8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الدرس

فجأة اختفت التظاهرات الحاشدة من الساحات والميادين العربية، تماماً كما "اختفى" فجأة النظام العراقي. وفجأة اختفت "الأنظمة العربية" (أو معظمها) بمعارضاتها وامتداداتها وأحزابها ونقاباتها وطلابها وشيبها وشبانها... وشاباتها!
سقطت بغداد من دون مقدمات، ولا تتمات، ولا تأويلات، ولا تفسيرات، (بالنسبة الى الناس على الأقل)، وقعت في أيدي الغزاة الأميركيين كتينة أسقطها نضوجها! بصمت، وتواطؤ، وريبة، ولا أحد يعرف كيف. هكذا زلق كلّ شيء في هاوية سحيقة معتمة.
وتساءلنا وتساءل الناس: كيف؟ لماذا؟ أين "بغداد غراد"، أين الحرس الجمهوري! أين ملايين المسلمين؟ أين الطائرات، الصواريخ، الدبابات، فدائيو صدام، جيش صدام؟.
لكن في الوقت نفسه تساءلنا وتساءل الناس: لكن أين الجماهير: أين مئات الألوف من المتظاهرين والاحتجاجيين و"المناضلين" العرب من القاهرة الى بيروت، الى بعض بلدان الخليج، الى المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا؟ من أخذهم؟ من نشلهم من الساح وأين خبئوا؟
شيء محير ومرعب: القرار واحد؟ تسليم بغداد وصمت الجماهير العربية؟ أو الأحرى "السكتة الدماغية" التي أصابت المقاومة في بلاد الرافدين أصابت أيضاً الجموع العربية من الرمل الى الرمل، ومن الصحراء الى الصحراء ومن الماء الى الماء.
شيء غريب ولافت: فجأة "انتقل" زعماء التحركات والتظاهرات من ممثلي الاتجاهات الموالية والمعارضة، من الشوارع الحية، النابضة، وحرم الجامعات، الى الشاشة التلفزيونية، فكأنها حلت بديلاً من الناس. وربما رأى هؤلاء انهم بوجودهم في الشاشات الفضية يمكن ان يفهمهم الجمهور أكثر، بل إن الجمهور انتقل من أمام الكاميرات الى ورائها، لا ليلعب دور المخرج، بل ليتمتع بدور "المتفرج". لكن المفارقة الكبرى لا تمكن في "اختفاء" الجماهير العربية عن "الساح" والعثور على قياداتها في التلفزيونات، بل باستمرار التظاهرات الغربية بقوة، وبعد سقوط بغداد، في العديد من البلدان الأوروبية والأميركية والآسيوية".
أصحاب القضية "تبدّدوا" و"افرنقعوا"، و"الغرباء" ما زالوا يصرون على الاحتجاج ومطالبة الاحتلال الأميركي بالانسحاب من العراق. شيء رائع؟ غريب؟ ومثير؟ ومشرف! (أين صراع الحضارات؟).
لكن كيف نفسر ما أصاب الجمهور (هل هو اختفى ام تمّ اخفاؤه؟) أهو التعب؟ اليأس؟ القرف؟ الاحباط؟ الخوف؟ الواقعية (الأنظمة العربية تمر بمرحلة المخاض الواقعية فأبشروا)، كل ذلك يمكن ان يكون صحيحاً. لكن الصحيح أيضاً ان تزامن صمت الشارع العربي (صمت معظمه بأمر من أنظمته إبان غزو اسرائيل لبنان ووصولها الى بيروت فلنتذكر!)، وصمت الأنظمة وصمت الاعلام، (ما عدا بعض المنابر والمحطات الاخبارية) وخرسُ الكتاب والمثقفين العرب، هو الذي يثير أكثر من علامة استفهام.
مِن هذه العلامات الاستفهامية: هل يمكن ان نستنتج او نفترض ان المسيرات العربية التي تحركت في أوقات متزامنة في عدد من المدن العربية، كانت تسيرها أجهزة هذه الأنظمة، والدليل تصدّر رموز بعض تلك الأنظمة التظاهرات الكبرى؟ ثم، سحب "الفيش" فتوقفت بانتظام وطاعة نادرين؟.
هل ان بعض الأنظمة العربية (حتى التي لعبت دوراً مزدوجاً) التي كانت تعرف سلفاً، وإلى حد ما، ما ستؤول إليه الامور في العراق، فلم يكن امامها حماية لوجودها وإنقاذاً لماء الوجه(!) وتنفيساً للجماهير وافتعالاً لمواقف تنسجم مع تطلعات الجماهير نفسها، سوى ان تركب هذه التظاهرات لرفع العتب وغسل أيديها "من دم هذا الصديق"؟.
أم ان الأحزاب والنقابات والتجمعات السياسية والايديولوجية والطائفية والدينية، عرضت عضلاتها أمام الأنظمة، ومع الجموع، لتطلعات لا تتصل بالحرب على العراق إلا كذريعة، لتخفي ربما ضعفها الفكري والجماهيري وخضوعها لاغراءات أهل السلطة؟ فاستنفدت "احتياطها" الضئيل وعادت الى أحجامها وسكوتها؟ وإلى ارتباطاتها، وإلى قواعدها "الوهمية"، وارتهاناتها وعقمها وتصحر أفكارها!
أوَليْسَ علينا ان نتذكر ما حدث في لبنان: أرض الجزر الأمنية المفقودة، والبقعة الخصبة لكل الاحتجاجات، حيث استنهضت بعض "القوى" الديموقراطية (!) والقومية (؟) والتغييرية (!!) والليبرالية (...) والطائفية والدينية في كرنفالات جماعية مفرزة ومنفصلة (بحكم الانتماءات والمواقع "الكبرى")، لم تخل من اشتباكات مع قوى السلطة (!)، ثم... وبعد سقوط بغداد... عادت كلها الى أوكارها، وغرفها السرية، وسباتها العميق. ماذا يعني كل ذلك؟ ان حالة التواطؤ تكاد تكون شاملة، وإن حالة الأحزاب والقوى المتواطئة تنم عن شيخوختها وبلادتها وارتهاناتها وبرج عاجيتها وبعدها عن الجمهور، حتى يمكن القول انها صارت قوى "لا زمنية" فقدت اتصالها بالحاضر وبالزمن، وعلاقتها بالناس؟، قوى نظرية وما عادت تؤكد وجودها الغائب إلا عبر وجودها في السلطة (أو الأحرى عبر فرضها في السلطة وفي الحكومات).
وأكبر دليل على "انقراض" هذه القوى" (وانقراض امنائها العامين وموظفيها) ومساجلاتها وحيوياتها وطاقاتها هو انعدام الاختلاف في الأفكار والايديولوجيا وبرامج العمل والمؤتمرات والشعارات. (ذهبت أفكارهم واستمروا هم!)، بين كل هذه الأحزاب والحركات؟ وتحاول ان تبحث بالمجهر عمّا يميز هذا الحزب اليساري عن ذاك الحزب الطائفي عن ذاك الحزب اليميني أو الليبرالي... وتكاد لا تجد شيئاً... يذكر!
على هذا الأساس يمكن القول ان أحزاب السلطة في الوطن العربي ما زالت "محتفظة" بجماهيرها الرسمية (ولو الى يوم الحشر والقيامة الآن وغداً)، من كادرات "مدربة" وتلامذة ومدارس وطلاب وموظفين وحزبيين بالولادة وعسكر وعائلات وقبائل تحرّكهم في أيام الشدة... وفي المناسبات التاريخية والحروب والاستفتاءات أيضاً! ثم تسحبهم بعد تأديتهم واجبهم القومي والوطني. كما جرى قبل سقوط بغداد وبعده. لكن حتى هذه الجماهير "المليونية" (في السجلات الرسمية) جماهير نظرية أيضاً، عابرة، هشة. أوليس هذا ما لمسناه في جماهير النظام العراقي السابق من حزبيين "ملتزمين" وعشائر وقبائل وعائلات (تبخرت قبل تبخر النظام).
ما نريد أن نقوله ان التظاهر وجهٌ من وجوه الفعل السياسي الحر والمكتمل وشكل من أشكال الديموقراطية، وامتداد وتراكم لممارسات نقابية وحزبية واجتماعية، تشكل تكاملاً في توجه الأنظمة الديموقراطية، وهذا يعني ان لا معنى أساسياً لتظاهرات "عفوية" او أخرى "تطلق بالزر"، اذا لم تكن استمرارية معمقة لحرية العمل السياسي ككلّ.
فهل يكفي "تمرير" تظاهرة لنبرهن ان وضعنا الديموقراطي سليم ومعافى وموفور الكرامة؟ وهذه هي النقطة الحمراء في هذا السجّل: ان الجماهير "المصادَرة"، (بالقمع والاستبداد)، هي التي تتصدّر واجهة الأحداث لتبرير الأنظمة أو لتنفيذ مناوراتها... وهذه الجماهير الممنوعة من حق التعبير والتعدد هي التي عليها في "وقت الضيق"، ان تتحمل أعباء "تبرئة" المسؤولين الرسميين من اخطائهم وخطاياهم... وتشهد على ديموقراطيتهم.
ولهذا أنت صرت تخاف أحياناً من هذه الجماهير بقدر ما تخاف عليها. فهي المهزومة (ولو انتصرت) في معارك الأنظمة، وفي سياساتها.
كيف يمكن لمجتمعات غير حرّة أن تنتج تحركات حرة؟ هذا هو السؤال الذي يجعلنا نعرف لماذا توقفت تظاهراتنا فجأة، ولماذا تستمر هذه التظاهرات (تنديداً بالاحتلال الأميركي) في شوارع الغرب ومدنه وأزقته.
إنه الدرس الذي لن ينسى.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00