لا أعرف كيف توهم بوش أو من أوهمه ان "الجماهير" في العراق ستُهرع لاستقباله بالورود والرياحين والرز والزبيب، في وقت تتظاهر فيه "جماهير" بلاده والعالم كله ضده وضد قراراته وتجاوزاته وحروبه.
فما الذي حمل الرئيس (المشكوك في انتخابه أصلاً) على جعل شعب العراق استثناء؟ والمفارقة انه في الوقت الذي يتجاوز فيه الرئيس بوش إرادة ملايين المتظاهرين والاحتجاجيين داخل امبراطوريته، وفي المعمورة، نراه "يُعوّل" على الشعب العراقي ليرى فيه "المنقذ"، و"غودو". فأي جنون هذا، وأي خلل في التفكير والمنطق والحسابات؟
هذه الجماهير، لطالما تعامل معها الكثيرون، منذ الثورة الفرنسية، والثورة البولشفية، وامتداداً الى الحرب الباردة، من دون ان ننسى ثوراتنا العربية وخلافها، وكذلك جماهيرنا الطائفية الميمونة، بشيء من الحذر (حتى عندما كانت تُصنع الديموقراطيات الغربية وغير الغربية بها)، لا لأنها موضع حذر في ذاتها، ولكن لأنها كانت نتاجاً وجزءاً من الإيديولوجيات والأنظمة السائدة. فالجماهير اليسارية (لا سيما الرسمية) كانت تتحرك ضد "الامبريالية"، لارتباطها المباشر بالاتحاد السوفياتي. والجماهير "الحرة" تتحرك ضد "الستار الحديد" لارتباطها (عموماً) بمحاور الرأسمالية الأميركية.
أي ان الجماهير كانت تقولب بالشعارات أو بالأفكار وبالغرائز (العقلانية أحياناً) وتُسجن في معسكرات مرجعية وحزبية أو في زنزانات عقائدية ودينية وسياسية وحتى نقابية لتوظف كأدوات في الصراعات القائمة. وقلّما خرجت الجماهير على هذه التصنيفات (وإن يمكن استثناء والى حد ما ثورة أيار 1968 في فرنسا، والتي يتم تشويهها حالياً من قبل اليمين أو اليسار المرتد، وبعض التنظيمات الهامشية) وقلّما "تمردت" الجماهير على فرضيات "الوعي" الجماعية أو الأجوبة الايديولوجية الناجزة، لتتجاوز هذه الانخراط "الوبائي" الذي يحفر لها طرقاً ومسالك شقها سواها.
بمعنى آخر، أصابت الإيديولوجيات الفكرية والسياسية والطائفية وصولاً الى العشيرية (منطق العشيرة يتكرر أحياناً على مستوى أممي) ما يمكن ان نسميه "الوعي الفردي". وكان عليك إذاً إذا أردت الدخول الى "جنات" الجماهير (المقولبة) ان تتجرد من أحوالك وأفكارك وخواطرك الفردية، (الفردية خيانة بالنسبة للأحزاب الشمولية والدينية)، ومن خصوصيتك "كإنسان"، وتنضم الى "شبيهك" (نتذكر مسرحية "وحيد القرن" ليونسكو) في ذوبان جماعي يلغي الفروق والتميّز.
وهذا يعني ان السمة الأولى لهذه الجماهير هي الخضوع والقبول والالتزام والتماثل (ولو ثورية)، والأفكار التي كانت تضخ عليهم (هذا إذا كانت أفكاراً) كانت أقرب الى الفرض والتعميم من ضمن مركزيات مغلقة. وهكذا دفنت "الجماهير" كطاقات حية في أراشيف اللجان المركزية والحزبية والقرارات البيروقراطية.
في السنوات العشر الأخيرة، دُبّجت، مراثٍ "مفجعة" و"مؤثرة" بالجملة: "موت الجماهير"، "موت التاريخ"، "موت الانسان" (مع البنيوية ونتذكر غارودي)، وحديثاً "موت الرأسمالية"، رافق كل ذلك انهيارات تاريخية.
مع انهيار جدار برلين، وتداعي الاتحاد السوفياتي، وتراجع الأفكار التي صَنَعَت الزمن الايديولوجي بأحزابه ونقاباته ونجومه، وصعود نجم أميركا كقوة أحادية والموجات المتطرفة (دينية وعرقية). وخلنا ان الميادين خَلَت إلاّ من "العدم": المنصات المسرحية وحيدة بلا ديكور ولا مؤلف ولا ممثلين ولا جمهور.
خلنا ان الساحات خلت للثقافة "البديلة"، للتلفزيون والاستهلاك ومجتمع الفرجة، وشحوب الاهتمامات العمومية عند الناس، واختلاط العقائد والأحزاب وضيق الفروق بين اليمين واليسار، وتمازج العقلانية بالخرافات والغيوب والاسترخاء.
وخلنا ان الجماهير، سواء النخب منها والعامة، عُلّبت في حاجاتها الآنية اليومية، وغرقت في غيبوبة الاستهلاك والتسلية والخفة والترفيه و"البزنس"...
ولكن، كأنما كان يعتمل في السر داخل الناس (خصوصاً المجتمعات الغربية) شيء آخر غير محدد. جديد ربما لكن غير واضح. وكأنّ هذا الشيء "الهلامي" ينتظر حدثاً ما أو مناسبة لينفجر. وكان علينا ان ننتظر الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، و11 أيلول وصولاً الى تعيين العراق هدفاً للحرب، والاستعدادات لها، خارج قرارات المنظمات الدولية الرسمية، وخارج الارادات الشعبية.
ولو عدنا بالذاكرة الى بعض المحطات، لأمكننا ادراك طبيعة هذه الاعتمادات والتراكمات واسبابها: حروب البلقان العرقية، ظهور اشكال التطرف الديني (افغانستان) في مطابخ المخابرات الاميركية، وارتكاب خطيئة انتخاب بوش، واكتمال ملامح الامبراطورية الجديدة، وما صاحب ذلك من بث مقولات كصراع الحضارات، وصدامها، وحوارها، ونهاية التاريخ، وتوجيه العولمة لتكون سلاحاً اقتصادياً وثقافياً وتقنياً، في يد الامبراطورية، لا لتكون وسيلة للحوار، والاستفادة من انجازاتها، أي لتكون وسيلة "انسانية"، لا ظاهرة امبراطورية.
إذاً أطلت الامبراطورية لكن مجروحة في كبريائها بعد 11 ايلول. وكان عليها، ولكي تنقذ شرفها وهيبتها وموقعها، ان تنتقل من المرحلة الديموقراطية الى المرحلة التيوقراطية، ومن المجتمع المدني الى مجتمع معسكر وأمني وبوليسي لا يختلف كثيراً عن مجتمعات العالم الثالث، فالامبراطورية استعداداً لتنفيذ مخططاتها بتعيين "عدو افتراضي" في حرب وقائية، عسكرت عقولها "المدنية"، ومؤسساتها، ونظامها الليبرالي.
هذه الإطلالة "الانقلابية" في الداخل (تتذكرون ثوراتنا الانقلابية الميمونة)، والإطلالة العسكرية في الخارج، ووضع استراتيجية محاربة الارهاب، تحت ظل فكر مانوي ثنائي فسطاطي (محور الخير والشر) كان لها فعلها السحري في هذه الجماهير التي كان لا بد، في ظل خوفها وتهديد مصالحها وانجازاتها (في اميركا)، ان تقوم بانتفاضتها الشاملة.
ان هذه الجماهير الممتدة من آسيا الى الولايات المتحدة الى اوروبا، وافريقيا واستراليا، استعادت زمنها الضائع، فهي أولاً (وعموماً) ليست جماهير ايديولوجية، وليست يساراً، ولا يميناً، ولا هي عرقية، ولا محلية، ولا حزبية، ولا دينية، ولا علمانية، ولا عقلانية، ولا قبلية، من المحتمل ان تتضمن كثيراً من هذه العناصر، لكنها تتضمنها لتتجاوزها. اقصد ان هذه الجماهير (باستثناء بعض الظواهر طبعاً) ليست قطعاناً تحركها "اجهزة" او "قيادات" وتستغلها. فهي غير مرتهنة. انها جماهير "حرة"، وتستمد حريتها من خياراتها "الفردية" أولاً وأخيراً، (حيث كانت الفردية عند الجماهير "السابقة"خيانة)، ومن خياراتها المستقلة. ولا اظن ان هذه الجموع المليونية تظاهرت لتدافع عن صدام ونظامه، ولا اظن انها تسعى الى "مكاسب"ما، مادية او تاريخية او معنوية. فلنقل انها الجماهير التي تتحرك تحركاً "مجانياً" متطوعاً ومناضلاً من اجل الانسانية كلها. فهي لم تتحمل (أقصد أميركا) كذب حكامها، ولا "فسطاطهم"، ولا عدوانيتهم ولا مطامع "امبواطوريتهم" ولا اساليب القمع التي يمارسونها عليهم، ولا أشكال التعمية التي يفرضونها عليهم. اكتشفوا (منذ الانتفاضة الفلسطينية) ان حكامهم يختلقون الأكاذيب والافتراءات ليحتلوا العراق والمنطقة وخيراتها ويبقوا هناك. اذاً "لا نريد ان نكون أشراراً" صرخ ألوف الأميركيين. لا نريد ان نحصل على النفط بالدم، لا نريد ان نتحول الى مجتمع مقموع ولا نريد ان نقمع الآخرين.
والأهم من كل ذلك، ان هذه الجماهير، بجنونها الجميل، وبعفويتها الشفافة، كنّست بأقدامها الافكار التي بثها نظامهم وفي طليعتها "صراع الحضارات". فأين هو هذا الصراع، راحت تقول، الذي يفصل بين الشعوب فصلاً اعتسافياً عنصرياً، وكل الشعوب تتناكب، وتتواكب وتتناحر ضد المركزية الامبراطورية وتابعها بريطانيا. اي صراع هذا بين الحضارات وتحديداً بين الاسلام والمسيحية (البيضاء)، وبين الشمال والجنوب، عندما نجد ان صراعاً مميتاً نشأ بين الغرب والغرب، بين المسيحية والمسيحية، بين الاسلام والاسلام، بين أوروبا وأميركا، بين أوروبا وأوروبا...
بل وأي صراع بين حضارات هي من صنع الناس كلهم، والأمم كلها وعلى امتداد الوف السنوات، بل وتساءلت: هل هناك حضارة غربية صرفة؟ هل هناك حضارة شرقية صرفة؟ هل هناك دين صرف؟ وشعب صرف؟ اذاً، فلتكنس هذه المفاهيم الامبراطورية العنصرية (البيضاء).
إنها حركة انشقاقية كونية موجهة ضد الأنظمة السائدة، من دون ان يعني انها تؤيد أنظمة اخرى. هذه "الحركة الانشقاقية" التي تبرز، أكثر ما تبرز في أميركا، تنتفض على المؤسسات التي تبتكر الاعداء والحروب والعنصرية وتؤسس لسياسة الحقد والارهاب والكراهية والتزمُّت والصراعات وتنفتح على الكون كله، على كون محوره الانسان والانسانية، والنضال من اجل القضايا النبيلة والشعوب المستضعفة المغلوبة.
على ان هذه الحركة الانشقاقية (بالمعنى الرائع) كأنها غادرت "العالم القديم" وغادرت ايضاً ما يسمى "العالم الجديد" الذي ترسم صورته وامبراطوريته، لكن الى أين؟
لا أحد يعرف. ولا ندّعي انها جماهير "ثابتة"، ومتماسكة، على المدى الطويل، ولكن ما نعرفه، ان مثل هذه الجماهير "المجانية" كالشعر، لا تكف عن الحلم، جماهير حالمة في عالم محاصر بالكوابيس والإرهاب والعنف والانغلاق والسطوة، عالم جورج اورويل الذي لا يختلف كثيراً لا عن زمن المكارثية ولا زمن الستالينية ولا زمن الامبراطورية الجديدة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.