8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشاعر الكبير الياس أبو شبكة في مئوية ولادته الأولى (1903 ـ 1947)

ماذا يفعل الشعراء بدون شعرهم عندما يرحلون؟ لمن يتركونه؟ وأين؟ وإلى أي مآل، وأي مصير، لكي لا أقول (عندنا) لأي منقلب...
الياس أبو شبكة أحد كبار شعرائنا، ترك شعره، وتركنا ومضى منذ 56 عاماً، وكان في الرابعة والأربعين (1903 ـ 1947)، وها أنا في الذكرى المئوية الأولى لولادته، وحدنا، أمام شعره. من دونه. من دون حضوره. وجسده. وصوته. وسطوته. وكذلك من دون تفاصيل تلك المرحلة التي هيأت شعره، بتصنيفاتها، ومعاركها، وخصوماتها، وانحيازاتها. هكذا، اليوم، أنت وأشعار أبي شبكة وجهاً لوجه، بلا وسيط، أو يافطات. إما أن ينتصر الشعر أو ينهزم. إما أن تتلقفه جمراً في يديك أو رماداً.
إنها نصوصه. (ضاع الكثير منها لا سيما النثرية والترجمات والمقالات). نصوصه عارية، هشة، تأتي إليك. فالشاعر منحها حريتها بموته، ليعيدها إلى كائنها الخاص. إلى جوهرها الخاص. فكأنها في تحررها هذا تجعل من كل شاعر شاعرها، ومن كل قارئها كاتبها. ومن كل صوت أفقها.
هكذا يمكن أن نقرأ شعراء كانوا، ذات زمن وذات مكان، ذوي ضوضاء وجلبة كأندره بروتون بعيداً عن سلطته وتسلطه وحتى "ستالينيته" ومن السوريالية، وتزارا مجرداً من ثورته البدائية والمبتدئة "الدادائية" (صادرها بروتون بكل حرية السوريالية المستحدثة و"جنونها" و"شغفها" و"آليتها"!)... ماياكوفسكي في مرحلتيه "المستقبلية" و"الثورية الشيوعية" (من الثورة في خدمة الفن إلى الفن في خدمة الثورة!)... ونزار قباني بعيداً من نزار قباني، وتوفيق الصايغ بعيداً من توفيق الصايغ، وأمين نخلة بعيداً من أمين نخلة... والياس أبو شبكة بعيداً من الياس أبو شبكة.
بلا إرث
الياس أبو شبكة، ليس، اليوم، بعيداً من شعره، فقط. بل كأنه لا شعر. ليس بعيداً من ارثه الخصب في المقالة والبحث والترجمة، بل بلا ارث. وكيف يمكن أن تُكَوّن نظرة شمولية عن شاعر ضاعت ثلاثة أرباع أعماله. (هل مَنْ يعرف أين هي، وماذا حلَّ بها؟). فالمسؤولون عندنا منذ أكثر من نصف قرن، خارج الصورة الثقافية، وداخل التشوش الجاهل والجاهلي)، ولم يفكر أحد منهم (بمن فيهم العباقرة!) أن يبحث عن ارث أبي شبكة. ولم يبحث؟ فهو ليس مدعوماً لا من طائفة، ولا من عشيرة، ولا من نظام، وليس مرتزقاً (آه! من زمن الارتزاق والمرتزقين والعملاء! كم سأنتقم منكم ذات يوم ولو على الورق)، وليس زعيم ميليشيا أو قريباً من صناديقه وخزائنه... انه شاعر حر فحسب! انتمى إلى الشعر (والناس) فحسب، وكل من ينتمي إلى الشعر (والناس) دون العملاء واللصوص، مصيره العزلة. وأبو شبكة من هؤلاء. ولن نستغرب إذا قامت بعض الجهات (المستفيدة) ونظمت مهرجاناً تكريماً له، استرفدت فيه للتكريم بعض الشعراء والكتّاب، في حفل رسمي تحت الرعاية الرسمية والكتّاب الرسميين.
حالات
إذاً يُطل شاعرنا الكبير، اليوم، علينا، وقد سبقته أعماله الشعرية دون سواها: من "غلواء"، إلى "أفاعي الفردوس"، إلى "الألحان" فـ"القيثارة" فـ"نداء القلب" فـ"إلى الأبد". ها هي تأتي كلها، وحدها، تخلص لذاتها كما أخلص لها كاتبها "الحر" حتى العظم، والناقم حتى الصراخ. كأنما تتحرك على شاشة واحدة، رغم تنوعها وما يتفاوت أو يتسارق أو يتآلف أو يتنافر في صياغاتها ومناخاتها.
فأبو شبكة ذو الحالات والأمزجة (الحادة والطرية معاً) وذو الهشاشة والعنف، والتمزق والتردد والخوف والجرأة والاجتراح والقبول والعصف والصفاء، والشك والايمان، والنقمة والصلاة... كأنه يتدفق من كل الاتجاهات. وهو في تدفقه وتفجره واحد في قصائده، أو متعدد في قصيدته، دائماً في مهب ما: الريح أم الخطيئة أم النقاء أم الموت؟ تهب عليه حرائق الخطيئة، فليتطهر بها! وتعصف به كوابيس التواريخ والأساطير والأنبياء والوصايا، فليستنزلها كما هي أجساداً ملعونة، أو فوهات تنور أو أعمدة من نار وكبريت! فليطهرها من أثقالها التاريخية والدينية ومحمولاتها النفسية ومن أعبائها على روحه الشفيفة. وينسم عليه الحب فليعَرِّ له حواسه وروحه أخف من هواء يلامس الغابات والجبال، وأرهف من "لحن" بلا ثقل وحتى بلا صوت. وتنقلب عليه الشهوات حرى، والرغبات محمومة، فليتقلب على لظاها وحفيفها وفحيحها ونسائها، ولينطعن بالندامة (المسيحية)، ولينحرق بتبكيتها قبل أن يعاود أفعالها ويرتكب "المآثم".
فليمرَّ كل شيء إذاً بهذا الجسد. مكمن المشاعر والجروح واللذاذات والفجور والقداسة والكسور. فليمرَّ كل شيء إذاً بالحواس: مفتاح العالم السفلي والعلوي، وبوابتها القلب. وليترك أبو شبكة لغيره "الأفكار" الكبيرة والمجردات والماورائيات وسلطان العقل، والمنطق المتماسك، واللغة المرصوفة، والعمارات الشعرية المنحوتة، والمعادلات الذهنية. فكل ذلك كأنه من خارج الحواس أي من خارج الغرائز الكبرى الطاغية أي في النهاية من خارج الطبيعة. فالشاعر، وهو جزء من وحدة الكون، هو جزء، من غرائزه الناجزة المكتملة. والشعر هو ينبوع هذه الغرائز ولا يمكن استبداله بما ينتجه من غير مادته. ولا تمكن صناعته (أو تصنيفه) بما يحيله على غير مكوناته العضوية "النهائية". فكل شيء يدرك الشاعر في بنيته ووشائجه الكاملة. انها لعبة "النبوءات" أو "الآيات" أو "الوحي"، وما عدا ذلك من تصنيف ومن فبركة. هكذا واجه أبو شبكة قصيدته، وقصائد الآخرين لا سيما سعيد عقل والرمزيين ولم لا البرناسيين أيضاً (أمين نخلة). فالصناعة بالنسبة لشاعر "أفاعي الفردوس" خيانة لكينونة القصيدة، خيانة لجسد القصيدة المولودة كاملة بكل أسرار الخليقة والجمال والنقاء؛ الصناعة تجعل من القصيدة أو من الحالة المهيئة أو التابعة لها، كائناً مشوّهاً غير سوي، أو الأحرى "شيئاً ما"، شيئاً ما من أشياء جامدة سواء جاءت كالتحفة أو كالكاتدرائية أو كالعمود، التي لا بد من أن ترفعها برودة أو تتخلل بلّورَها ملامسُ صقيع. إنها المسافة بين القصيدة والشاعر ألغاها أبو شبكة. فلا فجوة بين السر وظلاله. بين الصوت وصداه. فلا تآويل باطنية. أو دلالات أو مناخات مذهّنة توحي أو تومئ أو تترك المعنى ناقصاً. فهذا بالنسبة لأبي شبكة من شأنه أن يؤدي إلى الغموض أو الابهام وهي (بحسب قوله) "ضلالة مستوردة من الغرب" ولا سيما بول اليري (صاحب "المقبرة البحرية" و"نرسيس"، و"البارك الشابة" و"فاوست كما أراه" و"سميراميس"...)، وبعض الرمزيين الفرنسيين الذين أثروا في شعراء ساجلهم شاعرنا (بعنف) وخصوصاً سعيد عقل الذي لم يغفر له نبرته حتى الآن!. وهي ظاهرة رأى أبو شبكة أنها لا تنسجم لا مع البيئة التاريخية (العربية) ولا مع البيئة الجغرافية والاجتماعية. وها هو يعلن بلا مواربة "الواقع أن الغموض في الشعر دخيل على الأدب العربي. فهو من الكتب لا من الجو. فجو الشرق صريح مشرق. فلا مبرر لهذا الغموض في شعرنا".
مناخات صراعية
لكن هذه المساجلات التي تعكس مناخات صراعية حول الشعر تبقى في الحدود النسبية كأنها شبه وهمية. فلا الغموض عند سعيد عقل وقبله أديب مظهر ومع يوسف غصوب إبهامي (وداخلي وذو طبقات)، ولا هو كوَّن إشكالية، إذ بقي عند هؤلاء حالة كتابية جزئية لكي لا أقول حالة "بلاغية" لا تتجاوز بعض التراكيب والاستخدامات البرانية. ونظن أن غموض الحالات والمزاجيات عند أبي شبكة أجلى مما هو موجود عند من ذكرنا. وقد حاصر نفسه بهذه السقوف التي وضعها فوق كتاباته. فهو ابن التوترات النفسية والروحية والفيزيائية الدائمة. انه بمعنى من المعاني شقي الروح والجسد، مجروح "الايمان" بائسه، لخضوعه الدائم "للتجربة". تجربة المحرمات أي تجربة الخطيئة. ملاك يسقط كل لحظة في ضعفه. وهذا ما يعتمل قلقاً وتشظياً وصخباً وضعفاً وتمرداً وخوفاً وندامة في بدنه وروحه وعقله.
فالقلق يأتي من علاقته بالدين. ومن علاقته بجسده. ومن علاقته بالمرأة. بؤرة مشحونة متوترة بأسئلة وعذابات واعترافات. وأبو شبكة في هذا المجال انسان كأنه متمدد على الجمر. فهو ليس مرتاحاً إلى عقله "السعيد" المنتصر أبداً كما هي الحال مع سعيد عقل الذي كما صرّح مرة أنه "ينام 12 ساعة لأنه مشى مزعل ربنا"! أبو شبكة يتحرق في جروحه وفي ندوبه. (الشعر عنده جرح مفتوح)... صحيح ان أسئلته قد لا ترتفع دائماً إلى مستوى أسئلة ميتافيزيقية معقدة وخطرة إلا أنها تبقى مقلبة المواجع ومثيرة الأرق ومقضة النوم ومحركة الخوف والندامة والتوبة (وإن بلا طائل). ربما صلاح لبكي يلتقيه في قصيدته الطويلة "سأم" في مثل هذه الحالات القلقة وإن متأثراً عميقاً بأبي علاء، إلا أن أبا شبكة ينفرد عن مجايليه الآخرين كسعيد عقل وقبله الأخطل الصغير وأمين نخلة.
فالغموض لدى هؤلاء وخصوصاً عند من جاهر بتحبيذه كنخلة وعقل لا ينخرط في لعبة داخلية معتمة كثيفة. إنه مجرد لعبة مجاز. مجرد أسلوب لكي لا أقول مجرد تزويق. صحيح ان سعيد عقل تأثر ببول اليري (ابن مالارمه البار) لكنه بقي على السطح. فعند هذا الأخير وخصوصاً في "المقبرة البحرية" (إحدى روائعه) ملحمة بؤس داخلية. تراجيديا كاسرة. تكسر مرايا وأسئلة حادة تصل إلى حدود العبث بل وأقول إلى حدود "السوريالية" الداخلية (من حيث تدفق هذا الجواني المجهول). والغموض هنا جزء من حالة وجودية (لا مجرد لعبة شكلانية). حالة وجودية. ذهنية. فلسفية أي جزء من رؤيا مركبة مصوغة في قصيدة مركبة تتضمن القراءات المتعددة والمستويات المتعددة. (عند سعيد عقل القراءة أحادية!).
أريد أن أقول ان أبا شبكة يحمل في شعره من القلق والتوتر والخوف والتناقض والضعف والقوة والشعور اللاادري بالموت الداخلي وبالخطأ وبالخطيئة ما يجعل بعض قصائده تنضح بغموض هذه الحالات وخصوصاً في "أفاعي الفردوس" وحتى في بعض "غلواء"، وهذا ما لا نجده في لعبة الجماليات (المجانية أحياناً) عند سعيد عقل أو أمين نخلة.
التمزقات
على أن أبا شبكة عبَّر هذه التمزقات والشروخ الفيزيائية والروحية وحتى الاجتماعية بقصائد توحي البساطة (وهي ليست بسيطة). أختزل هذا العصف الداخلي بجملة شعرية مشحونة معبأة صاعقة لتكون لقاء ما بالرمزية (توراتياً هنا، دينياً هناك، ومسيحياً هنالك)، لا سيما في "إلى الأبد" و"الألحان". أي جملة تختزن لعبتها في جوانيتها. بلا جماليات أو تسجيل براعات وبلهوانيات فهنا يحرق بعض قصائده أصابعك أن لامستها. بعنف فيزيائي في الجملة والكلمة والصوغ والقافية والايقاع، وهناك في مكان آخر، تبترد القصائد من قوة شفافياتها فهناك قصائد مكتوبة بالنار، وهنالك بالهواء وبالماء وبخفة الأشياء.
وأبو شبكة في عنفه وسوراته وفورته وردود فعله هو ذاته أبو شبكة، الضعيف الهش. الأصغر من دمعة. فشعره سجله. دفتر جسده وروحه. حبره "الصيني" وحبره "المائي" لم يلحقه بايديولوجيا ولا بوظيفة اجتماعية (أو ارتزاق) أو حزبية، ولا ببلاط حاكم أو سلطان أو زعيم. ولا لتكريس موقع اجتماعي. ولا استدرار تصفيق أو إعجاب صالوني أو اعلامي.
فالشعر عنده هو قبل كل شيء، وكل شيء. وهذا ما رفع أسواراً حمته من التلوث العمومي والرياء والذل والابتزاز. الشعر هنا ليعبر عن الكائن. هذا ما يمكن أن نستخلصه بعد أكثر من نصف قرن على رحيله (ومئة سنة على ولادته).
شاعر قلق. مسكون بالهواجس متوقد. ملتهب. حر. حنون. قاس. ضعيف. قاس. انفعالي. نقي. مقتصر، منقشع من توتر مشدود. انه حالة من كل هذه الحالات. حالة هي تفجر اللغة وتضعّيها، وترفعها. حالة من الداخل. من الاحشاء.
وكما قال عنه مارون عبود "أرقُّ من النسيم متى راقَ وأجَنُّ من الإعصار متى ضاق".

سيرة وأعمال

ـ مواليد 1903 في نيويورك.
ـ عاد مع والديه وهو في الثالثة من عمره إلى لبنان وسكنوا في زوق مكايل في عهد السلطان العثماني عبد المجيد (1918 ـ 1842).
ـ 1914 اغتال لصوص والد الشاعر وهو في رحلة من بور سعيد في مصر إلى الخرطوم في السودان.
ـ تلقى دروسه في مدارس كهنوتية، أولاً بمدرسة الفرير في جونيه، وفي 1911 انتقل إلى مدرسة عينطورة.
ـ 1914 أعلنت الحرب العالمية الأولى وأقفلت المدارس وبعد انتهاء الحرب عاد إلى مدرسته حيث أمضى فيها عامين دراسيين 1920 ـ 1922.
ـ 1922 اختلف مع أستاذ اللغة العربية فطرد من المدرسة وتخلى نهائياً عن إكمال دراسته.
ـ أتقن أبو شبكة الفرنسية إلى اتقانه العربية، وقرأ مؤلفات دي موسيه ولامارتين ودو فيني وبودلير والتوراة وقرأ بالفرنسية شعراء عالميين كفرجيل وهوميرس ودانتي وميلتون وغوته.
ـ 1931 تزوج من أولغا (غلواء).
ـ 1944 أصيب الشاعر بمرض خبيث: هو سرطان الدم.
ـ 1946 انهارت صحته وأدخل أحد مستشفيات بيروت.
ـ في 27 كانون الثاني 1947 توفي أبو شبكة وهو دون الرابعة والأربعين من عمره.
من أعماله
في الشعر: "القيثارة" و"غلواء" و"أفاعي الفردوس" و"الألحان" و"نداء القلب" و"إلى الأبد".
في النثر: "طاقات زهور" و"تاريخ نابوليون بونابرت" و"الرسوم" و"روابط الفكر والروح بين العرب والافرنجة" و"في ذلك الزمان".
من مترجماته: "الحب العابر" لهنري بوردو، "عنترة" مسرحية لشكري غانم ترجمها عن الفرنسية، "جوسلين" للامارتين، "سقوط ملاك" للامارتين، "الطبيب بالرغم منه" لموليير، "المثري النبيل" لموليير، "البخيل" لموليير، "مريض الوهم" لموليير، "لبنان في العالم" لجورج معنق، "قصر الحي الغربي" لدانييل شلومبرجه، ميكروميغاس وثلاث قصص لفولتير، "أوسكار وايلد أمام القضاء" لادمون روستان، "بودلير في حياته الغرامية" لكميل موكلير، "بولس وفرجيني" لبرناردان ده سان بيار...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00