وأخيراً وصلت ديموقراطية الامبراطورية إلى ساحة "الوغى"، إلى مكمن "الشر"، إلى العالم الذي تريد انقاذه من نفسه أولاً، ومما "يثقل" عليه من الدكتاتوريات.
وصلت الديموقراطية الامبراطورية بكل عدتها وأبهتها وفنونها وعلومها وثقافتها و"فسطاطها"، وتفوقها وتكنولوجيتها، لتعلن أن الحضارة (حضارتها)، والتكنولوجيا (تكنولوجيتها)، والتقدم (تقدمها) لا تنفصل عن الايديولوجيا: الخير المطلق في وجه الشر المطلق. النور في وجه الظلام. لأن للامبراطورية، (ولكل امبراطورية) مانويتها وتصنيفاتها ومطلقاتها أو لا تستحق هذه التسمية.
الديموقراطية الامبراطورية التي كانت يوماً ما زعيمة "العالم الحر" في وجه "العالم الحديد" غير الحر، يحق لها أن تُعين نفسها في المرتبة التي تشاءها، وفي الموقع الذي تريده. فهي ديموقراطية "الله" المختارة أولاً وأخيراً، أو على الأقل اكتسبت هذه الصفة على امتداد نصف القرن الأخير. أولم تطلق على اليابان أول قنبلتين ذريتين لتخضعه، وفي خضوعه زرعت أزهارها (الحرية، واحترام الفرد، والانتخابات)، أولم تعط أيضاً دروساً في مبادئها لألمانيا بعد وقوع هذه الأخيرة في "الدكتاتورية" النازية؟ ثم ألم تدعم في حربها الباردة مع الاتحاد السوفياتي كل دكتاتوريات العالم (باعتبارها يمينية، لا يسارية ولا شيوعية ولا مَنْ يحزنون) لتعلم هذه الدكتاتوريات كيف تستنبت من دكتاتورياتها ورود الديموقراطية؟
أولم تدعم وتدرّب وتخرّج أفواجاً أفواجاً من "المؤمنين" في أفغانستان لتحارب بهم "ملحدي" النظام الشيوعي، حتى تموجت هذه الأفواج بعدها بأصوليات متعصبة ارتدت عليها فصنفتها بعد "ارتدادها" في خانة الارهابيين؟
وأخيراً ألم تنقد يوغوسلافيا وأفغانستان من الدكتاتورية والارهاب، وبسطت فوقهما سجاد العالم الحر الذي ينعم به الشعبان، الأول عبر "استقرار" مضبوط والثاني عبر ازدياد "حرية" زرع المخدرات وتصنيعها ونشرها.
وقبل أن ننسى أفضال هذه الديموقراطية الامبراطورية هل لنا أن نذكر أنها دعمت مَنْ تسميه "الدكتاتور" (صدام حسين) في حربه مع إيران، ثم ألا تدعم بكل ما أوتيت وجه "صحارة" الغرب الحضارية في الشرق (وجهها بالتحديد) أي شارون في مذابحه وانتهاكاته للفلسطينيين؟
إذاً جاءت الديموقراطية الميمونة من بلاد العم سام، والأخت سام، محملة هذه المرة (كعادتها) بالوعود والرشوة وأولاً وأخيراً بالتفوق العسكري (الديموقراطية الامبراطورية تتباهى بتفوقها العسكري على كل العالم. ديموقراطية عسكرية بامتياز) وخصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين. إنها لمفارقة أيتها الامبراطورية البيضاء: كيف تسعى إلى بناء أكبر ترسانة حربية في وقت لم يعد هناك أمامها من "أعداء" كبار. وكيف تخترع "محور الشر"، في الوقت الذي انتصرت "ايديولوجياً" واقتصادياً وسياسياً على "الشر الأكبر" المتمثل بالاتحاد السوفياتي!
إذاً جاءت الديموقراطية ونحن نتابع إنجازاتها "المدنية" عبر قصفها للمنشآت المدنية والأبرياء. عال! لكن لم تجئ هذه الديموقراطية لتنقذ العراق وترحل تاركة أموره لأهله. بل أعلنت (عبر نرجسيتها المتورمة) أنها ستبني هناك ديموقراطية جديدة! أو فلنقل باللغة السائدة ستستنسخ "دولي" جديدة في بلاد الرافدين تسميها "الديموقراطية".
كأنها "كوميديا أخطاء" في زمن "تراجيديا المفارقات".
أولاً: تختار "دكتاتورية" معينة وتصوّب عليها برصاص تدعمه "دكتاتوريات أخرى حليفة لها"!
ثانياً: تخلط (وبوش خليط هجين من الدرجة الأولى) بين ديموقراطية تمت (بمساعدتها!) في اليابان، وألمانيا، وبين ديموقراطية هشة في يوغوسلافيا وأفغانستان. إذاً فالدكتاتورية واحدة، كالشر، كالمطلق. (إنها مجازر الايديولوجيات المطلقة).
هذا الخلط نظن أنه متأثر بالظاهرة الهوليوودية: تزرع الديموقراطية اليوم في العراق، وغداً في السعودية، وبعدها في إيران أو سوريا أو لبنان، كما نبني مدينة وهمية في هوليوود. وعندها لا تكون هذه الديموقراطية (وأفغانستان شاهدة) أكثر من كواليس وأوهام كرتونية، تتغير بتغيّر المشاهد والعروض. أو على الأقل متأثرة باللغة التلفزيونية "السريعة" الايقاع في إرساء "عالم الفرجة"، أو فلنقل إن الامبراطورية توزع فروع الديموقراطية على البلدان والشعوب (متجاوزة تميزاتها الاتنية والعرقية والجغرافية) كما توزع شركات ماكدونالد أو كوكا كولا فروعها في العالم. إنها ديموقراطية "الدكتاتوريات" المستأصلة، ديموقراطية الوهم.
وكأن هذه "الذاتية الامبراطورية" المتضخمة (التي فقدت حتى حسها النقدي على ذاتها وباتت في غيبوبة المنتشين والسكارى)، والتي لا ترى سوى ذاتها، تجهل أن زرع الديموقراطية بقوة الارادة (إرادتها) لا يكفي وأن الديموقراطية تنبني حجراً حجراً، ولبنة لبنة، عبر تجارب طويلة متراكمة، ومعارك طويلة متتابعة خلال ديموقراطية تكون هي في النهاية "دفاعاتها نفسها الوحيدة".
وكأن هذه الذاتية الامبراطورية المريضة تجهل أن الديموقراطية ليست لعبة سينمائية، أو خدعة بصرية، أو سمعية أو حتى فكرية، لا يمكن التلاعب بها، ولا تحويل طبائعها وظواهرها وجواهرها.
بل وكأن هذه الذاتية الامبراطورية الخاوية من قوة نرجسيتها، لا تعرف أن الديموقراطية لا تصدَّر كما تصدَّر السيارات والطائرات والمعلبات (نتذكر أوهام تصدير "الثورات" وبؤسها)، ولا يكفي أن نختار بلداً ما ونقرر أننا سنغمره بالديموقراطية. فهذا، من شأنه، أن يؤدي إلى عكس "الارادة" والرغبة (هذا إذا كان ثمة رغبة أو إرادة أو نية صافية)، أي إلى تنمية النوازع الفاشية والدكتاتورية، تماماً كما تؤدي محاربة الارهاب بالارهاب إلى تنامي الارهاب.
والذاتية الامبراطورية بأصوليتها ومنحاها "الأبيض" (الصفيق) أوليست هي المعضلة الأولى في هذا العالم؟
إنها المعضلة التي تضع الوصفات والحلول! الداء والدواء! في المفارقات! ولكن أي غرابة: كوميديا الأخطاء، أم تراجيديا المفارقات. ربما الاثنتان معاً!
وأخيراً وصلت ديموقراطية الامبراطورية: لكن إلى أين؟ وكما قال بول اليري "هاوية التاريخ سحيقة بما يكفي لتتسع للجميع".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.