بعد عقود عديدة ومديدة من "الممارسة" الديموقراطية المكثفة و"المشبعة" حتى التخمة في أصقاعنا وأقطارنا العربية، وبعد تكدس ملايين الصفحات والدراسات والبيانات والبرامج والكتب والخطب والمنابر والحناجر والشعارات واليافطات، وعشرات الثورات والانقلابات والبلاغات العسكرية والحروب والمجازر والإعدامات والنفي، التي "أنجزت" باسم الديموقراطية ومن اجلها، على امتداد هذه الجغرافيا العربية الحديثة، وبعد بروز مئات الكتّاب والمفكرين والأدباء والمسرحيين والمطربين والشعراء الذين كتبوا لنا (وما زالوا) عن الديموقراطية، وتغنوا بها ومثّلوها ولحنوها ونظموها، بعد كل ذلك، وبعد كل ما نسترجعه ونشهده من أوضاعنا السياسية والفكرية، وما آلت اليه أمورنا (لاسيما "انتصاراتنا" المظفرة التي نحتفل بها في كل مناسبة وطنية وقومية!)، هل يمكن القول، اننا ما زلنا نحتاج الى تلك الديموقراطية التي حفظناها ودرسناها وتعلمناها من كل هؤلاء.. ام ان علينا ان نؤمن بديموقراطية "عشناها" و"كابدناها"، وتعودناها وشجعنا عليها او تواطأنا من اجلها؟
ديموقراطية واقعية، محسوسة، ملموسة، ابتكرتها الانظمة لانها تتلاءم وحياتنا، (وحياتهم)، وتقاليدنا، وتطورنا، وحرياتنا، وازدهارنا. فماذا نختار: ديموقراطية موجودة في كل مكان في دساتير الانظمة والاحزاب والنقابات والبرامج الانتخابية وفي الخطب؟ "طوبوية" لفظية، لم نختبرها يوماً (ولم تختبرنا)، ام ديموقراطية ألِفناها، وعلمتنا اصولها القبائل والاحزاب والعائلات والعساكر الحاكمة، فباتت جزءاً من تفكيرنا ومن سلوكنا، ومن ردود فعلنا (البافلوفية) وسراً من أسرار قناعاتنا وكنوزها، وسعاداتنا وعبقريتنا؟
فتلك الديموقراطيات الطالعة من الكتب والاحلام موجودة عندنا منذ أكثر من قرنين (كأساس لبناء الدولة والمؤسسات والقوانين)، لكن لماذا وبالرغم من ذلك، لم نصبح "ديموقراطيين" على تلك الطرق "الحالمة" وصرنا ديموقراطيين على طرق حكامنا؟ ديموقراطية "غريبة" متناقضة ولكن واقعية وآمنة ومستأمنة.
اقصد أننا، منذ فترة "استقلالاتنا" (يبدو انها تحتضر الآن بحمده تعالى)، كُنا "نفكر" بديموقراطية "رائعة" مثالية، شارك في وضعها لنا كبار الفلاسفة والسياسيين والمنظّرين الأجانب والعرب، وكنا نُمارس ديموقراطية اخرى خارج طبعات "الكتب" والبيانات في حياتنا اليومية.
وكُنا نعرف ان لا علاقة لتلك الديموقراطيات "المصونة" بعليائها، بالديموقراطيات "الواقعية". ديموقراطيتان: واحدة تعيش في الرأس، وأخرى في الوقائع اليومية.
ونحن عشنا. واشتغلنا. وكتبنا. وأسّسنا برلمانات. وحكومات. ورئاسات وبيعات. واستفتاءات. وانتخابات. وخضنا حروباً.
واتخذنا قرارات، من داخل "الديموقراطية" الموضوعة من الانظمة، لا من داخل "الديموقراطية" المصوغة من ورق الورد. وقبلنا بالأولى، ونحن نحلم بالثانية، حتى التبست الاثنتان في عقولنا، وما عدنا نفرق بينهما، بل، أنحزنا في ظروف وأماكن كثيرة الى "ديموقراطية" الأنظمة. ونحن نظن اننا انحزنا الى "ديموقراطيتنا" (الكتب) فصرنا نُسمّي مثلاً الانتخابات المزوّرة، (سواء شاركنا فيها ام لم نشارك) انتخابات ديموقراطية، لأن السلطة التي نظمتها وزورتها تغدق عليها هذه الصفة. وصرنا نرى أشكال الاستبداد العسكري والبوليسي والمخابراتي السائد ببراعة ومهارة (وإيمان بالوطن والله والعائلة) منذ أكثر من 50 عاماً وكأنه الصلب والجذر والأساس الذي يطلع منه النظام الديموقراطي. (فكيف يمكن ان نُرسي ديموقراطية بغير الفرض والطغيان والحديد والنار والقتل والسجن!). بل كأن سيادة الاستبداد والدكتاتورية هي الأمر الطبيعي في مجتمعاتنا، وظهور نظام غير استبدادي ودكتاتوري هو الأمر غير الطبيعي!. (فوبيا، فصام، شيزوفرانيا، عصاب، هستيريا... بالجملة فاختر ما تشاء منها ايها القارئ). وصرنا، بكل بساطة (نعم بكل بساطة) نرى ان كل نظام متعدد (تعدد التيارات الفكرية والسياسية) هو نظام الحزب الواحد، وان النظام القائم على تعددية الأفكار والاحزاب هو نظام احادي متآمر (يجافي تقاليدنا العريقة)، يهدد الحرية والديموقراطية ويصنع الحروب الأهلية والتفكك والانقسامات، والفوضى في مجتمعاتنا المؤمنة الورعة التقية. وعليه فإن جوهر الديموقراطية (الجوهر) لا يكون لا بحرية التعبير والمعتقد، والممارسة، ولا بحرية الكتابة والتفكير والاحساس، وانما في "الذوبان" (الصوفي او الحلولي!) المطلق في النظام الواحد (المعصوم عن الخطأ بالطبع، وعن الهزائم ولو أنجزها)، فَتُعَزّز بذلك الوحدة الوطنية (وحدة السلطة)، والتماسك القومي والاستقرار الاجتماعي الذي لا بدّ من ان يؤدي الى بحبوحة اقتصادية تطول الى 90 او 95 في المئة من الفقراء. رائع!
وصرنا (من باب العادة والالفة)، نتعامل مع إعلام الصوت الواحد وكأنه إعلامنا وإعلام الجماهير. تماماً، مثلما اعتدنا ان نتعامل مع الجماهير وكأنها مرآة (او قطيع) الصوت الواحد، والإرادة الواحدة، لنُدرج، ونحن مغبوطون بانسجامنا مع حكمة الانظمة، كل رأي مختلف في صفوف اعداء الديموقراطية، والجماهير، والخروج على الاجماع الوطني (فالديموقراطية صارت، وهذا ممتع، قائمة على فكرة الاجماع: 99 في المئة، ووصلت مع صدام اخيراً الى 100 في المئة من الشعب. ممتع!).
ولهذا، صرنا نتهم كل صوت "منفرد" طالع من فردية صاحبه، بالعدمية او الارتباط بالخارج وتشويه صورة الوطن، وإفشاء اسراره (أي أسرار!) والتآمر... فالصوت الفردي (والفرد هو المفردة التي يتكون منها الوطن ـ المواطن)، كما تكوّن في ذاكراتنا الجماعية وردود فعلنا على مدى عقود الاستقلال، هو "صوت صارخ في برية" لا حاجة اليه، ولا ضرورة له. ولا فائدة منه. نريد صوتاً من داخل الاصوات. وداخل البرية (الغابة المعسكرة) المتوحشة.
"واقتنعنا" بأن الثقافة ككل، هي (ومن وجهة نظر الانظمة)، هي أولاً وأخيراً قضية أمنية. لا قضية تجديد حضاري. وديموقراطية. ولا دور سياسي. ولا بلورة اجتماعية. ولا اختراق ابداعي. ولا تعميق للوعي. الثقافة كتلة (تشبه الكتل النقدية) يجب ان توظف في خدمة الثورة (اذا كانوا ثوريين)، وفي خدمة السلطة. وكل محاولة لبناء ثقافة عقلانية او ادبية وفنية حية وحرة لا تصدر فرماناتها من "فوق"، ويعود مردودها الى فوق، انما هي ثقافة تهدد امن الديموقراطية (الديموقراطية مسألة أمنية ايضاً تتصل بحالات الطوارئ والاستنفار)، وتهدد امن الدولة، وواجبات الشرطة والأمن العام والأجهزة والمخابرات والعسكر وتماسك العائلة، وتخدم مخططات العدو. وعليه، فإن كل مثقف يسعى، بحس نقدي (لا مدحي)، وتحليلي (لا مرتهن) الى مواجهة الواقع بسلاح الثقافة (ايديولوجيا، احزاب، شعر، فلسفة...)، هو مثقف خطر، وخارج على القوانين، والتقاليد، والمجتمع، قد يستحق الموت او السجن او النفي...
وثقافة السلطة المصنوعة على حجمها، وقياسها، وعقولها، هي ثقافة "مستأمنة" حكيمة ضرورية، تجعلنا، نصطف طوابير أمام عتبات الحكام، عارضين عليهم أولاً فعل التوبة، وثانياً خدماتنا، وثالثاً أرواحنا ودماءنا لنخدمهم كموظفين وبراغٍ في أجهزتهم، ومؤسساتهم، وقاماتهم "العالية" الشامخة...
واليوم، المثقفون عموماً، وبعد عذابات ومشقات اكتشفوا هذه الحقيقة (الأخيرة) وتبنوها وبرروها، وها هم من أقصى المغرب الى أقصى المشرق، يعيشون شهور عسل بل سنوات عسل مع الانظمة، بطريقة ديموقراطية حضارية لا إكراه فيها، ولا ضغط، ولا اغراء، ولا ترغيب ولا ترهيب. اقتنعوا أخيراً بأن ديموقراطية الاستبداد هي الوجه الواقعي، والحقيقي، وكل ما عدا ذلك مغامرة ومجازفة ومثل عليا افلاطونية.
ولأن المثقفين، عبر مواقعهم الجديدة صاروا صوراً بهية ملونة للانظمة، فمن الطبيعي، ان يصبحوا على شاكلتها. انظمة استبدادية ثقافية داخل انظمة استبدادية امنية. ديموقراطية استبدادية داخل ديموقراطية استبدادية. يمارسون على بعضهم ما لم تمارس هذه الانظمة عليهم في عز قمعها.
اذاً عندنا ديموقراطيتان: واحدة للتذكر والحنين والحلم نرجع اليها في الافراح والاخوانيات وكتب الاطفال، لا نعرفها ولا علاقة لها بحياتنا، واخرى متغلغلة في يومياتنا، وفي ممارساتنا، هي ديموقراطية "ناس اللي فوق" (بالاذن من نعمان عاشور)، ديموقراطية المستبدين التي بنت أوطاننا وسجوننا وحياتنا وزواجنا وجنازاتنا ومصانعنا ومصارفنا... وهزائمنا الشاملة. وهي الأضمن لنا والأسلم... وهي التي نعرفها عن كثب، فلماذا، اذاً نختار تلك التي نجهلها، ويجهلها سواد الناس والتواريخ والواقع.
بين ديموقراطيتين كأنما بين مدينتين: واحدة مصنوعة من ورق الورد وأصابع الاطفال هي المدينة المثالية، غير الموجودة وأخرى مصنوعة من الوحل والقمع والشر والقتل لكنها موجودة... وعندها لا بدّ من ان نكون واقعيين حتى الموت... ونختار الثانية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.