8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كسور

لطالما حلمنا بأن لا تحدث هذه الحرب، ولا حرب الخليج الأولى والثانية، ولطالما حلمنا بأن يتغير النظام العراقي وكل الأنظمة العربية التي تشبهه مضموناً وشكلاً، عن طريق الجماهير والأحزاب والنقابات والقوى الحية المتعددة.
وكم حلمنا بديموقراطية عربية (أو ديموقراطيات) تؤسس لأنظمة ديموقراطية، (الديموقراطية هي التي تضع النظام الديموقراطي وليس العكس)، ولمجتمعات مدنية، ولدولة تختزل كل هذه الظواهر والمؤسسات وتبني آلياتها ارتباطاً بالقيم الكبرى والعدالة والتنمية ولا سيما القيم الانسانية والأخص الفردية.
هكذا حلمنا، وكانت أحلامُنا كبيرة، تسبقنا إلى الغد والمستقبل كشموس مضيئة وعالية. كشموس مثالية، لا تتكرر.
كنّا كائنات حلمية في واقع يزداد قسوة، وضيقاً، وعنفاً، وعسفاً، فطوينا الكثير من أحلامنا ورضينا بالقليل. وظللنا مع هذا كائنات حلمية، لم تعد تتعدى احلامها، مع الهزائم والنكسات والتصحر الفكري والابداعي، مدينة مفتوحة، أو شارعاً قائماً، أو مقهى على رصيف، أو جريدة نقلبها صباحاً مع فنجان القهوة، أو كتاباً نقرأه ولا نختاره دائماً.
من أحلام تتسع لفضاءات إلى أحلام تزلق من بين الأصابع والعيون والشفاه، فإلى حالات "اللاحلم" لنكف عن أن تكون تلك الكائنات "الحلمية" ذات المخيلات العالية، والمشاعر الشاهقة، وأشكال القلق الحي. كائنات فحسب، تدب في الشارع دبيب نمال فقدت وجهتها، عارية من كل ما صنع "تاريخها"، وحياتها مجردة من أمكنتها وأزمنتها، غريبة، مستلبة تشبه ما يدور حولها، من جنون ويأس وعقم ومشاغل.
وهكذا كأنما لم نعُد نشبه مدننا، ولا مدننا تشبهنا. واذا اقتربنا منها أحياناً اقتراب من يريد أن يتفقد شيئاً غالياً ينقرض، اكتشفنا، إن هذه المدن والشوارع والأبنية والدور والأرصفة صارت تشبه حكامنا.
ومن قال إن مدننا ما زالت مرايانا. إنها مرايا لأزمنة أخرى. وأمكنة أخرى. ووجوه أخرى.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00