مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي تجاوز هذه الدورة عامه العشرين، ليسجل نفسه على بطاقته الحادية والعشرين. ما زالت بنيتة قائمة كما أسسّت. وما زال صامداً برغم الحالة السيئة التي يعيشها المسرح العربي والعالمي على السواء. وما زال وجه مؤسسه الأول الوزير فاروق حسني يُطل ليفتتح أعماله، وكذلك حضور رئيس المهرجان الدكتور فوزي فهمي، واضع رؤياه وهويته. ولكن اتسم الافتتاح هذا العام (10 تشرين الأول، اكتوبر) بأن صعود الوزير حسني منصة الافتتاح والترحيب بالوافدين والمشاركين كان له معنى خاص، بعد المعركة التي خاضها والمواجهات الصهيونية الأميركية التي تصدى لها، ويتم اسقاطه، لاسقاط أي مرشح عربي لمنصب مدير الاونيسكو. اذاً كأنما كانت اطلالته الأولى في افتتاح التجريبي بعد تلك المعارك الشرسة، وهذا ما اكده جمهور الافتتاح الذي ملأ القاعة والطوابق كلها، عندما قابله بتصفيق حاد وبهيصة عالية.
والافتتاح هذا العام، كان كاسابقاته مبرمجاً بعرض شبابي حي ومتميز وخصب، (من اخراج خالد جلال) لتتقدم مارثا كوانينه (أميركية) رئيس لجنة لمشاهدة العروض الدولية، واختيارها وتتلو بيانها السنوي. ومن ثم، وبطريقة مسرحية تقديم المشاركين في الندوة الرئيسية التجريب في المسرح السياسي) وكذلك اعضاء لجنة التحكيم المؤلفة من دانييلا جيوردانو (ايطاليا) رئيساً، وتوماس كازمارك (بولندا) وجون كوزيروك (انجلترا) وحسن عطية (مصر) وروزماري كوين (اميركا) ، وزيونيج يوافوي (الصين) وفرانسوا بريون (فرنسا) وكاي فوشيك (المانيا) وكريستينا ميريلي (الارجنتين) وماري ترومبليه (كندا) ومحمد المنجي بن ابراهيم (تونس).
وقدم بشكل استثنائي ريتشارد شيكز رسالة مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في بيان مطول وتحليلي قد لا يكون صالحاً لمثل مناسبة الافتتاح، على أهميته.
افتتحت المسرحية البولندية دون كيشوت المهرجان. ودون كيشوت في الوطن هو عامل من العمال الفنيين للمسرح (ميكانيست) في اثناء البروفات، يرافقة زميل له يدعى سانشو يضعان الديكورات سوياً فوق الخشبة وفي الليل يقومان بحراسة ممتلكات المسرح. وعلى الرغم من الاختلاف التام عن اصل المسرح الادبي الا هذا العمل البولندي يؤكد فكرته وهو ان الواقع ما هو الا شيء متخيل أو وهمي، والشيء الحقيقي هو رحلة دون كيشوت إلى أعمق أعماق خياله الذاتي في ثلاثة أيام وثلاث ليال هي عمر العرض.
ففي اليوم الأول تتم بروفة عرض مسرحي من الدمى (حول موضوع الفروسية. دون كيشوت عامل المسرح يقرع الأجراس، ويقوم بتشغيل آلة الدخان المسرحية ويختفي خلف الكواليس. وربما يكون بطلاً درامياً مختلفاً عن دون كيشوت الذي نعتقد بأننا نعرفه؛ انه هنا الفارس المتجول، بطل العرض المسرحي الرئيسي الذي ينقذ أميرة من ايدي عصابة قطاع الطرق. وفي الليل يحلم عامل المسرح (دون كيشوت) برواية الفارس المتجول الذي يحب الأميرة، ويشتبك بعد ذلك في معركة مع التنين في صراع مختلف أو حقيقي. وقد يكون بطل العرض البولندي مختلفاً عن دون كيشوت الذي نعرفه واعتدناه. انه هنا ربما يكون تنيناً، وربما مكنسة بضوضائها المرتفع، وربما يكون الأمر مختلفاً من جديد: فالمكنسة قد تكون تنيناً ولكنها تصير مكنسة بفعل ساحر أسود خفي.
وفي اليوم الثاني يتلصص دون كيشوت ليرى كيف يعمل المخرج مع الممثلين. ما الذي يحدث اثناء البروفه. وهل مخرج العرض هو ساحر مشعوذ أو ساحر المسرح أو استاذ التجريب المسرحي أو مجرد محتال كبير؟ وفي اليوم الثالث يدخل المخرج إلى الخشبة، ويضم الميكانسيت دون كيشوت إلى لعبة تمثيل مسرحية مرتجلة فوق الخشبة. وعندما يوضع بالمسرخ داخل دائرة اللعبة التي يقوم بها الممثلون، يشعر دون كيشوت (الميكانسيت) بأنه ذلك الفارس المتجول نحو المجهول، ولكن ماذا يمكن ان يكون حدث فعلاً: هل انتصر دون كيشوت في معركته مع الفارس العدو او انه ضرب سانشو بشكل حقيقي ضرباً مبرحاً فوق خشبة المسرح وفي الليلة التالية يفقد دون كيشوت كل قواه ليكمل سرده للرواية؛ انه لم يستطع ان يعرف تماماً وحتى النهاية ما هو حقيقي في حياته. ويقرر سانشو الخروج من اللعبة (الوهم) وتسمع اصوات في مكان ما من خشبة المسرح تعلن انتهاء حفلة من حفلات الممثلين بعد انتهائها من العرض. ولكن يبنبغي في الغد القيام ثانية بالتمثيل. لكن الأمر يبدو على هذا النحو: إن عليهم ان يقوموا في الغد بأدوارهم، ليلعب كل ممثل دوره سواء كان هذا دون كيشوت أو المخرج أو الممثلين فهذا هو الواقع الحقيقي الوحيد الذي يؤمنون به.
- بلا عنوان تأليف مفلح العدوان، سيناريو وسينوغرافيا وكوريغرافيا واخراج مجد القصص (الاردن). الفنانة مجد القصص صاحبة تجارب مميزة وغير شكل. ودائماً تحاول تجديداً، او افتراقاً عن السائد. وهذا ما حاولته في عملها الجديد بلا عنوان والذي عنوانه القدس (ضمن احتفالات الاردن بالقدس عاصمة الثقافة العربية 2009). اذاً ترتبط المسرحية بالمناسبة وهي كبيرة، وهي جرح، وهي تاريخ، وهو حكاية اغتصاب، وإعدام لمدينة المدن.. وحكاية التهويد لأم المدن العربية. فالمهمة ليست سهلة: جمع التواريخ والجغرافيا والكوارث والتداعيات والقتل والعنف والمواجهة والأمل واليأس والشهادة في حيز مسرحي. فكان ان عمدت المخرجة إلى اختيار 9 لوحات متوازية ومتداخلة مشهدية من حيث سينوغرافيا المشاهد والألوان والتشاكيل، وكذلك من حيث الكوريغرافيا المركبة وتعابيرها المباشرة أو الدرامية، وإلى الغناء والرقص طبعاً والألحان العربية والتراث المقدسي، وضعت كلها في دورة من العنف الاسرائيلي، من الاغتصاب إلى الحصار والاحتلال. اذاً كان على مجد أن تقدم الحادثة السياسية ولكن ايضاً الموروثات المقدسية الفلسطينية بكل قوتها. لكنها كأنما قسمت العمل (برغم اللوحات) إلى جزء أول مفعم بالقوة والتشاكيل والعنف والتعابير القوية والايقاعات المتلاحقة والأحداث المتتالية، وجزء آخر، كأنما انفصل عن الأول واختلى بالحنين والتطريب والرقص... والتمثيل، بحيث بدت فجوات ايقاعية، ردمتها ممثلتان طالعتان ومطرب ممثل ذو صوت جميل، العمل ككل متواز في سياقه، لكن ربما كان يحتاج إلى مزيد من الوقت لصهر العناصر الكثيرة المتضاربة فيه. مع هذا فهو عمل قريب وجارح ونافذ: انه عمل عن قدسنا المهددة من برابرة التوراة.
صدى
- صدى (تأليف مجيد حميد الجبوري، اخراج حاتم عودة، العراق).
هذا العمل الذي سبق ان اخرجه عزيز خيون، ها هو اليوم في رؤية مسرحية جديدة. النص المفتوح على دلالات كثيرة يبدو غريباً (وحقيقياً) في هذا التصادم بين الابن الذي يعود تائباً إلى امه، حاملاً سجادة الصلاة، ونادماً على الجرائم والموبقات التي اقترفها واخوته. وبين الام (الكوراج) الصامدة، (كرمز للعراق) والمنتظرة ربما اللاشيء. الام هذه كأنما رفضت هذه العودة او على الأقل سامحت ولا تنسى او تنسى ولا تسامح، لكن في الحالين، برزت هاوية بينها وبين ابنها الضال الذي عاد. ولم تنفع لا تعذيب الابن لذاته ودموعه وجلده لنفسه ولا التوسلات في ردم تلك الهاوية السحيقة: فالأم خبرت وعرفت ما فعله ابناؤها من أفعال شنيعة وما اقترفوه بحق المبادئ والبلد. وهي كأنها خطوط حمر بالنسبة اليها: والغريب انه كلما حاول الابن العائد الاقتراب وسؤال الصفح ازداد اصرار الأم على موقفها، وربما ليس على مشاعرها: صراع بين الحياة والموت ،بين المبادئ والمشاعر، بين واجب الأمومة وواجب المواطنة...
النص حي إلى حد كبير لولا مباشرة هنا، أو تركز هناك، أو تبسيط في أمكنة أخرى. الممثلان: بشرى اسماعيل وسامر الفحطان عرفا كيف يملآن الخشبة بحضور حي واداء متنوع، وحركة متماسكة، لولا مبالغ في التصويت او نزوع إلى التعابير الميلودرامية. مسرحية سوداء لكن تفتح كوة امل من عيني أم ترفض جنون ابنائها.
قانون تيبي
- قانون تيبي (تأليف جون فيدون، اخراج دزيغا جليكبو، غانا).
تقع أحداث العرض في مقبرة بقرية صغيرة وفقيرة غرب افريقيا، حيث يعيش سيد المراسم الفصيح الافريقي ويدعي تيبي الذي يقوم بمراسم الجنازات اليومية التي يحضرها كل من المعزين والسياح والذين أرسلهم وكلاء السفريات لكي يشاهدوا إفريقيا الحقيقية. ويكتشف تيبي في سياق تكريم الموتى وتهدئة أهل المتوفى ومشاركتهم في مصابهم، محبوبته التي كان قد فقدها قبل زمن طويل، ويبدأ في مساعدتها للخروج من حالتها المزرية. ومن خلال ذلك يتناول العرض موضوعات مختلفة مثل الحرب، والفقر، واللاجئين، والمتاجرة بالرقيق، وبالقمع، والخوف، والجوع، والاستغلال الجنسي، وفي هذا المعنى النقدي يسخر العمل من النظام العالمي الجديد، بعدما سببته العولمة من خراب ومآس. النص تقليدي وتفسيري ومباشر، لكنه حقيقي حتى الجرح. الديكور بسيط جداً صنع بأدوات إفريقية من قصب وطناجر وأوان وملابس. الأداء جاء متنوعاً الى حد ما، ومتشابهاً بين الممثلين، أصابه أحياناً التقليدية الظاهرة، والمحاكاة للمسرح المعروف. لكن الفتاة ورغم محدودية دورها كانت الأقرب الى تلك العفوية الممسوكة باحتراف واضح، وبتميز كبير عمل سياسي اجتماعي يكرر بطريقة أو بأخرى مآسي إفريقيا سواء من الاستعمار الى العولمة الى التخلّف والفقر.
شيزوفرانيا
- شيزوفرانيا (تأليف حسام سنان، إخراج فتح الله المجدوب، ليبيا)، إنه مونودراما بأربع شخصيات، تعبّر عن انقسام الهويّات أو عن الهويّات المتصادمة داخل الفقر. الأنا المنعصمة في لعبة مرضية إسمها شيزوفرانيا فالعنوان مرضي: ذهني، نفسي، سياسي، واجتماعي في أربعة تجسيدات انفصامية. والنص أراد أن يمضي الى الداخل ويتحسس تلك التكاوين، في انفصام1، وانفصام2، وانفصام3، وانفصام4: كل منها يجسده ممثل بحيث يتحول المرض الى حقيقة جسدية. حاول المخرج أن يوزع هذه الانقسامات في أربعة أشخاص. وعلى خشبة شبه فارغة تحرك الممثلون في لوحات، وفي إضاءة مختنقة. هذه المشاهد التي أرادها أن تكون مشهديات عبر استخدامه المظلات في وظائف عديدة، كانت فقيرة في ديكور متشقف. لكن الأدوات التي نجح في استخدامها أحياناً في مناخ إيجابي (نفسي، أو تعبيري)، بدت وكأنها تخدم أداء تقليدياً، يحتاج الى دربة أكثر، وإلى استغراق أكثر في عتمة الشيزوفرانيا، من دون أن ننفي جهود المخرج مع الممثلين الأربعة وائل رزق الشرع، وسيف طاهر الشريف، والمهدي حمد صهر، وخالد عبداللطيف البريسيوي.
أطياف المولوية
- أطياف المولوية (إنتصار عبدالفتاح، مصر)؛ يقدم إنتصار عبدالفتاح في هذا العمل الجزء الثاني من عرضه الخروج للنهار الذي قدمه في قصر الأمير طاز. وقد بدأت فكرته أثناء إعداده طبول فاوست من خلال الجزء الصوفي في فاوست، ثم تبلورت في الخروج للنهار قبل إعداد أطياف المولوية. وقد استفاد فتاح من مصادر عدة كتاب الموتى الفرعوني ومؤلفات جبران خليل جبران... ومعجم مصر القديمة وما يتصل بالأساطير. الكتابة الدرامية لرشا عبدالمنعم. وفي هذا العمل يواصل فتاح تجربته الممتدة منذ الثمانينات شغله على المشهدية السينوغرافية كأساس للغته المسرحية، حيث وظف قصر الأمير طاز لبناء سينوغرافيا طبيعية الخروج للنهار، وفي هذا الجزء الثاني المولوية يواصل بناء رؤيته السينوغرافية. إنها رحلة أسطورية أشبه بقداس صوفي يمزج الواقع بالأسطورة والحكاية والنص والشعر وبعناصر الحياة. وقد نجح إنتصار عبدالفتاح في صهر هذه المواد الأولية الشائعة في عمل متمكن، ذي بنية ممسوكة، وبلغة هي الى شعبيتها تطول الى عمق التجربة المسرحية التجريبية.
الوحش على سطح القمر
- الوحش على سطح القمر (تأليف الأميركي ريتشارد كالينوسكي، وإخراج البوسني دينو مصطفيك، البوسنة). يتناول هذا العرض حياة أسرة توماس التي فقدت جميع أفرادها نتيجة الحرب التركية على أرمينيا فتهاجر الى الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين بعيداً عن الحروب والصراعات، وللتخلص من أشباح الحياة السابقة ورغبة في حياة أفضل. هذه الأسرة مكوّنة من آراما الزوج، ورستا الزوجة. الزوج يعمل مصوراً فوتوغرافياً يلتقط صوراً للحياة ويسجلها، في حين تعمل زوجته ربة منزل، وهي شابة يافعة تواجه مشكلة عدم الإنجاب، مما يسبب للأسرة ألماً بالغاً. فالأسرة تحلم بعائلة كبيرة يملؤها الحب الذي يكسر حواجز الماضي. وها هي تتبنى طفلاً مشرداً ذا أصول إيطالية. وتحاول الأسرة استحضار أشخاص فقدتهم، عبر صورة فوتوغرافية كبيرة وضعت في مؤخرة المسرح لأشخاص قطعت رؤسهم باستثناء شخص واحد هو رب الأسرة أراما، الذي يحاول وضع الرؤوس على الأجساد في الصورة... والحقيقة.
تعامل المخرج مع النص بطريقة تقليدية كلاسيكية من حيث حركة الممثلين، والسينوغرافيا المتقصدة، وبإضاءة شبه ثابتة (للإنارة)، وبألحان، وبخلفيات موسيقية بدت فولكلورية بوسنية أكثر مما بدت خادمة لدرامية مؤثرة، وكان يمكن اختزال الكثير من النص، والمونولوغات السردية اللفظية (الروائية)، وتشابك الحوارات، وتصادم حتى عناصر العرض، ليكون كل ذلك عملاً لا يضيف شيئاً لا من حيث الرؤيا ولا النص ولا البنية السينوغرافية أو الأدائية.
الندوة الفكرية
أما الندوة الفكرية فقد استمرت أربعة أيام ضمن عنوان المسرح السياسي وثلاثة محاور.
المحور الأول مسرح الصحف الحية أداره د. هاني مطاوع، وشارك فيه أحمد سخسوخ (مصر)، إلكسندر هيلغر (البرازيل)، بول شاوول (لبنان)، جون إلسم (إنكلترا)، عادل الباز (السودان) ولويجي موازاتي (إيطاليا).
أما المحور الثاني المسرح الملحمي الجذور والتكوين أدارته نهاد صليحة، وشارك فيه خوسيه لويس غارثيا (إسبانيا)، ديدي لونيل سيسور (رومانيا)، سالم الدهام (الأردن)، ستيفن جرين بلات (أميركا)، سعيد الناجي (المغرب)، عبدالكريم عبود عودة (العراق)، كاي فوشيك (ألمانيا) وهنا عبدالفتاح (مصر).
المحور الثالث المسرح الوثائقي الأصول والتجاوزات أداره الدكتور أحمد زكي وشارك فيه باولو روفيني (إيطاليا)، بوزينا ساويكا (بولندا)، حسن عطية (مصر)، حفناوي بعلي (الجزائر)، كارول مارتن (أميركا)، نيكولاس جونسون (إيرلندا) وهيثم يحيى الخواجة (سوريا).
وسنعود لاحقاً الى متابعة هذه الندوات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.