8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي العشرين (3)

ـ طبول (إعداد كريستيان كوبلكا وإخراجه، بولندا).
تماشياً ربما مع ظاهرة الاستنساخ البشري والحيواني وحتى النباتي، ها هم البولنديون يحاولون استنساخ انسان جديد من أطراف وأعضاء انسان آخر (حواء خلقت من ضلع آدم)، فعلى مساحة واسعة شبه فارغة، ومعدومة المؤثرات الضوئية والسينوغرافية، تحتل الفرقة الموسيقية الركن الخلفي، لترافق بموسيقى تصويرية، مراحل استيلاد المخلوق، الجديد التي تنفذها مخلوقات أيضاً، وبعد المقدمة الموسيقية تبدأ عمليات التوليد هذه، من الأعضاء ومن مواد أخرى... شبيهة بصنع الدمى والعرائس. إنها المعجزة التي تنتمي الى العالم الانساني هذه لا الى العالم الالهي، والى سفر تكوين بشري برعاية بشرية وليس برعاية ربانية. انه الانسان الذي يخترع انساناً على وقع الطبول والآلات الموسيقية، وبحركات تقترب من الأداء الراقص أو من الايماء أو التمثيل الصامت، من دون أي حوار. مصنع دمى بشرية، بأيد غريبة بشرية أيضاً. إذاً الفكرة قديمة ونتذكر فرانكشتاين صنيعة المختبر الطبي، ونتذكر أيضاً صنع الدمى والعرائس. بل أكاد أقول ان التعامل مع الكائن المولود وتحريكه يشبه الى حد كبير تحريك العرائس والدمى. إذاً الفكرة قديمة، ولكن المفارقة انها تبدو هنا في غاية البدائية والفطرية والبسيطة: كأنه لعبة أطفال. او كأن المسرحية مؤثرة أيضاً في الأطفال، حتى في أدواتها: استخدام مناخ السيرك، والخفة، والرقص، والموسيقى، بسذاجة مضحكة. ونظن انه لو تكونت المسرحية تكويناً كوميدياً لكان أفضل. إذاً عمل ساذج، لكن تردفه تقنيات عالية في العزف الموسيقي، وفي الحركة الجسدية، وقتها، ومدلولها، مما جعل الايقاع مشدوداً. ولكن كل هذا الجهد لكي تختم المسرحية بتفكيك الدمية ـ المخلوق، وكأنه مجرد شيء! خلق شيء سمي مولوداً. وهذا ما رأيناه وقرأناه في العديد من العروض المدمجة للأطفال، أو العروض التربوية، وربما كان التفكيك الذي هو علامة هشاشة المخلوق المركب أو المخلوقين المركبين: امرأة ورجل (آدم وحواء)، يعني إصابة للجوهر الانساني ـ الميتافيزيقي الذي يشبه أسفار التكوين والخلق. قد تكون هذه النقطة (إذا كانت من ضمن قراءة الفرقة) رسالة عبثية الى عالم: رسالة خواء وعدم في تكوينين: البشري الطبيعي والبشري ـ المخبري.
خالتي صفية والدير
ـ خالتي صفية والدير (عن نص بهاء طاهر ومسرحة وأشعار حمدي زيدان واخراج محمد مرسي ـ مصر).
أظن ان هذا العمل كان، بالنسبة إليَّ، إحدى مفاجآت المهرجان الايجابية بالطبع. فالمسرحية طالعة من رواية بديعة لبهاء طاهر. ومسرحة الرواية ليست بالأمر السهل، لا من حيث تحويلها دراما وحواراً ومشهداً، ولا من حيث استنباط حلول إخراجية من النص ذاته. وهذا ما فعله مقتبس العمل حمدي زيدان، والمخرج محمد مرسي. بمعنى آخر، لمسنا ان مختلف الصور الدرامية على الخشبة مستقاة من احتمالات النص، ومن شقوقه، وحتى من متونه.
وهذا يعني ان المخرج لم يعتمد بهلوانات مشهدية، ولا ايقاعية، ولا موسيقية ولا حركية ولا غنائية من خارج مناخات النص. وهكذا التقى قراءة المخرج والنص بمخيلة اخراجية طاولت مختلف العناصر.
القصة كأنها تشبه مسرحية زيارة السيدة العجوز التي عادت الى بلدتها لتنتقم ممن أهانوها وظلموها في صباها وطردوها من بيتها الى أمكنة بعيدة. الخالة صفية وتحديداً القنصل الواسع الغنى، والمتقدم في السن والذي تزوج مرتين ولم ينجب، الذي يتزوج الخالة صفية التي كانت ستقترن بالشاب حربي. ومن خلال تصوير المجتمع الريفي بعاداته وتقاليده وجوانبه الاقتصادية والانسانية وقيمه، يحدد الكاتب بؤرة التفجر، عندما خطر للقنصل بعد انجابه طفلاً من صفية بأن حربي (وهو خاله) يسعى الى قتل وليده طمعاً بالارث، مما حمل القنصل الى ضرب الشاب حربي بعد اتهامه بنية قتله لابنه، وتعذيبه، مما حمل الشاب الى حمل البندقية وإصابة القنصل زوج صفية إصابة قاتلة، ربما خطأ. وهذا ما بلبل البلدة، وجعل صفية تصر على قتل حربي انتقاماً وتماشياً مع تقاليد الثأر. وبعد حبس القاتل خمس عشرة سنة، يخرج من السجن ويأوي الى الدير هروباً من ثأر صفية. وعندما يصيب القاتل الهارب المرض والوهن الشديدين، تثور ثائرة صفية، لخشيتها أن يموت قبل بلوغ ابنها ليتسنى له الثأر لأبيه. لكن حربي يخيب أمل صفية ويموت في الدير. وهنا المفاجأة: ان صفية وقد أمرضها الحدث تعلن انها تريد ان تتزوج من حربي... قبل وفاتها! انها مفاجأة أو خلفية مضمرة لرد فعل صفية على حبيبها الأول.
من هذه الأحداث صاغ المخرج حلولاً مبتكرة وعلى غير ادعاء: قسّم المنصة الى خلفية أو خزانة للذاكرة والراحلين يقفون خلف ستار شفاف. وفي الوسط مجريات الحدث وعلى الجوانب ما يشبه الكورس أو ناس البلدة الذين يتناوبون أدوار رهبان الدير والمشايخ. وعلى الطرف اليمين الراوي العجوز الذي يتذكر، وعلى الطرف اليسار الراوي شاباً في البلدة. وفي هذا الفضاء السينوغرافي المقسم تقسيماً واضحاً، تحرك الممثلون مجاميع وأفراداً. وقد عرف المخرج بحساسية بالغة كيف يحرك الشخصيات، وكذلك المجاميع، وكيف يستخدم الموسيقى كخلفية تعبيرية ـ درامية، تكثف المناخ وتضيف ما تضيفه من مناخات عنيفة أو ميلودرامية أو حادة. الخلفية الموسيقية جزء أساسي من البنية الدرامية. وهذا ما يمكن قوله على الطقوس والأغاني والأشعار، التي أوحت، بواقعيتها وكذلك بجمالياتها، عن الجهد البحثي الذي قام به المخرج ومصمم الرقص من دون الوقوع في الفولكلور المجاني، أو في التزويق الهش. وهذا ما جعل الايقاع مشدوداً: بين العلاقة بين الحوار والأدوار والحركات والتمثيل الصامت والرقص وإعادة الصوتية اللحنية، وجعل البنية (وهي الايقاع) على توازن حي. وهذا أوحى استرجاع أو إحياء أجواء حنينية شعرية (في السينوغرافيا) وفي العناصر الأخرى، وكذلك أجواء الريف المصري السالفة. وعلى هذا الأساس تقدم العرض وكأنه رسالة تسامح كانت سائدة بين المسلمين والنصارى، وامتزاج العادات، والقيم. بل كأن العمل نشيد حب معلن بين تلك المكونات الريفية، ربما قبل ان تدخل سوسة الشقاق الطائفي وتنتشر هناك، وإن بلغة مثالية أحياناً، وهذا هو المطلوب في مثل هذه الأوضاع المعيشية، في الماضي، واليوم.
خالتي صفية والدير عمل ممتع بصرياً، وإيقاعياً، ودرامياً، وأداء سواء على مستوي المجاميع أو الأفراد. لحظة جميلة في المسرح المصري والعربي الراهن.
ليلى والذئب
ـ ليلى والذئب (تأليف فارس الذهبي، إخراج باسم عيسى، سوريا). هذا العمل لم يكن رسمياً في مشاركته، ولا في إدراجه في المسابقة. وهذا ما أثار لغطاً خصوصاً لدى الفرقة السورية التي تمثل سوريا رسمياً. وبعيداً من هذه الاشكالية التي ما كان يجب أن تضخم، تقدم العمل بعقل حداثي، وبصورة تقنية، لقصة أطفال معروفة وقديمة: الذئب الذي يلتهم ليلى بعد خداعها بمكره وبوحشيته. هنا التأويل يختلف، وقد لا يكون الصراع بين ذكورية وأنثوية، أو بين الرجل الذئب ـ والأنثى الضحية، كإحالة على واقع المجتمع العربي. بحيث فرغ النص الأصلي من تأويلاته التربوية والطفولية ليكتسب دلالات جديدة طالعة من قصة حب بين شاب وشابة تواجه مشكلات لكن يتم تجاوزها. فالذئب هو الحبيب المنتظر وليلى هي العروسة المقبلة. ضمن هذه القصة البسيطة خرج المخرج بحلول تقنية قد تكون تحددت عموماً، بالتلفزيون، أو الشاشة، كأمكنة، حلت (ربما) محل الديكور والخشبة. (استخدمت هذه الطريقة ببعض المسرحيات السورية). الشاشة هي الخلفية المسرحية الأخرى، أو المرادف المكاني والزماني. وإذا كانت هذه الحلول المحدودة ساعدت على تحريك الممثلين والأحداث فإنها في الوقت نفسه أوقعت العمل بارتباكات. لكن يبقى العمل عملاً، نص وممثل ومخرج. بمعنى ان هذه التقنيات المستخدمة لم تشكل عبئاً سينوغرافياً، أو أدوات مجانية على هامش العمل. فالاضاءة محدودة الدور كأنها للانارة. والموسيقى تلعب أدواراً يشوبها أحياناً التزويق الايقاعي. وهنا يأتي دور الممثلين الأخوين (كما عرفنا) باسم عيسى وراما عيسى، اللذين شكلا ثنائياً منسجماً، نوع في اداءاته، بحيوية لافتة. وتمتعت راما عيسى بحضور لافت، وببراعة، وبعفوية في آن واحد، وتمكنت من ملء دورها على امتداد مساحة العرض.
تشيللو
ـ تشيللو (عن سوناتا الجنون لجواد الأسدي، إعداد سينوغرافيا وإخراج عروة العربي). هذا العمل من أكثر الأعمال المركبة، سواء على مستوى الشخصيتين النسائيتين الوحيدتين، أم على مستوى السينوغرافيا والاضاءة والحركة والفضاء المسرحي. وهذا ما وفر للعمل مجالات تأويل مفتوحة للدلالات المتعددة المستوى، كأنه صراع بين امرأتين كأنهما توأم، ولكن توأم على تشابك هواجسه أصابه خلل في العلاقة، وفي المعطى الاجتماعي، والشعوري، وحتى الانساني. هو توأم يتنافس بضراوة. وهنا غرض المنافسة أو غامض او محدد بالتباس، أو عاطفي أو مرتبط بمكونات الشخصيتين، العنيفتين: عنف المرأة هذه المرة لا عنف الرجل. عنف امتلاك المرأة لا عنف امتلاك الرجل. وكأن المخرج أراد بهذا كسر الصورة النمطية للمرأة ـ الأنثى السلبية الى صورة متفجرة للمرأة ـ العنيفة الهجومية، ومع ان السينوغرافيا المحدودة بسريرين في مكان غامض، إلا ان توظيف هذه الاداة توظيفاً متعدداً، أعطاه أبعاداً وأحجاماً مفتوحة، إضافة الى الموسيقى والايقاع القوية الوقع والجلبة والأثر. ومع ان المؤثرات الموسيقية القوية والمتتابعة وكأنها تحرك العمل من داخل عنفه، إلا ان الأساس ارتبط بحضور تمثيلي جسدته نجاح مختار وجيانا عيد (بمشاركة علاء ديار بكرلي، وأحمد كيكي وإيهاب شعبان). وهذا ما حمل الممثلتين الشابتين وزر العمل المركب، والحوار المتشابك، والحالات المتناقضة. وقد أجادت الممثلتان في تجسيد هذه التناقضات والاعتمالات الداخلية، وأشكال السلوك العنيفة، ولحظات الضعف، بقوة هنا، وبرقة هناك، لكن كان يمكن تخفيف الصراخ الذي تكرر أحياناً بسبب وأحياناً بلا سبب. كما تكررت جلبة الموسيقى وقوتها، وأحياناً، لتفقد تأثيرها الايقاعي المطلوب.
عمل طموح، مقنع، يحتاج الى بعض التشذيب والى بعض الصمت... والى جلبة أقل!
قهوة سادة
ـ قهوة سادة (صياغة وإخراج خالد جلال، مصر).
عمل يبدو ارتجالياً، لكنه اسكتشات متفاوتة الطول، من تيمة مركزية عدا اسكتشات متفرقة ساخرة تنتقد بعض الظواهر السياسية والفنية، وترثي الزمن الجميل. وقد يكون بعض ملامح جامعة على وهن، ذلك الحنين الى الماضي والذي يتخلله رثاؤه وتستتبعه نظرة داكنة للأوضاع الراهنة. العمل من نوع الفودفيل أو مسرح الكباريه الذي عرفته بيروت جيداً في السبعينات وحتى اليوم: ثمة غياب ما هو رائع وأصيل وحضور ما هو رخيص ومزيف: التناوب ميز العرض الساخر. وقد تعرضت الاسكتشات ويتناول سريع، فلاشات، ظواهر انحدار الغناء، والسينما، والسياسة، والاقتصاد، ورجال الأعمال، والفتاوى...
التفاتات قد تشكل عرضاً شعبياً نظيفاً، لكن لا تشكل عملاً مسرحية: المسرحية واهية، والممثلون (وهم بارعون) يقدمون برامجهم أكثر مما يؤدون أدواراً. عمل شعبي رشيق وجريء. لكن المهرجان التجريبي ليس مكانه المناسب.
العميان
ـ العميان (تأليف موريس مترلينك، إعداد لينا أبيض ورشيد الضعيف، إخراج لينا أبيض، لبنان). عرض جمالي بامتياز. السينوغرافيا سواء بالملابس أو بالفضاء الذي يتحرك عليه الممثلون، كأنها لوحة تشكيلية متحركة (أو ثابتة). وعندما نقول سينوغرافيا جمالية فلكي نقول انها موظفة في خدمة الدراما. فالشخوص، أي العميان، الجالسون، أو الواقفون، أو المتحركون، كأنهم، بألوانهم، وماكياجهم، جزء حي من تلك اللوحة البانورامية الاخاذة. وهذا لم يؤثر لا على حضور الممثلين الذي بدا قوياً، ولا على المسرحية عموماً: العميان تركوا المأوى بقيادة قس أعمى ومريض، للتمتع بالشمس قبل مجيء الشتاء. وفي منتصف الطريق يكتشفون ان القس الأعمى الذي يقودهم قد اختفى، ليكونوا في دائرة الضياع. انها الفكرة، وقد تكون إحالة على أوضاع سياسية يقود فيه الناس عميان قصيرو النظر يتركونهم معلقين في ضياعهم. ربما هذا هو المعنى الخلفي، وفي هذا الاطار يضطرب العميان ويساورهم القلق، والخوف، واليأس، في جو ديني طقوسي في الموسيقى أو حتى في الملبس أو الحركات لكن من دون مبالغة. وقد عرفت لينا أبيض كيف توظف اللون الطاغي في الدلالة، وكيف تتعامل مع حالات الجمود (الجلوس) والعجز (الركون) واليأس: بعض التناقض بين العميان، ومن الحركات الجماعية ذات المشهديات الدينامية. كما عرفت كيف تحرك المجاميع (والأفراد)، والمسرحية مجاميع، من دون الوقوع في الرتابة والبلادة والتكرار (التكرار كان حافزاً لتكثيف الايقاع)، وإن وقع بعض الممثلين في التشابه من حيث اعتماد طبقة متقاربة من الاصوات... أو من أوضاع متشابهة من الأوضاع، مع هذا، لينا أبيض والمجموعة، نجحوا في تقديم عمل مميز، يمكن إحالته بسهولة على واقعنا الأعمى! لكن بدا ان إعداد النص أفقده الكثير من شعريته وقسوته ورمزيته وشيئاً من لغتها الدرامية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00