8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الدورة العشرون لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي(2)

قصة الفراشة العذراء
ـ قصة الفراشة العذراء اخراج وليد عوني (مصر)، انها قصة فيلم صامت (من أيام زمان) بالأبيض والأسود. ذلك الفن المؤسس للسينما قبل النطق وقبل التكنيكولور وقبل هيمنة التقنيات على الفن السابع. ضربة حنين. علاقة وفاء. إشارة امتنان الى الزمن الجميل. ربما كلها. ولكن وليد يدخل السينما في المسرح، والمسرح في السينما: حتى لتكاد تختفي الحدود بينهما. بين المنصة المباشرة وبين الشاشة الفضية المغبشة من قدمها، وبين الكاميرا. وما وراءَها، وما أمامها. من معجزة ومن سحر. وبين المسرح من حضور انساني حي، لا يتكرر، وهنا كرره وليد عوني لكن من باب الأيهام المسرحي. والقصة، هنا، كمعظم قصص ذلك الزمان، قصة حب. ووفاء وحزن. وموت. ودم. ويا خرابي.
إذاً وليد عوني يستنسخ السينما الصامتة، عبر قصة الحب. يُحييها، بصعوبتها الادائية الابتدائية، وبمفتتحاتها التمثيلية الأولى الخارجة أصلاً من المسرح: وكأن عوني يقول: من مسرح السينما الأولى الى المسرح اليوم: اقتباس الجسد بحركاته، كما عهدناها، وبإشاراته، الصامتة، وحركاته الناطقة باللاكلام. ومبالغاته. وهو اقتباس ليس بالسهل على ممثلي المسرح اليوم: عالم كامل من طريقة الاداء انقضى وها هو يستعاد، ليس بأسلبة معاصرة، وإنما بمادته الأولى. وعلى الممثل المسرحي ان يجمع بين تقليد ذلك التمثيل والابداع عليه، ليضاف الى ذلك العنصر الموسيقي ـ الغنائي (التطريبي) مع سيد درويش ومنيرة المهدية وأم كلثوم... وقد لعب دوراً أساسياً في إعادة تكوين ذلك المناخ القديم حيث كانت الموسيقى العنصر الأساسي في صوغ ملامح تلك المرحلة مع المسرح. كل ذلك على خلفية قصة فطرية لطالما تكررت في السينما المصرية والعربية والعالمية: الميلودراما بكل عنفها وضعفها وهشاشتها وجنونها، والمفتوحة على الحب الشغوف، والعنف، والقيم القديمة من العار، الى الفضيحة، والغيرة، والانتقام، والجريمة، والمخدرات... والدموع المدرارة، والصراخ والتناقض: عالم قديم نحن إليه لأنه يشكل بدايات كثيرة كتحرير المرأة مع دعوات قاسم أمين وجرأة صفية زغلول وهدى شعراوي. لكن أين الرقص في كل هذا، هنا المعادلة الصعبة: المعروف ان التمثيل الصامت يبدو أحياناً كثيرة في حركاته الجسيمة وكأنه فرع من فروع رقص: إيقاعات، وإشارات. لأن السينما الصامتة هي لغة الجسد أولاً وأخيراً. ومن هذه اللغة تقاطع كما يبدو لنا، (ومن خلال التقنيات البدائية) وكأنه رقص يعبر عن كلمات، او يفسر كلمات، تظن حواراتها في شريط يترجمها. الكلام كان يترجم الحركات. وهنا بدت لعبة وليد عوني مزدوجة بأن يحافظ على إيقاعات التمثيل الصامت ولكن أن يلامس فيها أيضاً حركية راقصة، لا تعبر فقط عن المضمون، وإنما تستبطنه اليوم كالمسرح. وهنا المسرحة بالذات، ليس فقط من خلال الوصلات الراقصة، وإنما أيضاً عندما تمتزج تلك الوصلات بحركات الأداء لتشكلا بنية ممسرحة، تجعل من عمل وليد عوني عملاً تجريبياً مسرحياً بامتياز. ولن تكون الشاشة المقتبسة التي تفصل القاعة عن الخشبة (السينمائية ـ المسرحية) عنصراً مانعاً للمسرحة بقدر ما تبدو عنصراً مسرحياً: وقد استخدم الشاشة الفاصلة بين الجمهور والمنصة عدد من المسرحيين كجواد الأسدي والفاضل الجعايبي...
لعبة تجريبية صعبة تتقاطع مع فنين مختلفين لكن لتحول الفيلم الصامت الى مسرحية صامتة. والمسرح الصامت معروف على امتداد الحداثة المسرحية: من المسرح الراقص، الى التمثيل الصامت، الى البانتوميم... وهذا ما فعله وليد عوني بكيميائية دقيقة، وبمغامرة خطرة... نجح في تجاوزها، ليقدم عملاً جميلاً، رائعاً، حنينياً... وقد برع الممثلون في تأدية هذه الاقتباسات السينمائية الصامتة على المسرح: بل تلك التماهيات، ببراعة، وقوة، كسالي أحمد (في دور زهرة ـ حبيبة)، وماجد المهندس في دور الكابتن أنور... من دون أن ننسى فرقة الرقص المعاصر المصرية.
فجأة لم يهطل المطر
ـ فجأة لم يهطل المطر، تأليف عبدالله السعداوي وإخراج ابراهيم خلفان (مسرح الصواري، البحرين). ها هي فرقة الصواري تعود مع المسرحي الشامل عبدالله السعداوي الذي قدم وفرقة الصواري، أعمالاً طليعية، غير مألوفة، ومجترحة، وكاسرة، وغاضبة، وتجريبية في صيغ عديدة: من طقوسية كاشفة (وعارية) الى تجارب صارخة بتحريضها (واستفزازاتها) وتحطيمها البنى المسرحية العربية السائدة. كأن مسرح الصواري، البحريني، كان دائماً على موعد بنفي ذاته، وتجديد تناقضاته، وتنويع تجريبياته. فجأة لم يهطل المطر، عمل مختلف عما قدمه الصواري سابقاً من حيث الشكل، لا من حيث المضمون الجارح، المعري، المعلن، الفاضح، الصارخ، المتفجر، إنما هنا، من خلال المواجهة المباشرة بالعنصر الأساسي الممثل، والنص، والخشبة شبه العارية، بأدواتها المقتصدة. كأنما تحسها أحياناً لحظات بيكيتية، أو يونسئوية أو من قسمات هارولد بنتر (من مسرح العبث الى مسرح الغضب)، لكن تحس ان تلك اللحظات معجونة ومجدولة بنفس عبدالله السعداوي، ذلك الهامش الجميل (مع بعض رفاقه القدامى ـ الجدد كخالد الرديعي). ولهذا يمكن القول ان النص هو مجموعة لحظات، ومجموعة منصات، ومجموعة حالات ملتبسة في علاقتها وأواصرها: ليست نصاً تقليدياً معمداً بوحدة بنائية، بقدر ما هو نص يتناسل في نصوص، أو نصوص تتذاوب في نص يجمعها حكماً نبرة واحدة وضربة كتابية واحدة، وصرخة موصولة (بوصلات عدة) واحدة: هذايانات؟ أكثر! تقاطعات؟ أكثر استشرافات؟ ربما أكثر! انها تفجر الكائن ازاء الواقع المتراكم على ذاته كالموتى، بل هو صيحة في وجه الميت في حياتنا. والقاسي. والغاشم. والقاتل. والمعذب. والظالم. والطاغي. والمتكلس. والمحنط. والمكدس كالقاذورات في أجسامنا وضمائرنا: انه العالم الذي، في رسمه نهاياته، يرسمنا كاشارات عابرة في نهاياته، يطحن أحلامنا، وآمالنا، وحتى احتجاجاتنا. وقد قالها السعداوي بلغة درامية، متقشفة، من غير تزويق، ولا بهرجة ولا بيان، ولا خطابية (ما عدا بعض المحطات).
إذاً مسرحية نص أولاً واخيراً. العرض قائم على الكلمة لا على السينوغرافيا أو الكوريغرافيا أو التقنيات الجمالية لنا اضاءة وديكور وأزياء... وماكياج. لا شيء سوى الممثل هنا على منصة شبه عارية (بأدوات قليلة موظفة جيداً): كأن الرحلة التي تشق الذات (كلحظات تذكر) أو التاريخ (كمد شرس)، والواقع (كمعطى ثقيل) لا بد وأن تكون عارية: وحده الممثل هنا ناقل رسالة النص وتأويلاته وتفاسيره واستبطاناته. وهنا بالذات يأتي دور المخرج ابراهيم خلفان، وان تماهى بالنص الى حد شرحه أحياناً، لكنه أوجد تماثلات اخراجية عند الممثلين حسن منصور واسحاق عبدالله، وأكثر من تماثلات: بنى ابراهيم خلفان نصاً اخراجياً على نص السعداوي: (ومتى كان الاخراج تفسيراً ببغائياً للنص): المعادل الاخراجي برز في اختبار المنصة العادية، وجعل الممثلين يختزلان كل شيء في مواجهة مباشرة مع المتفرج. وهنا بالذات تبدت لعبة موت الشخصية أو حتى موت الدور في هذا العمل، أي موت الهوية الثابتة المحددة للممثل، بحيث التبست الشخصية المتحولة بالدور المتحول بالممثل الجامع لهذه التناقضات. وهنا يزول الفارق بين موقع ممثل ـ دور، وآخر، إذ بدا الممثلان وكأنهما واحد (توأم) يتبادلان كل شيء، ليقولا في النهاية ان العالم فرد واحد يختزن كل الأفراد.
وقد عرف المخرج كيف يشكل عبر الممثلين حالات متداخلة، ومتنوعة، وغزيرة، وكاسرة، ومقلقة، ومستنفرة. وهنا لا بد من القول من أن حسن منصور واسحاق عبدالله أجادا في هذه اللعبة المتداولة، وفي هذه الاندماجية (الفروتوفسكية ـ الارتووية) في الحالات وفي الأدوار المتعاقبة والمتنافية. لقد تمكنا من السيطرة على كل هذه التنويعات الادائية، واللحظات المتفجرة، بتعابير طلعت من داخل الجسم ومن داخل الاحشاء (هنا نتذكر ستانسلافسكي). لقد تقدما على امتداد الساعة تقريباً بكل قوة، وبكل خروج على النمطية، لولا بعض المبالغات أحياناً، والتشنجات، والطرفات التي كانت تحتاج، لكي تكون مسرحية، الى مزيد من التمرين والتأهيل الصوتي، عمل جميل لمسرح الصواري، وممتع. وقاسٍ!
الذي أعرفه عن الحرب
ـ الذي أعرفه عن الحرب (تأليف وتمثيل مارغو لي شرمان واخراج اندريا مادوكس، أميركا)، عمل مونودرامي يسرد ذكريات الحروب. امرأة آتية من ذلك العالم القاسي تروي على امتداد ساعة وحدها ما شهدته من مآسي في العراق (وسواه)، ومجازر وآلام وجنون ووحشية. الكلام حر في انسيابه عن موضوع معروف، وشبه موثق في وسائل الاعلام كافة وحتى في الكتب والكراريس والمراكز الاعلامية والسياسية. ولأن الموضوع بتجسداته المريعة، تفصيلاً وعموماً، في المتناول، فإن السرد هنا لا بد ان يلقى صعوبة في التقديم، أو الأحرى طريقة التقديم. ومع ان العرض مبني على قصص مأخوذة من مصادرها الأولى من الجنود الأميركيين. وهكذا يقدم العرض وهذا ما يميزه خمس عشرة شخصية تندرج من فتاتين تبلغان التاسعة عشرة. تغادران وطنهما للمرة الأولى لتخدما في العراق وتقتلان على يد أحد الجنود، الذي يعيد النظر بقناعاته ومعتقداته بعد صحوة سجن أبو غريب، فيتحول معارضاً يدله ضميره الى الحق، ومناهضاً للبربرية العسكرية.
هذا المضمون قدمته الممثلة الأميركية (صاحبة النص) ولكن بدا بارداً، وجامداً، ونمطياً، لا سيما في غياب أي لجوء الى مؤثرات أو أدوات سينوغرافية. كان يمكن التعويض عن ذلك بأداء أكثر تنوعاً، وجوانية، وحيوية، وإيقاعية. والصوت هنا بدا رتيباً، كأنما اختار الالقاء العادي والحيادي بدلاً من الاداء الدرامي.
الجرة
ـ ومن الأعمال التي قدمت الجرة (تأليف وإخراج سالم المنصوري، قطر). والعرض عبارة عن صرخة للعالم بما يحدث من حروب ونزاعات بين مختلف الدول. ويحاول المخرج والمؤلف سالم المنصوري ان يجمع بين الواقع والخيال باستحضار شخصية أسطورية وخيالية (أبو دريا)، وشخصية واقعية (أبو علي النهام) ومحاولة المزج بينهما. والجرة عبارة عن (الاناء الفخاري) المغلق والمحاولة المستميتة للخروج منه (كأنه قمقم) حتى يعيش العالم بسلام.
يشترك في العرض كل من محمد علي، علي الله البكري، ندا أحمد، عبد الرحيم صالح ونايف مصلح. وتتكون سينوغرافيا العرض من أقمشة كثيرة استخدمها المخرج في كل مكونات الديكور.
قصة حب الفصول الأخيرة
ـ قصة حب الفصول الأخيرة (تأليف نبيل الخطيب، ترجمة ماري الياس، وإخراج نبيل الخطيب، الأردن). يدور العرض حول ثلاثة أصدقاء (امرأة ورجلان) يلتقون بعد فراق عشر سنوات. ثم يقررون كتابة مسرحية أو قصة تحمل في عناصرها سيرة كل واحد منهم، دوره أو شخصيته في حكاية حب حدثت له. ينتهي العمل دون كتابة حكاية واقعية واحدة، لأنها مأخوذة من ذاكرة ناقصة تشبه حال المدينة التي يعيشون فيها... وفي النهاية ينتحرون جميعاً.
طايشونة
ـ طايشونة (عن بلاد أضيق من الحب، سعدالله ونوس، وإخراج حفيظ البدري، المغرب): حسان ومريم رجل وامرأة هاربان من جحيم ذكريات حزينة وحاضر قاسي. هو كاتب هارب من جحيم الأسرة والأولاد بعد ان انقطع الخيط بينه وبين الحياة بعد اصابته بالسرطان. وهي رسالة هاربة من صفقة زواج ظالمة ومن وطأة ذاكرة مثخنة بجراح عميقة. تجمع بينهما قصة حب... مكتفين بقبلة أو بابتسامة تعينهما على عبور حالتيهما الصعبتين.
أعمال أخرى
ومن الأعمال التي قدمت أيضاً الرقص مع الطيور (تأليف شادي عاشور واخراجه، السعودية). تدور فكرة المسرحية حول المرضى النفسيين كيف ينظرون الى أنفسهم والعالم من حولهم وكيف يعبرون عن حالاتهم وعن الأحداث المحيطة بهم. وكذلك مولانا الوالي عاش عاش (من تأليف وإخراج فيصل علي، اليمن): يحكي العرض عن واقع الحال المزرية التي تعيشها بعض الأنظمة التي تدعي الديموقراطية واحترام حقوق الانسان في صياغة كوميدية.
ومن اليمن أيضاً المزاد تأليف أحمد عبدالله سعد وإخراج قاسم عمر، ويدور العرض حول الصراع بين الخير والشر من منظور تعبيري تجريبي. وقدمت أيضاً مسرحية بريق في الظلمة (تأليف أمل السابعية، وإخراج يوسف البلوشي، سلطنة عمان). يصور العرض الصراع بين القبح والجمال، من خلال اختطاف أميرة وسوقها الى كهف الجن بعدما أعجب بها الجن الأكبر وهنا تكشف القوى الخارقة للجن الأكبر لاستغلالها من الخروج من الأزمة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00