المثقف العربي يحصد الآن ما زرعه أو ما زُرع فيه على امتداد عقود. ففي العصر الايديولوجي، كان عليه أن يختار مثلاً خانة الديموقراطية والحرية والتغيير و"التاريخ" وهو ينخرط في أحزاب توتاليتارية دكتاتورية، فعلت كل شيء لتقضي على مجرد الحلم "بالتفكير" الحر، وكان رمزها الرفيق ستالين أو "الأخ الأكبر" بحسب أورويل.
وكان عليه أن يختار الفكر المحافظ، أو الليبرالي، وهو ينخرط في أحزاب فاشية، مهترئة، تحيل بشكل أو بآخر على ما كان يسمى بالامبريالية أو الاستعمار القديم.
وكان عليه، أن يكون وطنياً، مخلصاً لمفهوم الدولة، وهو ينخرط في لعبة الأنظمة والبلاطات فتستوعبه، أو تهلكه.
وكان عليه أن يكون على "الهامش"، لينظر إليه باعتباره "لامنتمياً" أو "عدمياً" أو طفيلياً أو انهزامياً...
اليوم، وبعد كل الهزائم الفكرية والسياسية والايديولوجية يجد المثقف نفسه في الدوامة ذاتها: أن ينحاز إلى الشعب العراقي ليتهم بأنه مع صدام. أو ينحاز إلى الأميركان ليتهم بأنه مع العدو.
هذه التبسيطية في الاختيار "القسري" لا بد من أن تؤدي إلى تجاوز الظروف والتواريخ وخلفيات الأشياء. أو لم نقع في "الحيص بيص" نفسه مع ياسر عرفات مثلاً، عندما كان علينا أن نختار بينه وبين شارون (لدى غزو الصهاينة لبنان) أو راهناً في الانتفاضة الثانية: فعرفات كمعظم الحكام العرب لا علاقة له بالديموقراطية. ولكن هل نحاسب عرفات وشارون يطارد الفلسطينيين في بيروت، ويرتكب المجازر في حقهم في فلسطين؟ هل كان يمكن، مثلاً، نحن كلبنانيين، أن نحارب النظام الطائفي في عز غزو اسرائيل لبنان، فيكون ذلك تبريراً لعدوانها؟
اليوم، هل يمكن، أن نفتح ملفات النظام العراقي وهي معروفة وملوثة بالدم والحروب والقمع... وأميركا تستعد لاقتحام بغداد؟ وهل يمكن، أن نصدق أميركا بأنها جاءت لتحرير العراق من الدكتاتور، ومن الارهاب، ومن أسلحة الدمار الشامل، لكي نبرر موقفنا المعادي للنظام، والمتقاطع مع امبراطورية الشر؟
أوليس علينا على الأقل إيجاد نقاط انسجام ولو قليلة في مواقفنا: الذين طلعوا من أحزاب ومنظمات يسارية وقومية رعاها في الماضي صدام بالمال والسلاح، والذين شحنوا القلوب والنفوس لمقاومة العدوان الاسرائيلي ضد الفلسطينيين واللبنانيين، (واجتثاث الكيان الصهيوني من جذوره)، هؤلاء، لماذا عليهم الآن ألا يتصرفوا كما تصرفوا في السابق (وكانوا على حق)؛ فما الذي تغيّر؟ اسرائيل تغيّرت؟ أم الدكتاتوريون؟ أم هم الذين رموا سلاحهم وأفكارهم وقناعاتهم، وتجندوا فرادى أو جماعات في المعسكر الامبراطوري تحت ستار "محاربة الدكتاتور"... وعندنا عشرات منهم! والحمدلله!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.