8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"هزيمة" المثقف الأميركي

المثقفون الأميركيون، يبدو، أنهم يختلفون كثيراً، اليوم، إزاء حرب العراق، قبلها، وأثناءها وبعدها، عما كانوا عليه إزاء حرب فيتنام. في هذه الأخيرة قام شبه إجماع على دعم أميركا في حربها على فيتنام. إجماع شعبي، وثقافي، واجتماعي، على الأقل في السنوات الثلاث الأولى من بدء الحرب. استراح المجتمع والفنان والكاتب، في العدوان الأميركي، وبقي في دعته، واطمئنانه، وثقته بعيداً عن طرح الأسئلة الجوهرية: لماذا هذه الحرب، وما هي أهدافها، ومبرراتها؟ المهم أن وطنهم يخوض حرباً، وما عليهم، من باب الوطنية وسواها، إلا الاصطفاف وراءه وقفة واحدة، وصرخة واحدة، وموقفاً تضامنياً واحداً.
هذا الزمن الإجماعي الاطمئناني، يبدو أنه تناءى كثيراً، كأنما من عالم آخر. أو من أزمنة أخرى، إزاء الموقف الشعبي والثقافي من الحرب على العراق.
على العكس: كأن الإجماع الذي نهض لتأييد الحرب الفيتنامية انقلب في الحرب على بلاد الرافدين إلى شبه إجماع على رفضها، والعمل على منع وقوعها. زمنان. ومكانان. وشعب واحد. وما زلنا نذكر ونسمع مئات المثقفين والشعراء والفنانين والمسرحيين والصحافيين والمحللين الأميركيين كيف عبَّروا عن هذا الرفض، تظاهرات في الشوارع، واعتصامات، واحتجاجات بالشعر (قرابة 3000 قصيدة كتبها شعراء أميركيون ضد الحرب)، وارتجالات في المسرح، وغناء وعزفاً، وصراخاً وهتافاً، بحيث تحوّلت الشوارع والساحات والمنابر، بناسها، ومن كل الفئات، إلى ما يشبه القصائد الملونة الطالعة من الأجساد والحناجر.
ولهذا، بدا إصرار بوش وبطانته على الحرب، وكأنه مُوَجّه أيضاً ضد الرأي العام الأميركي، والنخبة، والفكر، أي ضد الضمير الثقافي والشعبي الأميركي، قبل أن يكون موجهاً ضد الرأي العام العالمي ومؤسساته. أي موجه ضد أميركا التي كانوا يحلمون بها.
وعندما شَنّت الادارة الأميركية عدوانها على العراق، كانت الهزيمة الأولى والكبيرة لهؤلاء المثقفين "دعاة السلام"، و"مناهضي الحرب"، و"العنف" هزيمة يقابلها، بالطبع شعور بالانتصار لدى مثقفي السلطة والبنتاغون من المحافظين والمتطرفين الجدد (عدد لا بأس به من مثقفينا أيضاً شعر بالانتصار مع منتصري البنتاغون!).
بين هذين الشعورين المعبرين نستَشِفّ المزاج العام للمثقفين الأميركيين قبل احتلال العراق وبعدها. فالإجماع الذي برز قبل الحرب، بدأ يهتز بعد بدء العمليات العسكرية، وراح الشعور بالهزيمة يتحوّل لدى هؤلاء المثقفين الأميركيين قلقاً، وتمزقاً ومرارة، وعرف هؤلاء أنه كلما انجرف الأميركيون وراء لغة الحرب، وتداعياتها، والتفوا من باب الوطنية والقومية والواجب حول إدارة بوش، ازدادت عزلتهم، وضعف حضورهم وتأثيرهم. وهذا ما تأكد مع تسجيل الرئيس نسباً عالية من التأييد في الاستطلاعات. إنها هستيريا الحرب. لكنها هستيريا، تؤكد قيم العدوان ومنطق الحروب، وتغرق الناس في لاعقلانية سحيقة وحالات من النشوة الجماعية العميمة. وهكذا تتعدد الهزائم وتتلون. وتتفاقم عزلة هؤلاء المثقفين عندما يستمر اليمين المتطرف بمقولاته الشوفينية والرجعية والجنونية والعنصرية في الاتساع فقط مقابل تراجع اليسار أو التيارات الديموقراطية، والهامشية، لا على صعيد ما يتصل بالحرب، وإنما أيضاً على صعيد التحوّلات التي تصيب النظام السياسي نفسه، والذي تحوّل (كما يقول العديد من هؤلاء المثقفين)، إلى نظام "معسكر"، قمعي، يشبه إلى حد كبير الأنظمة الدكتاتورية في العالم الثالث.
فمن ناحية "مكارثية" (متجددة) وعنصرية، ومن ناحية أخرى تطلعات امبراطورية، تفترض، في استراتيجيتها الحربية العدوانية المتواصلة، خلفية اجتماعية وثقافية متساوقة (هذا ما يفسر العريضة التي وقعها عدد من مثقفي السلطة الأميركية للدعوة إلى "الحرب العادلة"). ومتواطئة، تجعل من الشعب والكتاب والفنانين والعلماء شركاء في الجرائم، وفي كلتا الحالين تبدو الديموقراطية هي الخاسر الأول، بما يعني ذلك من تأثير على البنية الثقافية وموقع المثقفين. فكأن "الانتصار" الأميركي على العراق جزء من انتصار النظام الأميركي على من يختلف معه أو يخالفه أو يعارضه في الداخل. وكأن تخريب التراث العراقي عبر تسهيل سرقة متحف بغداد وتدمير موجوداته، ونهب مكتبة بغداد وإحراقها، بما تمثل من إعدام لجزء من الذاكرة التاريخية والثقافية العراقية، لا تنفصل عن محاولات تدمير جزء مضيء من التراث الأميركي الآخر (أو أميركا الأخرى). التراث التقدمي، الابداعي، الاحتجاجي، الديموقراطي، ومحاولة إحلال ذاكرة مكارثية دينية (بروتستانتينية مُهوّدة)، لن توفر الثقافة الأميركية ودساتيرها ومحطاتها المضيئة مع كبار المفكرين والهامشيين والشعراء، والروائيين، والسينمائيين، والمسرحيين والسياسيين.
فالمثقف الأميركي (الديموقراطي) يُحس بأنه مستفرد في ماضيه وحاضره وبالطبع في مستقبله. (انه كمثقف العالم العربي مع حفظ الفروقات بالطبع)، والبنية السياسية (والايديولوجية) التي تشكّلت على مدى قرون، من التنوع الحضاري والاثني والديني والثقافي، في مجتمع لا "ينسجم" في أحادية موجهة أو معينة، يبدو ان هذه البنية مهددة، أو على الأقل يخشى المثقفون ان تكون مهددة. مهددة بيروس قديم، يعاود نشره النظام الأميركي، لينخر أسس التنوعات الغنية (حتى التناقضات) التي قام عليها تاريخ الثقافة الأميركية. وقد عبّر المثقفون الأميركيون عن هذه المخاوف تعبيراً واضحاً في كتاباتهم وتصريحاتهم وبياناتهم وقصائدهم... ابتداء بنورمان مايلر ومارتن شين وداستن هوفمان وسوزان ساراندون وداني كلور وصولاً إلى كولينز وشومسكي وحتى توماس فريدمان ومئات آخرين.
انها دكتاتورية (مكارثية) مستنهضة وسافرة، تسعى إلى تحويل المجتمع الأميركي إلى نظام توتاليتاري "مقنع" أو "مموّه" ترسخه وتصدره عبر "عولمتها" وعبر مقولاتها "صراع الحضارات" وحوارها، وصدامها..
تقول سوزان سونتاغ "لم يعد عندنا حزبان في أميركا. عندنا حزب واحد هو الحزب الجمهوري، والحزب الديموقراطي صار فرعاً من فروعه (...)، ويقول عدد من المثقفين في المعنى ذاته "بعد 11 أيلول ارتفع شعار "سنبقى واقفين" وتفسير هذا الشعار "لا تفكروا. اكتفوا بأن تكونوا مواطنين صالحين وافعلوا ما يطلب منكم" (يذكر بالبيانات العسكرية العربية).
هذه هي الهزيمة الكبرى التي يعيشها المثقف الأميركي الحر، سليل كبار كاورسون ويلز، وبراندو، وودي ألن، وشابلن، وشتاينبك، وجين فوندا، وفوكنر وكوبولا وتينسي ويليامز، وارثر ميلر وجماعة البيت... هذه الهزيمة تدرك المنجزات الديموقراطية الأميركية نفسها، والحرية نفسها، قبل ان ترتبط بهذه القيصرية الامبراطورية الجديدة.
وأكثر ما يخشاه هؤلاء المثقفون "المهزومون"، ان تستعاد في بلادهم ستالينية ما، تحت شعار محاربة "الارهاب" والعدو الارهابي، وعندها ما عليهم سوى التذكير بمناخات رواية "1984" الارويلية بكل ما تمثله وتعنيه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00