8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشاعر المصري أمل دنقل في ذكرى رحيله العشرين (1)

أن تقرأ أمل دنقل وتكتب عنه كتابة تحليلية أو نقدية باردة، بعيدة، في مثل هذه الظروف التراجيدية التي نعيشها، مع حرب المغول الأميركان على العراق، وسقوط بغداد، وانهيار بنية تاريخية كاملة، في هزيمة توازي نكبة 48، ونكسة 1967، أمرٌ شاقٌ، متعب، ووعِر.
ذلك أن أمل دنقل، كأنما كتب في أعماله عن هزائم تجرعناها، لكنه كأنما كتب أيضاً عن هزائم سنتجرعها.
أن ترافق أمل دنقل في رحلته الشعرية، كأنما تنزل إلى الجحيم، حافي القدمين، عاري الحواس، جُلجلة طويلة من العذاب، لرجل لم يعرف الهدوء، ولا السكينة، ولا "الغياب"، ولا "القيلولة"، ولا الراحة (إلا لحظات أو بُرَهاً). هذا المسلوخ الجلد، أمل دنقل، هذا الصارخ في البرية، المتأمل في الخراب، المفكر في فساد أنظمتنا، "الرائي" الملتهب العينين، المكسور في الخسائر، الغريب المستلب وسط أشكال التخلّف والقمع والاستسلام، هذا "المتمرد" الفردي الذي يختزل تمرّد ناسه، هذا الهزيل كخيط الكَتَّان، الصلب كالمسمار، الوحيد كشجرة وحيدة، المتعدد كفصول، المتفجر في كل اتجاه، كيف يمكن أن نقرأه قراءة تبسيطية، وجاهزة، أي قراءة ترى فيه شاعراً "بسيطاً" يوزع كالخبز والحلوى والرز على الجماهير، كشعراء المناسبات والأزجال والبلاطات؟
أقول هذا لأنني، وعبر كثير من المقالات والأبحاث حول أمل دنقل، انصب الاهتمام على جعل هذا الشاعر القلِق، غير المستقر، العصبي (يذكرني كثيراً بالشاعر اللبناني الكبير الياس أبي شبكة صاحب "أفاعي الفردوس"...)، شاعراً ايديولوجياً، "بسيطاً"، أو سياسياً مباشراً، أو إعلامياً مسطحاً، أو انفعالياً آنياً، لينعكس كل ذلك على قصيدة وُصفت بـ"القريبة" و"غير الغامضة" والواضحة "وضوح الرغيف!".
ومَنْ يقرأ المقدمة التي وضعها الكاتب اليمني عبد العزيز المقالع لأعمال دنقل الكاملة (لا أعرف إذا كانت كاملة فعلاً)، يكتشف الحيف، والظلم، والاستسهال، التي تعرّض لها شاعرنا؛ فقد وُضع ضمن كليشيات العديد من الشعراء الاستهلاكيين، الدعائيين، أو السياسيين تحت يافطة "البساطة".
لهذا السبب، أي وضع هذا الشاعر الكبير في خانة "إعلامية"، أصابت تجربته في الصميم، وجدت نفسي، وبعد قراءتي أعماله الكاملة مراتٍ، وبروح حرة، أمام شاعر آخر، لا علاقة له لا بعقول النقاد الايديولوجيين (البراغماتية)، ولا بعقول النقاد السياسيين (الشعبويين)، ولا بعقول النقاد الاعلاميين الذين يرصدون المردود المباشر والآني في قراءة غير استبطانية، وغير متفحصة، ومفككة لعناصر التجربة الشعرية المتعددة عند أمل دنقل.
والواقع، أني، أثناء القراءة وتدوين الملاحظات، ومن ثم التوقف عند عناصر قصيدته، شعرتُ أولاً بحنان ومشاعر عميقة عند هذا الشاعر "الصادق"، "المسلوخ حياً"، وأظن أني لم أتألم لدى قراءة أي شاعر تألمي وأنا أقرأ رحلة العذاب الطويلة في شعره؛ وثانياً بدهشة، (واستمتاع) كبيرة، بأن هذا الشاعر "الملتهب"، "الصارخ"، كتب قصيدة لا تنتمي إطلاقاً لا إلى "البساطة" المعهودة، ولا إلى السهولة، ولا إلى المناسباتية، بل صاغ، (وهذا صعب جداً) من المادة السياسية والانسانية المتأججة، قصيدة مركبة، سواء في عمق المقاربة الواقعية، أو في عمق الاحساس "الحدسي"، أو في هذه القدرة على كتابة قصيدة بوليفينية، سَخَّرَ لها ثقافة متّسعة: من التاريخ إلى التراث، إلى الحكاية إلى الأسطورة، إلى الدين، إلى المسرح، والسينما، فإلى مخزون إيقاعي، ولغوي خصب، وتركيبي معقد، وثقافة شعرية واسعة، ومرجعيات شعرية عربية قديمة وحديثة وأجنبية، شرقية وغربية... مما جعل قصيدته كأنما اختزال لثقافة الحداثة الشعرية، لا بوجهها الشكلاني (سعيد عقل)، أو التنظيري المفصول عن النص (أدونيس، كمال أبو ديب)، ولا الدعائي والبروباغندا، ولا الخضوع لمتطلبات "السوق" أو البلاد، أو الذائقة المعممة، أو "التقنيات" (الرومانطيقية، السوريالية، الرمزية، الواقعية، الاشتراكية البائدة).
أمل دنقل اعتصر مرحلة كاملة، حاورها، واستنفدها، وساجلها، ليقدم لنا قصيدة جديدة تغرف من الموروثين الحديث والقديم، لكن لتتجاوزهما إلى صيغة لا علاقة لها لا بتنظيرات "الحداثة"، و"المعاصرة" والثنائيات، والمرجعيات التجريدية، ولا بمدارسها المقننة، ولا بتبريراتها.

تناقضات الغنائية
غنائية رومانسية تتجه، ولو بتعرّج، نحو واقعية حادة، مجرّدة، بلا تزويق، ولا ماء. إنها الانتقال من لغة القلب، إلى لغة الوعي الفكري والسياسي، إزاء الحالات والأحداث والقضايا.
وفي القصائد الغنائية التي استهل بها شعريته، ثم ظهرت في تضاعيف تجربته، ولو على شكل متباعد ومنقطع، يتميّز أمل دنقل بما تميّز به الرومانسيون الكبار، من شفافية وسيولة وتدفق، وموسيقى، وإيقاعات، وصفاء لغوي، هي عناصر تنسج بها بنية القصيدة "المائية" (إذا جاز التعبير".
في قصائد مثل "العينان الخضراوان" (1977)، و"الملهى الصغير" (1999)، و"يا وجهها" (1965)، نلاحظ حتى النقاء الجمالي في اللغة، أو هذه الشفوية العالية التي تقترب من النشيد، وهذه الكيميائية الداخلية بين الصور وبين الموسيقى (تكرار، قوافٍ أو لازمة، أو الإكثار من حروف اللين:
"وينزل المطرْ
ويغسل الشجر
ويُثقل الغصون الخضر بالثمر
(...)
وينزل المطر
ويرحل المطر
وينزل المطر
ويرحل المطر
والقلب يا حبيبتي
ما زال ينتظر".

كم تُذَكِّر هذه القصيدة وسواها بالأثر الموسيقي للرمزية (الغنائية) عند بول رلين الذي يعتبر أن "الموسيقى هي كل شيء في الشعر" أو الأحرى هي العنصر "الايحائي" (Suggestif) الأول. ونجد مثل هذه المناخات عند العديد من الشعراء العرب الرومانسيين (أو الغنائيين) كسعيد عقل في "رندلى" والأخطل الصغير، وأبي شبكة وعلي محمود طه وجبران خليل جبران وصلاح لبكي وفوزي المعلوف...
على أن أمل دنقل، وفي تلك المحطات الصافية عنده، يغوص أكثر فأكثر على العنصر الموسيقي الذي يُظلل مجمل أجزاء القصيدة، ويوفر لها بنائيتها "الرمزية" (الايحائية) كما نجد في قصيدة "قالت" (ص 76):
"نزلت تدق على السكون
رنين ناقوس ثقيل
وعيوننا متشابكات في اسى الماضي الطويل
تخطو إليَّ
وخطوها ما ضلَّ يوماً عن سبيل
وبكى العناق
ولم أجد إلا الصدى
إلا الصدى".

إذا كانت "الغنائية" لا بمفهومها التقليدي المتصل بالعاطفية، فقط، وإنما أيضاً بمجموع الحالات، والأحداس، والتفتحات الداخلية، قد دفعت قسماً من شعر دنقل، إلا أنها كطاقة غير محدودة، مشحنة جوانية، طالت مجمل تجربته. وهنا لا بد من اعتبار أن هذه الطاقة الداخلية كأنما توازنت مع حالة فكرية خصبة، فترادفتا، وتناكبتا، وتمازجتا.
صحيح أن أمل دنقل هو شخص معبأ بالأحاسيس، لكنه شخص "يفكّر" جيداً، ويعي التناقضات حوله جيداً، ويستشف الظواهر السياسية، والتاريخية، والثقافية. ولهذا تتقدّم هذه الطاقة الداخلية الاسترهافية عبر كل المخزونات التاريخية، وهذا ما يمنحها كثافة وحجماً، يبعدها عن "التبسيط"، أو عن المعنى الأحادي، ليوحدها بالبنية المركبة. الشعور المركب. الفكر المركب. الموقف المركب. الحب المركب. فكأن هذا التهجين الرائع للأحاسيس وأشكال الوعي، يخصب قصيدته، ويعمّق حُفَرَها، وهاوياتها وتالياً دلالاتها. من هنا القول ان أمل دنقل ليس نزار قباني (لا أفاضل هنا)، ولا حتى سعيد عقل، ولا علي محمود طه... فهؤلاء الكبار لهم تجاربهم الرائدة، ولكن تعدد الطبقات (البنائية)، وتوسّع الدلالات (النفسية، الاجتماعية...)، وقوة الانزياح في استعمال المعاني (الرائجة)، واستنباش الأعماق (بما فيها من تناقضات ومفارقات)، تميّز دنقل عن الذين ذكرنا، وسواهم، في أنه يكسر "المجاز" التقليدي، إلى مجازات استغراقية، توليدية، ويكسر السياقات الرائجة إلى فجائيات يستخدم من أجلها تقنيات عديدة.
على هذا الأساس لا يمكن وضع أمل دنقل في خانة "الشاعر الرومانسي الصافي"، ولا في خانة الشاعر "المتأمل"، ولا في خانة الشاعر السياسي (بالمعنى المباشر)، ولا في خانة حتى الشاعر الشعبي بالمفهوم الاستهلاكي المعمم، ولا الشاعر الواقعي بالمنطق الايديولوجي اليساري.
إنه شاعر خارج التصنيفات التقليدية، وخارج المرمى النقدي المتداول. فهو "غرائبي" ولكن ليس سوريالياً، وعاطفي وليس "رومانسياً" (بالمعنى المدرسي)، ورمزي ولكن خارج النظام الرمزي المعروف (رلين، مالرمه، اليري، سعيد عقل، بشر فارس)، وواقعي ـ اشتراكي لكن من خارج المنظومة الدوغمائية، ويساري لكن بعيداً من التقنين الايديولوجي، وقومي ولكن بحس تاريخي، فهل هو جامع المتناقضات؟ ربما! ولكني أرى أنه مفتت التناقضات، تحويل بناها وكتلها (مدارس ومذاهب) مفردات، تفاصيل، وعناصر تخدم "حرية" القصيدة، واتساع الفكرة، ورهافة الحالة، أكثر مما تخدم ذاتها. بمعنى آخر، يختزل أمل دنقل ثقافة عصره السياسية والأدبية، ويبقى على غير انحياز إليها. من هنا تبدأ حرية الشاعر، لا في اختيار الموقع ولكن أيضاً في اختيار الشكل، والقصيدة، ومجمل أدواتها.
ونظن أن المعيش "اليومي" (والمتأمل)، الخصب، والمتسع، والخزين اللغوي والقاموسي، والتحوّلات التي كانت تصيب الواقع، من هزائم سياسية وفكرية، ومن انهيارات تطول إلى الهياكل التاريخية، وحس دنقل الرهيف بالتمرّد والرفض، شرّعت أمامه وداخله آفاقاً وعوالمَ مليئة ومكتظة بالرؤى، والكوابيس، والأساطير، والأحلام، والخوف، والرعب، واليأس، والحدث والأمل، والحب، والعبث، والغضب، والصراخ، العزلة، والفكاهة السوداء المرة.
الواقعية الملتهبة
هذه العوالم والآفاق غير منتوجة من حالات أحادية، ذهنية كانت أم عاطفية، أم سياسية. وليست منفصلة عن بعضها، في مراحل مقطوعة وبأساليب مقطوعة، ولغات مقطوعة، وغير منتسبة إلى مرجعيات محددة غير مرجعية الشاعر، ولهذا فهي تتلاقى أحياناً كلها في قصيدة واحدة، وتتصادم، وتتنامى، وتتلاغى، وتتناقض. هذا جو أمل دنقل، كثيف، متشعب، دغلي، متشابك، متواضع، لاهث، قارع ومقروع، عارٍ، مكشوف لكن أيضاً مستور، ومغلّف، وضمني في حدود التلميح، أو الإيماء، أو الصورة الرمزية، والايمائية والنفسية، والتورية، والاستعارة، والمجاز، والمباشرة الفيزيقية، لتتقاطع في فضاءاتها معطيات دينية (مسيحية، اسلامية، توراتية)، وتراثية (ألف ليلة وليلة، وزرقاء اليمامة...)، وأدبية (المتنبي، كافور، سيف الدولة...)، وأجنبية (الاغريق، المتن الأوروبي)، وفلسفية ومتأملة.
إن هذا العالم الشاسع، لا بد من أن يصاغ، في تجربة تتأرجح بين الشفوي والمكتوب، بين استخدام تقنيات ووسائل يمكنها أن تكون تعبيرياً في مستوى التجربة.
إذا كانت اللغة الشعرية تطلع من طبيعة التجربة، وتحدد حجمها، وصياغاتها، ودلالاتها، وعناصرها، فإننا يمكن، أن نقارب ولو مقاربة محددة العناصر التي تجعل من قصيدة أمل دنقل قصيدة مركبة من دون أن ندعي أننا "ملكنا" مفاتيحها وأسرارها، فالمقاربة (وكل مقاربة) نسبية وذاتية.
عناصر الصورة الشعرية
القصيدة (كالمسرحية) هي صورة في النهاية. ولكن صورة "مفتوحة" ذات مراتب ومستويات واختلاف.
ـ الصورة الايحائية التي تكون عبر عناصرها البصرية والايقاعية واللغوية (مفردات، جمل، أحرف) مناخاً غير مباشر من الايحاء.
"وطفلاً كنت كالأطفال
ومركبة من الكلمات تحملني لعرش الشمس
وقلدني الهوى سيفه:
"إلى ذات العيون الخضر"
وكوكبة من الربات مصطفة
"إلى ذات العيون الخضر"
وقريتنا ـ وراء العين ـ توراة من الصمت
وثرثرة من الغدران
وصوت الطبل
يدق لينزع القمر القديم نقابه المعتل...".
ـ الصورة الرمزية، وهنا لا تعني عند دنقل التجريد الرمزي، البارد، ذا المعادلات الحسابية، والهندسية، والذهنية، بل بالمعاني النفسية التي تكشف حالات جوانية تستبطنها بالصورة، وبالمشهد، وبالرسم.
هذه الصورة الرمزية عند أمل دنقل تأتي "عَرْضية" تستنبش حالات الشاعر، وتطلع من التجربة الشخصية أو من العالم الذي يحيط بالشاعر:
"في غرف العمليات،
كان نقاب الأطباء الأبيض،
لون المعاطف أبيض،
تاج الحكيمات أبيض، أردية الراهبات،
الملاءات،
لون الأسرّة، أربطة الشاش والقطن،
قرص المنوّم، أنبوبة المصل،
كوب اللبن،
كل هذا يُشيع بقلبي الوهن.
كل هذا البياض يذكرني بالكفن!
(من "ضد من" ص 368)

هذه الرموز "الشخصية"، تردفها وبكثرة رموز مغروفة من المخزون التراثي والشعبي والأسطوري والأدبي والتاريخي: من زرقاء اليمامة، إلى المتنبي، وكافور، إلى أوديب، وسبارتاكوس، والمغول، وقيصر، وسيزيف وهنيبعل، والبرامكة، والأنصار، وقريش وسالومي، والتقفي:
"أيتها العرّافة المقدّسة
جئت إليك مثخناً بالطعنات والدماء
أزحف في معاطف القتلى، وفوق
الجثث المكدّسة
منكسر السيف، مغبّر الجبين والأعضاء.
أسأل يا زرقاء...
عن فمك الياقوت، عن نبوءة العذراء

من "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"
أو
"يفتح المخلب أجفان العيون
لترى... لكن ترى ماذا ترى؟
(ساعة الحائط في معبد "هاتور" انتهت
دقاتها
وانتهت "طروادة" البكر على وهم الحصان!)
ـ ...أنا أوزوريس صافحت القمر
كنت ضيفاً ومضيفاً في الوليمة".
أو
"مثل ساعة الضحى بين يدي كافور
ليطمئن قلبه. فما يزال طيره المأسور
لا يترك السجن ولا يدور
(...)
أبصر أهل مصر
لينتظروه، ليرفعوا إليه المظلمات والرقاع!
جاريتي من حلب تسألني متى نعود".
قلت: الجنود يملأون نقط اللحدود
ما بيننا وبين سيف الدولة.
(...)
لعنت كافوراً
ونمت مقهوراً
..."خولة" تلك البدوية الشموس
لقيتها بالقرب من أريحا
سويقة، ثم افترقنا دون أن نبوحا
(...)
"أبحث عن مدينتي:
يا ارم العماد
يا ارم العماد
يا بلد الأوغاد والأمجاد
ردي إليَّ صفحة الكتاب
وقدح القهوة واضطجاعتي الحميمة
فيرجع الصدى
كأنه أسوانة قديمة:
يا ارم العماد
يا ارم العماد
من "مذكرات المتنبي" (ص 186)

(*) تلقى هذه الورقة اليوم في المؤتمر الدولي الذي ينعقد في القاهرة حول الشاعر، والذي ينظمه المجلس الأعلى للفنون، بمناسبة مرور 20 عاماً على رحيله.


مختارات من شعره
المطر
وينزل المطر
ويغسل الشجر
ويثقل الغصون الخضراء بالثمر
... ...
ينكشف النسيان
عن قصص الحنان
عن ذكريات حب
ضيعه الزمان
لم تبق منه إلا النقوش في الأغصان
قلب ينام فيه سهم
وكلمتان
تغيب في عناق
جنبي.. فراشتان
وأنت يا حبيبي
طير على سفر
***
ويرحل المطر
ويذبل الشجر
ويغمر الغبار النقوش والصور
... ...
وتهبط الأحزان
فتمحى الأحزان
والقلب
والخطوط العرجاء
والأسمان
وينخر السوس القديم في العيدان
وترحل الطيور الزرق
بلا عنوان
تسأل عن هوانا
تسأل عما كان
..ما كان يا حبيبي
حلم؛ وقد عبر!
وينزل المطر
ويرحل المطر
وينزل المطر
ويرحل المطر
والقلب يا حبيبي
ما زال ينتظر
يا وجهها
شاء الهوى أن نلتقي.. سهوا
كم كنت أفتقدك
يا وجهها الحلوا
***
كل الذي سميته: شدوا
من قبل ما أجدك،
أضحى على شفة الصبا.. لغوا
***
كن لي كما أهوى
أمطر عليّ الدفء والحلوى
ويدي تبث سماتك الشجوا
فيئن مرتعدك
***
يا حينما أعدك
الصيف فيك يعانق الصحوا
عيناك ترتخيان في أرجوحة
والثغر مرتعش بلا مأوى
وعذابه: سلوى
إن جئت أنفض عنده الشكوى
***
في الليل افتقدك
فتضيء لي قسماتك النشوى
تأتي خجول البوح مزهوا
وعلى ذراع الشوق استندك
وأحس في وجهي لظى الأنفاس
حين يلفني رغدك!
وأنام!
تحملني رؤاك لنجمة قصوى
نترفق الخطوا
نحكي، فأرشف همسك الرخوا
ويهزني صحوي.. فافتقدك
لكن بلا جدوى
بلا جدوى!
يا وجهها الحلوا
أمطر، فإني مجدب السلوى
ما زلت لا أقوى
أن أنقل الخطوا
إن فاتني سندك
***
يا وجهها الحلوا
ما زلت أفتقدك
ما زلت أفتقدك
قلبي.. والعيون الخضر
ـ 1 ـ
صبياً كان
شددت على يديه القوس
أعلمه الرماية
(كي يفوق بقية الأقران)
"فلما اشتد ساعده.."
.........................
ثلاث سنين
أبارز قلبي المفتون
يجمع بيننا ليل، ويفصلنا نهار قتال
تطل عليّ ـ خلف لثامه ـ عينان خضراوان
(كأوردة تلون بطن ركبة عانس عجفاء)
وقبلا.. كانتا في وجه قديسة!
***
ثلاث سنين
ينازلني، أنازله
لهاث ساخن، وغبار
يرف على الفم المزموم،
ثم يرين فوق العشب والأسوار
وكان الفخ قرب الباب
سقطت ملوث الرئتين والأثواب
أشاحت عني العينان
وكنت تراب
وكان يدير لي كتفيه في استهزاء
.. وتعرف أنت
ماذا يفعل المغلوب مثلي
حين يوليه العدو الظهر،
وفي كفي بقايا سهم
...........
وطفلاً كنت، كالأطفال
ومركبة من الكلمات تحملني لعرش الشمس
وقلدني الهوى سيفه:
"الى ذات العيون الخضر"
وكوكبة من الربات مصطفة
"الى ذات العيون الخضر"
وقريتنا ـ وراء العين ـ توراة من الصمت
وثرثرة من الغدران
وصوت الطبل
يدق لينزع القمر القديم نقابه المعتل
وطفل شاحب ينهض
تزغرد نسوة لختانه المدسوس في جلبابه الأبيض
وفوق الجسر
غلام لاهث يعدو
ليمسك مهرة فرت وفي سيقانها يتعلق القيد
... ...
ومركبتي تشد الأفق مخروطية الدرب
"الى ذات العيون الخضر"
تلال السحب تهرب من ورائي كومة.. كومة
وأنسام تضم عباءتي بأنامل الرحمة
ومن ضمة
الى ضمة
تنسمنا قلاع الحب والحكمة
ولكنا على الأبواب
أطل نتوء
(كأنف قد تورم فوق وجه العازف السكير)
على العجلات مد لسانه الموبوء
تهاوت فيه مركبتي
فعد يا صاحب الكلمات
كأسياخ الحديد توهجت في النار
تمر على عيونك أحرف الكلمات
"هوانا مات"
تهاوينا
بلغنا قمة القمة
لنهبط في انحدار الجانب الآخر
ومن عثرة الى عثرة
تلقانا تراب الأرض في راحاته البرة
ودارت قهوة الموتى
رأيت يديك هذا اليوم
معطرتين، ناعمتين
ولكني رأيت على أظافرك الدم الملتم
وفي المجرى الذي ينساب في النهدين
مددت يدك قبيل النوم
عثرت على حطام الخنجر المسموم والقفاز!!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00