رحل صباح أمس سلام الراسي، حكواتي الحكواتيين، بل الحكواتي من الصنف الشعبي والأنيق معاً، جامع التذكارات والقصص، وملامح من حضارة للريف وسواه تنقرض أو في سبيلها الى الإنقراض، إزاء الهجرات، والأمكنة المتحولة، والحروب، والتبدلات.
سلام الراسي التسعيني (مواليد 1911)، الجنوبي النكهة، الجبلي السمات، المديني الصوغ، كأنما نحلة تدور على الأطايب، والحقول، تمتص من رحيق ما يروى، وما يتلى، من الشفاه، من نوادر، وطرائف، وحكايات وأمثال، وتجعل منها عسلاً للذاكرة، وذخراً للأجيال المقبلة. كأنما همّ الراسي في عوداته الى المخزون الشعبي والتاريخي المتداول وغير المتداول، الدفاع عن موروث يختفي، والحفاظ على أدب من نوع آخر. أدب هو مزيج من التلاوة الشفوية والصوغ المكتوب، مزيج من النضارة العفوية والتسجيل الحي. إنه العطاء العمومي المتراكم، المجهول أحياناً كثيرة، يتحول مع الراسي الى خاص مبتكر. إنها دمغة الإبداع الطالع من نص بلا تاريخ ولا كاتب ولا مؤلف، إنها العبقرية الشعبية تختزل في كتابة فردية.
رحل سلام الراسي، ووراءه أدغال وحدائق وأعراف، من حضارة تُنسى كلّما نسي ناسها ذواتهم. حضارة، تترنّح أمام زحف "التطور" والآلة والأسطورة "الجديدة"...
سلام الراسي أبقى لنا الأسطورة الأخرى التي، لولاه، ولولا قلة معه كأنيس فريحة مثلاً لصارت كلها في ذمة النسيان.
رحل سلام الراسي، لكنه انتصر بذاكرة الأمكنة والناس.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.