الاستعمار لم يذهب لكي يعود. والذين يتكلمون على مرحلة ما بعد الاستعمار، لا سيما عندنا، يعتبرون أن الشعوب الصغيرة، قد نالت فعلاً استقلالها، ومارسته، وسقطت في الامتحان. كانوا واهمين حتى ولو افترضنا أن بعض هذه الدول تنعّم فعلاً بهذه "الهبة"، أو "الإنجاز" فإن الفترة الزمنية التي تحرك فيها الاستقلال والاستقلاليون لا تتعدى عشرات السنوات، وهي فترة لا تكفي حتى لتصفية ذيول أشكال متعددة من استعمار دام قروناً، في بلدان لم تسلم في هذه الفترات الانتقالية من حروب داخلية ونزاعات، لا يستبعد عنها أصابع الدول الكبرى.
فالاستقلال لا يصنعه الاستعمار، وهو لا يتأسس على مجرد رد فعل على الاستعمار. إنه يصنع ثقافته الخاصة، وتربيته الخاصة ومناهجه الخاصة، وعسكره الخاص وسلطته ونظامه ودولته الخاصة. كل نظام يشبه "استقلاله"، وكل استقلال يشبه نظامه. وما يترامى أمامنا، اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على انتهاء المرحلة الانتدابية (الاستقلالية) أننا قد لا نجد غير التسلط، والتبعية، ومصادرة القرارات الوطنية، واختزال الشعوب، وتفكك المجتمعات المدنية بالعسكريتاريات المقنعة أو السافرة، وبالطائفيات المتغلغة في نسيج مجتمعاتنا، والتي نخشى أن تكون مشاريع حروب داخلية لا تبقي ولا تذر.
حتى عندما كانت هذه الأمة (أو الأمم) هذا الشعب العربي (أو الشعوب)، في مراحل النضال من أجل نيل الاستقلال، ما كانت هذه المراحل سوى حمل الموروثات الخاصة المحلية والتاريخية والدينية والحضارية، وحمل موروثات "المستعمرين" أنفسهم الثقافية ومزجها في صوغ نهضوي متجدد، لتشكل مادة التحرر نفسه، وأشكال الفكر والابداع التي تجاوزت، برحابتها، الثأر من "الآخر" المتمثل بالمستعمر، وإنكار ثقافته.
هذه الخصوصية الثقافية القومية والايديولوجية والدينية (وحتى الطائفية) كانت ترى في التحرر، سبيلاً الى تحرير نفسها، كانت تعيش في الواقع مرحلة خروج: الخروج على الثقافة الماضوية الجامدة والتزام التجديد المرتبط بخصوصية ابداعية لا بخصوصية هويات مغلقة؛ والخروج على ثقافة المستعمر نفسه الذي زرع في النفوس وفي النصوص ما يبرر (ويمجد) وجوده، وما يمكن أن يكون بذور صراعات داخلية؛ والخروج على القبليات والعشائريات والطائفيات، الى أنظمة جمهورية أو غير جمهورية، عادلة، ذات مضامين وخلفيات مركبة، ومعاصرة، وحية.
كانت مرحلة حلم الخروج من ثقافة المستعمر المغلفة بذاتية مموهة ومشوهة، وكذلك من سلطانه. فلنقل، إنها مرحلة دحرجة أو تحطيم "التماثيل" الألفية التي نصبها أهل الاستعمار فينا، وتجاوز فكرة العبيد والأسياد.
كانت إذاً مغادرة لأثقال ومحمولات الانحطاط والخنوع الى حلم صناعة حاضر، ومستقبل وتواريخ.
لكن مرحلة الخروج (على الاستعمار وثقافته) لم تدم طويلاً. حتى مرحلة الخروج الفردية والجماعية في اتجاه الابداع والحرية لم تدم أيضاً طويلاً.
فأنظمة الاستقلال حولت تبعية "شعوبها" للمستعمر، الى تبعية لسلطتها. أي نقلت شعوبها من خراف يذبحها المنتدب الى خراف تذبحها هي. وكان أول ما فعلته إفراغ "ثقافة" الخروج أي الابداع نفسه، بمؤشراته الايديولوجية والسياسية والفكرية والأدبية والدينية، من مضامينها وخلفياتها، وآلياتها، وإعادة كل احتمالات التفجر، والتجاوز، والفرادة، والفردية، الى قمقمها السابق، والنظر اليها كموبقات، ومحظورات. فالحرية صارت شعار الأنظمة القمعية (!) والعدالة والمساواة من شعائر الفساد واللا توازن الاجتماعي (!) والوحدة العربية صارت نجمة الانفصاليين والقطريين، والديموقراطية صارت كلام الاستبداديين يردد في مناسبات الهزائم "المظفرة" (بإذنه تعالى)، ووئدت من خلال ذلك، كل المحاولات لتعزيز حياة سياسية وحزبية ونقابية منخرطة في التزام الناس، توفر توازناً في عناصر المجتمع المدني. أنظمة الاستقلال صارت هياكل مغلقة على ذواتها، منفصلة عن طبقات الناس والبنى الحية، وما كان عليها، لكي تحمي نفسها، (إضافة الى عسكرها الخاص المعطل) سوى أن تحتمي من جديد بأنظمة الحماية أي العودة (بعد الخروج) الى الدخول في التبعية الاستعمارية. وانتقلنا (تراجعاً) هذه المرة، من وجهة نحو التحرر (أسس لها قرابة 200 عام)، الى وجهة الحماية. وهذه الأنظمة التي حولت جماهيرها قطعان مواشٍ، تفكر عنها، وتحكي بلسانها، وتضطهدها إن عصت أو أطاعت، وتسرقها، وتنهبها، وتزور استفتاءاتها وانتخاباتها وإرادتها، ساعدت على ما يمكن أن نسميه "موت ثقافة الحرية والتحرر"، والرجوع الى تلك النقاط الهلامية العدمية التي يعبر عنها خير تعبير، بتهاوي أفكار تلك المراحل السابقة فجة وقاسية، وبنهوض الأصولية والطائفية والعشيرية التي تعيش عندنا مراحلها الذهبية، والتي، عندما تحشر هذه الأنظمة، ترفع راياتها الإيمانية والجهادية.
دخول قوى التحالف العراق، في حرب سماها بعض الأميركيين "الحرب العالمية الرابعة" (بعد الأولى والثانية، والحرب الباردة)، الى قلب بغداد، وسقوط النظام، وشحن المعارضة من الخارج لتكون بديلاً يصنع الحرية والازدهار (الاستعمار لا يصنع لا الحرية ولا الديموقراطية)، والبحبوحة، هي النقطة المفصلية التي تشير بوضوح الى رجوعنا الذليل الى نظام الحماية. فالوضع العراقي، مع الغزاة وعملائهم (بتوع الرولكس وأحمد الجلبي، ومكية....) لن ينتج سوى تبعية استعمارية متجددة. ومن المؤسف أن هذه "التبعية" المصدرة والمنتوجة في مطابخ المخابرات الأميركية، سبق أن عززتها، تبعيات بعض الأنظمة العربية التي تواطأت (عجزاً بالطبع) مع العدو، مستسلمة لإرادته ومحفرة بعمق سبل التبعية الجديدة لحماية وجودها الهش، وسلطتها المستعارة.
يقول مدير المخابرات الأميركية "AIC" السابق جيمس وولسي في مقال نشر له في "لوموند" منذ عدة أيام: "باستثناء إسرائيل وتركيا، ليس هناك أي ديموقراطية في الشرق الأوسط (...)"، و"ليبيا والعراق وسوريا والسودان وإيرن تمول الإرهاب وتدعمه (...)"، و"من الواضح أن الحرب الإرهابية لن تزول إطلاقاً ما دمنا لم نغير وجه الشرق الأوسط كله".
هذا الكلام يفسر أن احتلال العراق هو إنذار لكل هذه المنطقة، بأنها لم تعد صالحة لخدمة الاستعمار المستفرد أميركا، لا لأنها لم تقدم اليه الخدمات الجلى على حساب قضاياها وشعوبها، بل لأن ثقافتها (أي ثقافة المستعمر الهجينة والخاصة) صارت تشكل خطراً على هذا الاستعمار الجديد.
اذاً فالولايات المتحدة الأميركية التي تقاسمت كعكة الحروب العالمية الأولى والثانية والباردة مع الحلفاء، تريد الآن أن تستأثر بها وحدها. ولكي يتم هذا الاستئثار، تسعى الى إزالة الثقافة القديمة، والحضارة القديمة، والموروثات القديمة، برسم ثقافة أميركية جديدة تطول الى كل شيء: التربية، التعليم (وحتى الرياضة)، والدين (وربما حتى الكتب الدينية)، والعلاقات الاجتماعية.... كل ذلك لتكتمل لعبة العودة الى أنظمة الحماية بعدما صارت "استقلالاتنا" خلفنا.. جثثاً أو تماثيل تساقطت قبل نضوج التين والعنب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.