(بيت برناردا البا، تأليف لوركا، المكسيك)، هذا العمل المسرحي الذي كتبه لوركا يعتبر من أهم أعماله.إنه اختراق لجدران السلطة الواحدة، الطاغية، لبرناردا، والتي تحول بيتها نوعاً من السجن، أو نوعاً من المعسكر المضبوط بالأوامر والنواهي والمنع. والمعروف ان هذه المسرحية التراجيدية الحادة، قد مثلت في مختلف أرجاء العالم وكذلك في العالم العربي. المخرجة المكسيكية زاوجت هنا بين قول النص ومجازه وبين ليلة الجسد، والسينوغرافيا، والفضاء المسرحي، والألوان، والازياء، كل هذه العناصر كانت منسجمة، ومتآخية في تكوين مناخات ضاغطة وشخصيات تتحرك فيها، وأجواء محمومة ومكبوتة وسوداء، كأنها في كل لحظة تحس اننا على شفا انفجار أو شفا هاوية. مسرحية الهاوية هذه التي انبنى عليها بيت برناردا البا، مع بناتها، وتنوع أمزجتهن، وميولهن، ورغباتهن، وعلى هذا الاساس تبدو لعبة السينوغرافيا جزءاً أساسياً من درامية العمل، بعيداً عن جمالية تزويقية، أو ابهار شكلاني، بل ان معظم الأدوات المستخدمة وظفت في رؤيا المخرجة المنبثقة من نص الشاعر الاسباني، وفي قراءة تبدو مفتوحة أو مجازية وحتى متعددة، لكن ضمن فضاء متقطع، متشظٍ، ومتوتر يبتلع كل هذه الادوات وتبتلعه، في سياق عالم بلا رحمة، ونظن ان فكرة الحداد المعلنة لم تكن أكثر من ادامة الحداد في هذا المنزل، متجسداً بالوانه الداكنة، وبتشاكيله الساحقة. تقول برناردا لبناتها لتعلمن ان الحداد لدينا ثماني سنوات ينبغي ألا يدخل خلالها من أبواب هذا المنزل ولا من نوافذه حتى هواء الطريق نفسه (انها حالة طوارئ أمنية بامتياز، أو حالة حصار). وفي هذا الاطار تستخدم السينوغرافيا خيال الظل لتوحي تجسيد هذا السجن الممتد إلى حواس النساء واجسادهن وعقولهن ورغباتهن لكن انتيغون العائلة اديلا تأخذ العصا من يد امها وتكسرها اعلاناً عن الخروج الكبير عن سلطتها وكأنها صارخة ان تصمت في هذا البيت صراخات المسجون. وهكذا حطمت أديلا كل الخطوط الحمر وكل المحرمات، انضمت الى حريتها أي إلى رغباتها عبر علاقتها ببيبي آل ماريو.
ونظن ان اسناد دور المرأة الطاغية إلى رجل في هذه المسرحية لم يضف كثيراً، بل على العكس، أضعف من دلالاته وكأن الطغيان مذكر فقط والخضوع مؤنث. وهذه الثنائية من كليشيهات الفكر النسوي وسواه. فالمرأة الحديد هي المرأة الحديد ولا يعني ذلك انها مسترجلة، بل لأن في المرأة نفسها أحياناً كثيراً من المعادن والقسوة، كما هي حال الرجال الذين فيهم كثير مما ينسب إلى المرأة، وهو من طبيعتهم.
برغم كل ذلك، بدا هذا العمل مشغولاً، ومتماسكاً، ينافس شعريته البصرية الجسدية شعرية نص لوركا الجارحة، انه عمل ممتع!
وامعتصماه
وامعتصماه، تأليف واخراج سمير عواد، لبنان قدم في المسرح الصغير في الاوبرا.
سلالم الشمس
سلالم الشمس (تأليف محمد المعمري واخراج خالد الخوياني ويوسف البلوشي، عُمان). تدور المسرحية حول حكاية معقدة، توحي العنف والقتل والخرافة إسقاطاً على الوضع الراهن. في جزيرة تحكمها ملكة جنرال وساحر وجلاد يجلد الخارجين على القانون، وهم معلقون على السلالم. ومع دخول الرجل مساحة السلالم تثور ثائرة الجنرال، فيعتقله ويقرر عدم الافراج عنها إلا إذا فك رموزاً تحقق للجنرال امنيات ثلاثاً، وعندها يخبره الرجل بأنه عاجز عن ذلك وان زوجته المريضة هي القادرة على ذلك. يحضر الجنرال الزوجة إلا انها تتصدى للجنرال وتصيبه بكلام جارح فيرميها من فوق الأسوار لكنها لا تموت.. وعندما تأتي الملكة، وتعلن ان لها السلطة الوحيدة على الجزيرة يختلط الحابل بالنابل، ويشتبك الجميع مع الجميع: الجلاد والساحر والملكة.. ليسفر عن ذلك موت الساحر والجنرال ويبقى زوج المريضة الذي يغتصب الملكة ويستولي على العرش. السينوغرافيا بسيطة: سلالم من حبال الخيش مملوءة بالدقيق الأبيض، والحبال هنا ثابتة في عمق الخشبة. الاداء جاء غير متوازن، وقع أحياناً في النمطية المعروفة لكن برزت شيماء البريكي في دور المريضة، وكذلك عبدالوهاب السلماني ويوسف الصالحي، من دون أن ننسى لحظات جميلة اداها محمد العمري..
ظل رجل القبو
ظل رجل القبو (تأليف سعيد حناوي واخراجه، سوريا).
هذا العمل ينفذه شبابيون، وفيه إذاً كل شغف الشباب وحيويتهم وكذلك عفويتهم وتعثراتهم: أجواء تشيخوفية ملتبسة، ربما من العنبر، السجن الذي يضم المثقف وغير المثقف، على سوداوية الاقبية، واختناق الأمكنة المغلقة، والجو المشحون بالقلق، والخوف، والجنون. من هذا النص الذي وضعه سعيد حناوي واخرجه يمكن استخلاص مناخات سائدة ومستمرة منذ عقود في عالمنا العربي السعيد بقمع السلطة والأجهزة. شخصيات تتحاور وكأنها تتناكر: شيء خلف الأشياء والأمكنة ينذر بالموت، وبالعزلة وأحوالها، وتوتراتها: خشبة شبه فارغة، سينوغرافيا مقتصدة، خلفية سوداء، ستار أبيض، مسرح مقسم إلى 3 زوايا (معظم الأحيان) وفي العمق هوامش لها، أو فراغات توحي المجهول المحتوم. على هذه المساحة الملتبسة، الضاغطة والمضغوطة، يتحرك الممثلون وكأنهم يراوحون أمكنتهم وأجسامهم وأصواتهم: الحركة شيء من الدائرية واللولبية وشيء من القهقرى، وأخرى من التجمد في الروح: كأنها الكائنات الباطنية المهملة في القبو، تحت الأرض بعيدة من الضوء ومن النفس الانساني، والحركة العادية (السجن يعني منع الحركة عن السجين بحريته)، وكأننا يمكن تكثيف الصمت أكثر ليصبح من مزيج أكبر والقلق وربما العام المقبل، وكان ربما أكثر إيحاء، من مؤثرات مضخمة تشكل سينوغرافيا صوتية تذكرنا بأفلام الرعب، خصوصاً وأن قرع الطبل يضج في الأرجاء فيفرغ المناخ من توتره. انه الطبل بامتياز، وفي ظل هذه الخلفيات يتحرك الممثلون، وقد بدا شغفهم، وحيويتهم، وطاقاتهم المتفجرة، لكن الطاقات المتفجرة على المسرح تحتاج إلى ما يبلورها ويقننها ويؤهلها سواء على الصعيد الجسدي أو الصوتي أو النفسي أو الادائي، فلا تكون عشوائية لا فارق بينها وبين أي طاقة أخرى في الشارع أو في سواه وكنا نود لو أن هذه الطزاجة الشبابية، ومن خلال المخرج والعمل الجماعي، استغلت لانتاج اداءات مبتكرة وحية وجديدة. ولكن الواقع، وكما ان النص عانى التماثل ببعض كليشيات الكتابة المسرحية (الخطابية، الصحافية...)، فإن التمثيل أيضاً عانى الأمر ذاته، كان يمكن استنباط مقاربات جديدة للصوت، وللحركة، وللوقفة، وللصمت، ولكن بكل أسف وقع كل ذلك في كليشيات مسرح السبعينات: شيء من هنا، وشيء من هناك.. وشيء من التلفزيون. مع هذا تبشر المجموعة التمثيلية بامكانات يمكن استغلالها أكثر إذا ما توفر النص المسرحي الحي، والظروف المسرحية الحية، وكذلك المخرج.
القط الأبيض المتغطرس
القط الأبيض المتغطرس (تأليف أحمد عبدالعال، إخراج احمد رضا دهيب، السودان).
يصل رجل إلى مدينة مليئة بالجراد وكان قصده التجارة. حدد اقامته بأسبوع أو بأسبوعين، لكن اجبرته طلاسم هذه المدينة بجرادها على الاقامة فيها كل حياته ليفك طلاسمها وأسرارها.
هذا العمل نفذته فرقة التجريب السوداني. والتسمية واعدة ربما في السودان وظروفه، وتجربته في العمل المسرحي، وقد يكون ما قدم تجريباً بحسب الذين صنعوه.
وقد يكون نسبياً تجريبياً بالنسبة للسودان. لكن هذا العمل الذي نلمس فيه جهود المشاركين، من الكاتب الى المخرج الى الممثلين، والسينوغرافي، يعكس بكل بساطة الحدود التي أدركها المسرح السوداني: أي يؤشر على انه ما زال في مناخات الاربعينات، سواء بمفهوم النص، أو الاخراج، أو السينوغرافيا، أو التمثيل: فطرية ينقصها الاحتراف، وعفوية (منمطة بذاكرة المسرح التقليدي) تفتقر الى التبلور وخشبة مفلتة بدون بنية: لا تعرف من أين تبدأ ولا الى أين تنتهي: ولا تعرف لماذا استخدمت المصابيح اليدوية ولا وظيفتها، وكذلك الاضاءة لا تعرف لماذا تتغير أو تثبت، فهي عشوائية، غير مرتبطة لا بالنص ولا بالممثل ولا حتى بالمشهدية الجمالية.
النص مباشر وخطابي ويحتاج الى من يمسرحه. والتمثيل فيه حيوية ظاهرة، لكن يعاني كل ما عاناه مسرح الثلاثينات التقليدي من خطابية، ومبالغة والقائية وصراخ، وحركة مفلتة.
مع هذا لا يمكن إلا ان ننظر الى هذا العمل بكثير من الترقب والتوقع، إذا اخذنا بمبدأ ان هذه الفرقة التجريبية يجب ان تتجاوز نفسها باستمرار عبر اشكال التأهيل والانفتاح... وتأهيل التجريب ولو انه لا يؤصل!
الاستاذ كلينوف
الاستاذ كلينوف (تأليف كيرن برامسون، اخراج بن حسين حيدر (الجزائر) يحكي العرض قصة نور سيرج التاجر الدنيء الذي يتاجر بابنته اليزا بعد ان خسر تجارته في بيع الخمور. اليزا، تحاول يائسة، قتل نفسها لكنها تحجم لخوفها من الموت. على ضفة النهر تلتقي البروفسور كلينوف، استاذ الفلسفة، تنفر منه في البداية لدماثة خلقه، ولكن لا تلبث ان تتجاوب معه، وتنسجم. لكن تلتقي احد اصدقائه فيديل وتنشأ بينهما قصة حب، تشتعل ثورة كلينوف، فيصب جام غضبه على خادمته ماري التي ستصبح الشاهدة الوحيدة على جريمة قتل سوف ترتكب... يمكن اعتبار هذا العمل من الأكثر جدية وجهدا واحساساً بجوهر المسرحية. فالسينوغرافيا قبل كل شيء متقشفة: صناديق كرتون موضوعة يستعمل بعضها للجلوس. كرسي. شبه عتمة تسود الجو. التوزيع السينوغرافي موحٍ. الفراغ العميم في الشخصيات.
الاضاءة الملتبسة دلالة على سوداوية تطاول الاجساد والنفوس والامزجة، كل ذلك كان يمكن ان يعطي حرية للممثلين لأن يستغلوا الخشبة وسينوغرافيتها (الاضاءة، الصناديق، الفراغات، الموسيقى) وهذا ما كان يفعله بعض المسرحيين العرب.
والغريب ان منفذي العمل لا سيما السينوغراف والمخرج بدا انهم متأثرون ببعض الانجازات المسرحية العربية، وهذا ما نلمسه أو نحسه أو نتكهنه بتأثرهم بالتونسي الفاضل الجعايبي، أو بالعراقي جواد الأسدي، أو بالجزائري محمد بن قطاف.. أو بسواهم، ولكنهم لم يطوروا هذه التواصلات، حتى استخدام السينمائي للضوء كان يمكن ان يفتح كل ايحاءات جديدة كما عند الجعايبي وتوفيق الجبالي. بل على العكس بدت مفتعلة احياناً. كأنها مجرد ديكورات. مجرد اشياء. بعيداً من حواس الممثل وانفاسه وصوته.
ومع انه برزت خامات مسرحية واعدة (المرأة التي لعبت دور الرجل)، الا انها بقيت متأثرة منقبضة (طوطمية) جامدة. بطيئة. وربما يعود بعض ذلك الى طول النص وركاماته. فلو ان المخرج اختزل النص الى ساعة واحدة (بدلاً من ساعة ونصف) لكان ساعد ذلك على تحريك الايقاع المتباطئ، الملول، المتكرر، للعمل. والايقاع هو البنية. على هذا الأساس بدت البنية مفككة بين نص مطوال وسردي وبين أداء متثاقل، وبين موسيقى معزولة عن النص، وسينوغرافيا مستقلة أحياناً: البنية توزعت في بنيات غير ملتئمة... وكل هذا كان يمكن تجنبه ولو جزئياً لو انضج المخرج العمل بصهر هذه العناصر وتشكيلها، بحيث لا تكون مسرحية بعدة مسرحيات أو مسرحيات موزعة على خشبة واحدة.
الظلال
الظلال (تأليف ارييل دورفمان، اخراج وإعداد هيثم عبد الرازق، العراق). ثلاث شخصيات تتصارع فيما بينها لحسم قضية مصيرية لمجتمع يمر بأزمة كبرى.
سبق ان تناولنا هذا العمل الذي قدم في مهرجان الأردن.
تحت الأرض
تحت الأرض (تأليف اوكتافيان جيجير جيو واخراجه، رومانيا). يدور العرض حول امرأة حامل تحاول الهروب من غارة جوية اثناء الحرب العالمية الثانية. تختبئ تحت الأرض، لكن تقابلها الصعاب، وتبذل اقصى ما في وسعها لتبقى على قيد الحياة. انها حالات الرعب والخوف التي عاشها مئات الملايين من البشر اثناء الحروب، تنتشر كعدوى. امرأة اخرى تهرب أيضاً وتنضم الى الاولى وتختبئ في الخزانة. ثم تحاول استعمال أو تجريب ملابس المرأة الحامل. لكن بين هذه التقاطعات كان الخوف سائداً. انه صراع مع المصادفة القاتلة. مع الموت المحدق. بل ثمة محاولة لانقاذ الجنين في بطن امه. اي انقاذ المستقبل. هذه الاجواء الخانقة، عاشتها المرأة الحامل، كذلك المرأة الاخرى. على ان المسرحية التي اختيرت موضوعاً مهماً، عولجت بطريقة تقليدية لكي لا نقول انها تدرج في خانة الهواية، أو الابتداء: ارتباك في الحركة، تنميط في الاداء، ووقوع في المنحى التلفزيوني حتى في الديكور.
الحلم
الحلم (تأليف شكسبير، إعداد واخراج ماريوس جيليا، رومانيا). قارب هذا العمل نص شكسبير حلم ليلة صيف مقاربة مشهدية فرجوية، فاستخدم انواعاً شتى من العناصر المعروفة في مثل هذا النوع كالرقص والعرائس وخيال الظل، تجتمع كلها في تصميم بسيط لخشبة المسرح، لكنه موحٍ وجاذب، ذو ايقاعات متنوعة، تضفي على الكوميديا مناخات حية، تحاول فيها معادلة النص الشكسبيري بالنص السينوغرافي البصري الموسيقي والتشكيلي والحركي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.