول جاري:
ـ "كان قديساً، لماذا يقتلونه؟"
وتقول جارتنا الصبية:
ـ "كان يعجبه غنائي في المساء
وكان يهديني قوارير العطور
فبأي ذنب يقتلونه؟
هل شاهدوه عند نافذتي ـ قبيل الفجر ـ يصغي للغناء!؟!"
..............................
وتدلت الدمعات من كل العيون
كأنها الأيام ـ أطفال القمر
وترحموا...
وتفرقوا...
فكما يموت الناس... مات!
وجلست،
أسأله عن الأيدي التي غدرت به
لكنه لم يستمع لي،
...كان مات!
* * *
دثرته بعباءته
وسحبت جفنيه على عينيه...
حتى لا يرى من فارقوه!
وخرجت من باب المدينة
للريف:
يا أبناء قريتنا أبوكم مات
قد قتلته أبناء المدنية
ذرفوا عليه دموع إخوة يوسف
وتفرّقوا
تركوه فوق شوارع الإسفلت والدم ولضغينة
يا اخوتي: هذا أبوكم مات!
ـ ماذا؟ لا... أبونا لا يموت
بالأمس طوال الليل كان هنا
يقص لنا حكايته الحزينة!
ـ يا اخوتي بيدي هاتين احتضنته
أسلبت جفنيه على عينيه حتى تدفنوه!
قالوا: كفاك، اصمت
فإنك لست تدري ما تقول
قلت: الحقيقة ما أقول
قالوا: انتظر
لم تبق إلا بضع ساعات...
ويأتي؟
* * *
حط المساء
وأطل من فوقي القمر
متألق البسمات، ماسي النظر
ـ يا اخوتي هذا أبوكم ما يزال هنا
فمن هو ذلك الملقى على أرض المدينة؟
قالوا: غريب
ظنه الناس القمر
قتلوه، ثم بكوا عليه
ورددوا "قتل القمر"
لكن أبونا لا يموت
أبد أبونا لا يموت!
شيء يحترق
شيء في قلبي يحترق
إذ يمضي الوقت... فنفترق
ونمد الأيدي
يجمعها حب
وتفرقها... طرق
* * *
...ولأنت جواري ضاجعة
وأنا بجوارك، مرتفق
وحديثك يغزله مرح
والوجه... حديث متسق
ترخين جفوناً
أغرقها سحر
فطفا فيها الغرق
وشبابك حانٌ جبليٌ
أرز، وغدير ينبثق
ونبيذ ذهبي وحدي
مصطبح منه ومغتبق
وتغوص بقلبي نشوته
تدفعني فيك... فتلتصق
وأمد يدين معربدتين
فثوبك في كفي...
مزق
وذراعك يلتف
ونهر من أقصى الغابة يندفق
وأضمك
شفة في شفة
فيغيب الكون، وينطبق
....................
وتموت النار
فنرقبها
بجفون حار بها الأرق
خجلي!
وشفاهك ذائبة
وثمارك نشوى تندلق
ونعود نثرثر
كبحيرات هادئة
غطاها الورق
ويمر الوقت فلا ندري
ويقيم محافله الشفق
وتدق الساعة معلنة
فيهب بنا صحو قلق
ويحين وداع
وقتي
وأراه كحلم ينسحق
يرتد الصمت لموضعه
ويعود إلى الأذن الحلق
ونمد الأيدي
راغمة
نتشاكى العتب
وتنزلق
وأحس بشيء في صدري
شيء... كالفرحة
يحترق!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00