لم تحدث حروب دينية في الولايات المتحدة الأميركية على غرار ما حدث في أوروبا، لا بين الكاثوليك (الاقلية) والبروتستانت (الأكثرية)، ولا بين الكاثوليك والكاثوليك، ولا بين البروتستانت والبروتستانت.
وربما هذا يدل على ان الشعب الأميركي "مؤمن" و(كذلك النظام الرأسمالي)، وورع وتقي.
وليتكوّن بذلك مجتمع مدني ذو خلفية دينية، او مجتمع ديني وراءه خلفية مدنية، ولكن لا نعرف الآن ماذا تبقى من هذا المجتمع المدني في ظل طغيان عنصرية دينية تتمثل في بروتستانتية متجددة على التعصب، والتزمّت، والشعور بالتفوق، ومذابة في "يهودية"، تشكل السند الأول للصهيونية ولاسرائيل، بحيث يمكن القول إن "المسيحية" الأميركية ذُوبت في "توراتية" مؤدلجة، تحاول ان تستعيد أمجاد "المانوية"، وحروب الثنائيات... لخدمة اسرائيل ووجودها وتطورها وتفوقها.
هذه الظواهر في عمقها سياسية، وواجهتها او ذريعتها او سلاحها نظرية "صراع الحضارات"... هذه البدعة ليست جديدة وانما مستعادة من جُعب الاستعمار القديم، ومن ملفاته، ومن خططه واستراتيجيته، والحروب التي رسمها، تحت شعار تقسيم المجتمعات المستعمرة تقسيماً "اثنياً" دينياً او طائفياً او قبلياً. هذا ما فعله الانكليز في الهند وفي افريقيا وفي العراق نفسه بعد سقوط الامبراطورية العثمانية، وهذا ما فعله الفرنسيون والاسبان...
ولن نردد ان الولايات المتحدة قد عيّنت "الاسلام" عدواً لها بديلاً من السوفيات بعد نهاية الحرب الباردة. لكن هذا التعيين ليس نهائياً، بل يندرج ضمن لوائح "حضارية" وايديولوجية مفتوحة. وكل دولة او جهة او نظام، مرشحة لأن تُسجل في لائحة محور الشر، لتصاغ حولها "أساطير" الجن، والإرهاب، واقتناء الأسلحة الممنوعة وانتهاك حقوق الانسان.
هذه الوجهة الحضارية ذات الخلفية الاستعمارية ترى المجتمعات المتعددة على خرائط مقسومة مقطعة مجزأة تجزئة دينية وطائفية وعرقية. وعليه تحويل كل مجتمع تحت المجهر الاستعماري قطعاً فسيفسائية مركبة وملصقة تنزع منها وشائج التواريخ والصراعات الفكرية والانجازات الانسانية والسياسية. أي نزع الصفات الجدلية عن ناس هذه المجتمعات وتحويلها اصداء لنداءات ماضوية غريزية وقبلية واثنية ودينية احادية.
فالعالم كما يراه أصحاب نظرية "صراع الحضارات" مجرد كتل تاريخية مغلقة، جامدة، تتحرك ضمن مطلقات وكليات، ضمن منطق القطيع الأعمى، وخارج حرية الفرد ووعيه واختياره.
أوليس هذا ما حصل في لبنان في القرن التاسع عشر (1860)، وفي 1958 و1975 من القرن الماضي، عبر حروب "طائفية" ومذابح.
ونظن ان بعضهم أراد وقرر ان يُصوّر ما جرى في لبنان ومنذ نهاية الستينات وحتى التسعينات، وكأنه صراع حضارات "مصغر": 1 ـ بين الاسلام والمسيحية، 2 ـ بين الاسلام والاسلام، 3 ـ بين المسيحية والمسيحية، 4 ـ بين المذهب والمذهب، 5 ـ بين القبيلة والقبيلة والعائلة والعائلة، 6 ـ والمنطقة والمنطقة.
وكأن الأديان السماوية (التوحيدية) التي لا تشكل في جوهرها اختلافاً لا في دعاواها ولا في تعاليمها، يمكن ان تكوّن "تعددية" ما، تختلف عن "التعددية" الحقيقية المتمثلة بالصراعات والنزاعات والميول الفكرية والاجتماعية والسياسية، ولهذا حلّ الصراع الطائفي ثم المذهبي (بقوة المذابح والقتل والإعدام على الهوية والتهجير...)، محل الصراع الفكري والايديولوجي: يمين، يسار، ليبرالية، ديموقراطية، رجعية، تقدمية (وكلها اختفت من قاموسنا السياسي) اي تحويل الانسان من كائن يفكر (عقلاني) الى كائن (غريزي)، ومن كائن سياسي الى كائن طائفي، غيبي، موصد العقل والإرادة...
هذه التجربة كلفت اللبنانيين مئات ألوف الجرحى والقتلى والمهجرين وأشكال التقسيم التي ما زالت قائمة (تفريع الجامعة اللبنانية تفريعاً طائفياً مثلاً).. لكن النموذج اللبناني يمكن أن يطبق في أمكنة أخرى، ضمن منطق صراع الحضارات هذا..
الأميركيون حاملو راية هذا "الصراع" كنموذج (استعماري) متجدد نظن أنهم يستعيدون حالياً كل تواريخ الحروب الدينية والطائفية، وهم يفلشون خريطة العراق، ويزرعونها بالبيادق الأثنية (التركمان والأكراد)، والطائفية (الشيعة والسنة وبعض الأقليات كالكلدان والأشوريين)، والخريطة الواحدة تصبح بين أصابعهم وتحت مشارطهم خرائط، يقصقصونها، وهم يعلمون أنهم يقصقصون لحم الشعب العراقي وترابه وتاريخه وثوراته وثقافته، وحضارته.
إنهم يختزلون الشعب العراقي في خطوط "عنصرية" تماماً كما اختزل الذين "صنعوا" الحرب في لبنان (من قوى بلدية وعربية وأجنبية وإسرائيل)، الشعب اللبناني وحوّل تنوعه الفكري والايديولوجي والسياسي في السبعينات (وما قبلها) الى تنوع حضاري بين الطوائف "المستكرمة" (وكأنهم لا يعرفون أن التنوع "الحضاري" بين الطوائف هو مجرد أحادية لظواهر وكتل مماثلة متشابهة).
لبننة العراق، وبحسب المنظور الأميركي (حامل "الله" في خططه وفي جيوبه وفي أطماعه)، يعني تهديد وحدة العراق، لأن هذه "الوحدة" ضمن "صراع الحضارات" "وهمية" وأن صراع الأفكار وهمي، وأن العراقي هو كائن مذهبي فحسب! وعليه، فإن أي نسيج اجتماعي تاريخي في ذلك البلد العريق، نسيج واهٍ، وأن أي التمام جغرافي أو إنساني أو اجتماعي غير واقعي، فالعراق يبدأ اليوم مع الأميركان من نقطة ما قبل الصفر: العراق، الدين، المذهب، تحويل هذه المعطيات والجواهر أدوات صدام وتناكر، وتنافر. من هنا، وبحسب التمني الأميركي، يمكن "بسهولة" وضع هذا العراق تحت بركان من الحروب الاثنية والمذهبية، أي كل ما يجعل احتمالات هذه الحروب (المفتعلة) حروباً "حضارية" بامتياز: لا وطنية، لا قومية، لا إنسانية، لا أفكار، ولا حتى سياسة، حروباً تغلف نوازع تفتيتية، وأحقاداً، وغرائز، وتخلفاً، وأصوليات وتعصباً. وكل ذلك مطلوب أن يستثار بالنسبة الى أميركا، ومطلوب قبل كل شيء وضع كل "طرف" (عدو) في مواجهة الطرف الآخر: قاتلاً أم مقتولاً! بل وسيتم إسقاط صفة "العراقي" عن المواطنية نفسها فيختزل بـ"الشيعي" أو "السني"، أو الكردي... أو الأشوري.. أو الكلداني. وتتحول الخصوصية الإبداعية الطالعة من جوهر العلاقات التاريخية، الى مجموعة عموميات "عنصرية". أو بالأحرى الى قطعان "عنصرية" مدموغة. وهكذا يتحول المجتمع العراقي مجتمعات مفصولة، منصولة، معروقة، تتنابك، و"تتكارث"، وتتذابح تحت يافطة "هويات" وهمية قاتلة من صنع الاستعمار الجديد وعندها تصبح الفدرالية "خلاصاً"، وحدود فصل، وفض نزاع بين هذه "الشعوب" العراقية، بل ويمكن أن تنسحب هذه الفدرالية السياسية الى فدرالية تاريخية، تصيب العراق في حضارته الألفية. (أوليس هذا ما يفسّر تنظيم الاحتلال الأميركي عمليات تدمير المتاحف والمكتبات وسلبها وإحراقها).
فذاكرة الماضي على أيدي الأميركان تصنع الآن. والتاريخ العراقي يفبرك الآن، ليختزل ببعض ممثلي العشائر والقبائل والطوائف (عودة الى نظام العشيرة!)، فتنتفي تاريخية بلاد الرافدين.
إنه نموذج "الديمقراطية الفدرالية"، ديموقراطية الكتل التاريخية الصماء، ديموقراطية عنصرية تكون قناعاً لتقسيم عميق، ومديد، ومزمن. وأداة لإلغاء العراق، كبلد ينتمي الى نفسه والى جوار وتاريخ وحضارة... لإلغاء العراق، كبلد عربي (المذهبية تنفي الانتماء القومي)، له انتسابه التاريخي العميق. (العرقية تنفي الوطن ككل). فهل هي بداية ما يخطط له الأميركان من "حروب أهلية" لتمرير مشاريع الفدرالية التقسيمية؟
هل هي بداية صهينة العراق، أو بالأحرى النموذج الأميركي لصهينة العراق، وتصديره الى حيث تقرر الامبراطورية تصديره؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.