كيف تغلغلت فكرة "التبعية" في خلايا رؤوسنا، وعروقنا وحواسنا وفي وعينا ولاوعينا الفرديين والجماعيين فبتنا مبرمجين في تضاعيف هذه الفكرة وتفاصيلها خاضعين لآلياتها، وسطوتها؟ بل كأنّ التبعية صارت من عاداتنا وتقاليدنا وطقوسنا وأعيادنا نبرد اذا لم نستدفئها ونخاف اذا لم نلجأ إليها، ونعتزل اذا لم نتحد بها. هل هي مرض نفسي، أو ذهني، أو عاهة صار من الصعب التخلص منها.
منذ أكثر من 30 سنة (وربما قبل) لم نعرف سوى التبعية: السياسية، الاقتصادية، الايديولوجية الفكرية... نحارب من أجل بقائها، وننتصر لنصرتها، ونستشهد من أجل ديمومتها...
هناك أجيال لم تعرف للأسف ما هو الاستقلال إلاّ في عيده السنوي فتظنه استعراضاً أو فرجة أو زائراً سنوياً، لا يلبث أن يطوي حقائبه ويرحل.
هذه الأجيال التي ولدت قبيل الحرب أو اثناءها أو بعدها، لا يعرف الكثير منها (لأنه لم يجربه) معنى أن تكون مستقلاً. فيخلط بين "امتيازات" الطائفة ومعنى الحرية، وبين الانتماء إلى العشيرة والانتماء إلى الاستقلال، وبين أمجاد "العائلة" ومصير الناس.
وخلنا، أن هذه الظاهرة قد تكون خَفّت بفعل بروز تناقضات اجتماعية وسياسية واقتصادية حادة، لكن عندما هجم "التتار" الأميركي على العراق، ورصدنا ردود الفعل والمواقف، اكتشفنا أن فكرة التبعية تضخمت أكثر، وتورمت في رؤوس كثيرة تنتمي إلى أجيال الحرب وأجيال عديدة أخرى.
وخلنا، أن بعض هذه الأجيال التي تخرجت من بوابات ومتاريس الميليشيات التي لم تكن سوى "قوى" تابعة لدكتاتوريات تزودها المال والسلاح، قد خرجت من تلك العقليات المرتهنة، إلى مفاهيم وأفكار تتجاوز فكرة مباراة كرة القدم، ومعارك الزواريب إلى ما هو أرحب وأعمق.
لكن اكتشفنا ان هذه العقول "المطمئنة" والباحثة عن انتصارات وهمية، وجدت ضالتها في غزو مغول القرن على بلاد الرافدين، باسم ماذا؟ طبعاً باسم الشعارات الاستعمارية المعروفة في التاريخ: الديموقراطية لمحبي الديموقراطية، والاطمئنان لمحبي الأمن والبحبوبة لمحبي الازدهار.
فالمسألة في عمقها ليست مرتبطة بغزو العراق فقط بل بالذهنية "الاحتفالية" المظفرة التي نواجه بها هزيمتنا.
أإلى هذه الدرجة علينا التوغل في مسافة الخضوع والقبول، لنفوز بالسلامة والهدوء ولو على حساب الحرية؟ أإلى هذه الدرجة علينا اسقاط حسابات "التبعية" من أفكارنا، لنعانق كل من يطرق أبوابنا غازياً، ونفرش له الورود والسجاد لمجرد أن البلد الذي يتعرض للغزو يحكمه دكتاتور أو فاسد؟ إذاً فلتقدم أميركا لائحة بالأنظمة الدكتاتورية وتبرمج حروبها عليها... وقد تتجاوز الخمسين في العالم وما تعجز عنه يساعدها عليه شارون: رمز الديموقراطية "الغربية" في المنطقة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.