كلنا يعرف أن الصدمة الأولى الايجابية، كانت بالنسبة إلى الكثير من المثقفين العراقيين المنفيين، في بلاد الله الواسعة، بعيداً عن وطنهم، هي سقوط نظام صدام حسين بتماثيله (وما أكثرها!)، وصوره، وطغيانه، وجنونه وستالينيته.
صدمة إيجابية جداً أن يسقط الدكتاتور (وأي دكتاتور) بالنسبة لأهل الثقافة الأحرار (وغير الأحرار: بتوع البنتاغون والرولكس والفنادق الفخمة)، لكن، هل يكفي سقوط الدكتاتور، لاسترجاع ما أعدمه، من حرية واستقلال، ومجتمع مدني، وتماسك وطني، وتعددية فكرية سياسية وحزبية؟
نحن لا نخفي غبطتنا من تفجر التظاهرات هنا وهناك، وعودة من يجب أن يعود من المنفيين، وقد رأيناهم على الشاشات (بمن فيهم الخوئي الذي اغتيل وهو المعتدل بطريقة بربرية تؤشر إلى دلالات كثيرة مقبلة)، والتحرك شبه الحر للعشائر والقبائل والطوائف والخطب الدينية ذات الأصداء في أرجاء العراق المحرر. فالبلد تحرر فلا بد إذاً من الحرية!
لكن سيسأل المثقفون العراقيون، لا سيما هؤلاء الذين إما أجبروا على مغادرة وطنهم، أو تركوه قسراً هرباً من الدكتاتور، سيسأل هؤلاء الذين حَموا جزءاً كبيراً من نصوصهم في المنافي، شعراً ومسرحاً وتشكيلاً وفكراً ورواية، حيث تمكنوا من صوغ أفكارهم ومشاعرهم، بحرية لم يكن الدكتاتور يوفر حدودها الدنيا، ماذا سيحل في عراقهم؟ 1) في ظل الاحتلال الأميركي؛ 2) في ظل هيمنة الظواهر العشائرية والقبلية والدينية والطائفية؛ 3) في ظل تدمير البنى التحتية، الثقافية والفكرية والفنية والسياسية؛ 4) في ظل شبه "انقراض" ما يسمى القوى العلمانية من يسار ويمين وليبرالية وقومية وتقدمية ووطنية، 5) تشجيع الاحتلال الأميركي للظواهر الغيبية هذه، والتي قد تكون تهيئ، معه، أو من دونه، جمهوريتها أو جمهورياتها، أو كونفدرالياتها، وحتى تقسيماتها (الاثنية والطائفية والعشيرية).
فاذا كانت الأمكنة والأزمنة سحبت من تحت المثقف العراقي المعترض والمعارض، في زمن الدكتاتور، فهل تكون لهؤلاء "أمكنتهم" و"أزمنتهم" وسط هذا الزحف الضوضائي الطاغي اللاهث، المتعطش، المتلهف، لتعويض ما حرمه منه الدكتاتور السابق. فمن ناحية، هناك الاحتلال الأميركي الذي خلع الحاكم العسكري الأميركي غارنر (كما خلع صدام) وعيّن مكانه حاكماً ادراياً آخر (بريمر) يتمنى أن يكون ذا فاعلية في ترويض من لم يروّض، وفي تنفيذ خرائط الطريق الجديدة في العراق، ومن ناحية أخرى القوى (المحرومة سابقاً) الأخرى ذات الجماهير والايمان، فأين يمكن أن يجد المثقف العراقي (الحر الديموقراطي، الهامشي والوطني...) موطئ قدم له؟ عند الأميركيين؟ وهؤلاء عندهم عملاؤهم الكثر والفائضون من أهل الثقافة والعسكر، والسياسة، والإيمان والورع، و"حب العراق" والذين ينتظرون اشارة منهم لكي يعودوا إلى "بلدهم الحبيب"ويتقاسموا مع الآخرين (لم يقرر الاحتلال بعد من سيكونون) السلطة، ليقوم نظام الديموقراطية، وحرية الاختيار، والانتخابات والبرلمانات بفضلهم وبفضل الجماهير والأقليات والأكثريات المؤمنة.
أم تراه سيلجأ إلى هؤلاء الآخرين: وعندها سيكون عليه أن يدخل الجنة بشروطهم: لا بأفكاره الحرة، ولا بأحلامه العراقية المتقدمة، ولا بنصوصه المتحررة من كل قيد ورقابة، تماماً كما كان عليه أن يدخل جنة الدكتاتور بشروط هذا الأخير.
والمثقفون العراقيون (الأحرار) يرصدون من منافيهم، ما يجري في وطنهم، بتفاصيله البارزة وبمعانيه، بظاهره وباطنه، بنياته وأعماله، ويبدو انهم ما زالوا في مرحلة الانتظار والترقب لكي لا أقول الخوف (كما عبّر لي بعض هؤلاء)، على أن هذا الانتظار "قد يكون مريحاً من ناحية (رحيل الطاغية) وقلقاً: أي عراق سيبنيه الأميركيون! عراق على الطريقة الافغانية، أم عراق على الطريقة الأميركية، أم عراق على الطريقة الايرانية، أم على الطريقة الملبننة"؟ أم عراق على الطريقة الشارونية في فلسطين المحتلة، بحيث يبحثون عن كارزاي آخر، أو عن أبي مازن ملطف، أم على "صدام جديد" لكن وَرِعَ، وذي ايمان بالجنة وبدار البقاء والخلود؟
لكن، (وكما عبر لي أحد هؤلاء العراقيين الديموقراطيين)، "أشكال" هذا العراق المطروحة هي أشكال يُخشى ان تصب في النهاية، سافرة هنا أو مقنعة هناك، في مناخات الدكتاتورية السابقة والدكتاتوريات المحتملة وعلينا أن نعرف أن معظم هؤلاء المثقفين العراقيين لم يعد متجمداً في مفاهيمه الأولى عن اليسار واليمين والقومية والليبرالية والشيوعية، إذ قد تأثر بالبيئات التي عاشها في أوروبا، أو بعض البلدان العربية. وفي عدد من هذه البلدان تطبّعوا بديموقراطيات، وبفصل الدين عن الدولة، والسلطة عن الدكتاتورية، وحرية التعبير، والكتابة والتفكير ولو في حدود نسبية.
وهذا يضيف إلى رصدهم للواقع ابعاداً أخرى. صحيح أن هؤلاء يتلهفون للعودة إلى وطنهم وهذا طبيعي، لكن ما سيكون ثمن العودة؟ مرحلة أخرى من التخلي عن مكتسبات (دفعوا ثمنها غربة وتشريداً وفقراً) المنافي.
عليهم ، لكي تؤمن عودتهم (هذا اذا أُمِّنتْ) ان يبقوا في منصة المتفرجين أو الشهود أو في أسوأ الأحوال في اقفاص الاضطهاد والقمع من جديد. (لم يبقَ يسار ولا شيوعيون ولا ليبراليون بعد استتباب الثورة الايرانية، تماماً كما لم يعد هناك لا شيوعيون ولا ليبراليون، ولا حتى بعثيون في زمن الدكتاتور السابق).
واذا غابت عن بلادٍ ما، (أياً كانت) القوى الديموقراطية الحية، التي لا بدّ من ان تجدد خطابها السياسي والفكري والاجتماعي وتساهم في تكوين مساحة كبرى للحرية، والديموقراطية وللابداع غير المشروط لا بفقهاء "الايديولوجيا" (العلمانية) ولا بفقهاء الغيوب، ولا بمحاكم التفتيش ولا بالرقابات ولا بالقطع والمنع والنهي ولا بالجماهير "المعلبة" في خانات أبدية، فأي بلاد ستكون هذه سوى استنساخ معدل لأنظمة "علمانية" يحرسها العسكر، او انظمة طائفية.. يحرسها العسكر الآخر؟ بل أي فارق جوهري سنلحظه، بين دكتاتورية "قومية" وأخرى غيبية. فالدكتاتورية واحدة بين "مسْتفقِه" يخوّن، ومُستفِقِهٍ يكفّر. والمشكلة السياسية (الفكرية) التي يعانيها لبنان منذ اندلاع حروب بعض العرب واسرائيل وأميركا عليه، هي أنه تمّ نقل الصراع من صراع فكري سياسي إلى صراع طائفي، وباتت الكلمات الفصل، لا للمثقفين ولا للتنويريين ولا للمفكرين ولا للأحزاب المدنية، بل للطوائف التي كرست "كنتنة" طائفية على امتداد البلد... وعلى مختلف الأصعدة.
ولهذا يجد المثقف العراقي الذي يعرف لبنان السابق ولبنان اليوم، أن النموذج الطائفي والعشائري والقبلي والعائلي، هو نموذج الهويات القاتلة، التقسيمية، النموذج الذي يلغي المواطنة، والفردية لمصلحة "القطيع". وأن هذا النموذج أقرب إلى نظام "المحميات" (في ظل الاحتلال الأميركي) وفي ظل ارتباط بعض القوى الطائفية بالخارج.
المثقف العراقي الحر الذي يحلم بوطن حر، وبمجتمع حر، وبديموقراطية عقلانية (لا ديموقراطية القطعان) هل يترك منافيه الشاسعة الباردة، إلى منافٍ أخرى تبدأ ولا تنتهي؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.