الحروب لا تنتج ثقافةً! الحروب تدمر الثقافة، لأنها قائمة اصلاً على منطق القطع، منطق الهاوية. فلنقل إنها تصوغ ثقافة التدمير. وتستوي مثل هذه "الثقافة" لأن "الأطراف المتحاربة" تلتقي عادة هذه الثقافة في وسط الطريق، في كفتي الفسطاطين. ويصبح القياس، من نجاح أو أخفاق، من نصر أو هزيمة، في مدى تجاوز كل فريق حدود التدمير، والابتكار فيه، واتقان فنونه، أي في ابداع وسائطه (التدمير)، وآلياته وخططه وضحاياه. وهنا يمكن الكلام على "جماليات" الخراب وقوته، على صقل الموت بأرهف الوسائل وادقها "وأشفها" وأنفذها. وهنا بالذات يزول الاختلاف بين أطراف متحف ومكتبة وبين تدمير دبابة أو اسقاط طائرة؛ وهنا أيضاً يزول الاختلاف بين قتل جندي محارب وبين ابادة شعب. تزول الفروق بين النوعيات والكميات والأجناس.
ذلك أن الحروب، كلها، تنطلق من مقولة "الحرب العادلة" لا سيما بلغة الأقوياء، لغة الامبراطورية. وكل لغة امبراطورية كانت، وستبقى لغة الحروب. أي التدمير، والنفي، والأرض المحروقة، والصدم والترويع. وحروب الامبراطورية (مهما صغرت هذه الامبراطورية) تحاول انتاج ثقافتها الخاصة. ثقافة هي من قوة تكاملها وتماسكها تشبه الهياكل الفلسفية.
وهنا بالذات، يمكن الكلام على كواليس ثقافة الحروب. وتجاوزاً لشعاراتها التاريخية "جيش تحرير" أو "انقاذ" أو ديموقراطية، أو حضارة.
وهنا يمكن الكلام أيضاً على خلفياتها، ونياتها، وما يعتمل في ظلماتها. فثقافة الحروب هي ثقافة الإلغاء، أي ثقافة الهيمنة. والهيمنة لا تأتي في سياقها الشكلي أو المجازي، بقدر ما تأتي كمقومات تبريرية لامتلاك "الآخر" بالموت وتيئيسه ونهب خيراته، وتاريخه، وانتهاك وجوده لتغتذي منه، لتقتات من هزيمته.
الحرب على العراق، لا تشذ ولا تختلف إلا في التفاصيل، وفي المظاهر والشعائر. لكن أموراً عدة نغصّت على الامبراطوريين وأتباعهم مذاقات أحلامهم السوداء. أولاً بسقوط شعار "الحرب العادلة" امام زحف ملايين المتظاهرين المسالمين، وسقوط شعار "صراع الحضارات" وسقوط تبرير الديموقراطية، وأخيراً سقوطهم في لعبة الحرب الأساسية أي القتال ووقوعهم في القتل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.