8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة الدولي العشرون للمسرح التجريبي (1)

الدورة العشرون لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي تذكرت بحب وتقدير ووفاء المسرحي المصري الذي رحل قبل عدة أسابيع، المخرج والباحث والممثل سعد أردش. وأردش واكب المهرجان منذ دورته الأولى، مشرفاً ومشاركاً في جميع الندوات الفكرية، والذين تابعوا دورات المهرجان يعرفون كم يفتقد سعد أردش، أحد رواد الاخراج الحديث في مصر، وكم كان حضورره قوياً، وشفافاً، بحيث ترك فراغاًً كبيراً بعد رحيله.
في دورته العشرين، يكمل المهرجان عقدين مليئين ومن دون انقطاع، ليكون ومهرجان قرطاج المسرحي، من المهرجانات العربية التي لم تتوقف أو تنقطع منذ قيامها.
وفي المناسبة هذه، كان يمكن الاحتفال، لكن الافتتاح جاء متقشفاً ومعبراً في الوقت ذاته، من دون كثرة ضوضاء، أو جلبة، وإنما ضمن البرمجة العادية.
المفتتح استهله الفنان انتصار عبد الفتاح بتقديم وصلة تعبيرية راقصة ارتكزت على فكرة توالي الدورات العشرين، بما اكتنزت من طاقة للفنون وأثر وقدرة، على التنوع، وعلاقة بالناس وانتظارات لها، أي للمناسبة، بما تمثل من فضاء يجمع بين حساسيات مختلفة، لم يعمد انتصار عبد الفتاح الى تراكيب فنية معقدة، وإنما بسلاسة لكن بنفاذ، قدم عرضاً قائماً على المهارات الجسدية والحركية الراقصة، مختاراً للممثلين اللونين الأسود والأبيض أزياءً، للتعبير عن الصراع الأبدي بين الأفكار والفنون والابداعات.
وبعد انتهاء هذا المفتتح التعبيري، قدم المشاركون في الندوة الفكرية على الخشبة، ومن ثم أعضاء لجنة التحكيم وهم: جان تيفاني رئيساً (فرنسا)، وغابرييلا سينور بانكزيل (رومانيا)، وغريغوري مارتن (أميركا)، وريناتو نيكوليني (إيطاليا)، وأحمد سخسوخ (مصر)، وفؤاد الشطي (الكويت)، وفرانسيس ألبين (كندا)، وكوربوفا ليودميلا (روسيا)، وهانز كروسينجر (ألمانيا)، ووليام هوبتسهومن (الصين)، وردولفو أوبريجون (المكسيك).
وبعد المشاركين في الندوة الفكرية وهي تحت عنوان المسرح المستقل، ولجنة التحكيم، قدم اللى المنصة المكرمون وهم ميشال برونية (فرنسا)، وفتحية العسال (مصر)، ورولاندو أرنانيت (كوبا)، وفوتيشيخ فيتوتسكي (بولندا)، والراحل سامي خشبة (مصر)، ومحمود عزمي (مصر)، وعبد القادر اليدوي (المغرب)، وعلي مهدي (السودان)، وريتشارد كيرشو (انكلترا)، وماريلو براتي (إيطاليا)، ولي بريرو (أميركا)، وأوليفر كيميد (كندا)، ورولاندو أرنانديت خايمي (كوبا)...
بعدما اكتمل عقد المقدمين صعد وزير الثقافة الفنان فاروق حسني وسلم على أعضاء الندوة والمكرمين ولجنة التحكيم، وافتتح الدورة معلناً عن اهدائها لروح الفنان الكبير سعد أردش.
أما مسرحية الافتتاح فكانت ايطالية هذه المرة، وتحت عنوان عريق بالطبع هو انطيغون. في عرض على خشبة شبه فارغة، يطغى عليها الأسود الداكن المنسجم مع ملبس انطيغون نفسها، التي تمردت على القوانين بإسم العدالة والحرية والانسانية في وجه الطاغية كريون الذي حرّم عليه دفن شقيقها الذي قتل في معركة، واعتبر انه خائن. انها لعبة السلطة وما إليها وما فيها وما عليها، ولعبة العرضة العزلاء، في وجه الطغيانية وتحت مسميات القوانين والأعراف والشرائع الالهية. انطيغون، وحدها، تحدت. امرأة تحدت إرادة الملك الطاغية. وفي هذا السياق يبرز التناقض بين انطيغون وشقيقها ايسمان التي تتجنب التحدي مؤثرة الأمان (وما أجمل الأمان عندما يسلكه بعض الناس والمثقفين في وجه الطغاة).
لم يقدم المخرج النص كاملاً، ولم تكن أصلاً مسرحية نص فحسب، ولا مسرحية حوار، ولا حتى مسرحية بالمعنى السياسي الحاسم، وهذا لا يعني انه انتزعت عنها صفة الصراع السياسي (بين أهل السلطة والمعارضة)، بقدر ما ظهرت السياسة في خلفية متوازية مع التركيز على حكاية حب (انطيغون وحبيبها)، وفي هذا الاطار، ومن طاقة تعبيرية ترفد الكلام، كان للجسد وللموسيقى الدور التعبيري، الدرامي، في مشهديات توالت على الخشبة، إما مرافقة لحوار وإما مستقلة، تحكي الكلام الآخر، وبلغة أخرى. إذاً كانت منافسة أو شبه منافسة بين النص وبين السينوغرافيا المقتصدة لكن المعبرة، وبين التشاكيل الحركية: الجسد بتجلياته المتفجرة الطالعة من ضمير النص الاغريقي السوفوكلي. ولهذا انتصفت الفاعلية بين الممثلين (انطيغون وكريون خصوصاً) وبين المشهديات والجماليات الحركية، لكن والى جماليات هذه التشاكيل الحية، وبالأجساد الحية (وبين الأسود والأبيض أيضاً)، فقد بدا أحياناً ان الكوريغرافيا تطغى على المضمون وتضعف المعطى الدرامي القاسي، وتنفس حدة الصراع (السياسي)، بحيث تبدو وكأنها تحاول ان تكون أداة جاذبة للناس، أكثر مما أداة تكثف الحالة الدرامية، بل وبدا أحياناً ان الوصلات الطويلة من الرقص وبعض المشاهد الحركية تؤثر على بنية العمل ككل، وتفقده توازنه المسرحي، وتخل بمنحى المسرحة عموماً.
من هنا كان لشخصية انطيغون أن تتراجع أحياناً الى الظل أمام طغيان جماليات الرقص، وكذلك فاعليتها. وهذا الكلام ينطبق على حضور كريون أيضاً، بحيث بدا انهما (أنطيغون وكريون) أحياناً مجرد ديكورات أو ظلال للتشاكيل الراقصة وهي مزيج من الرقص الحديث والباليه. لكن هذا لا ينفي اطلاقاً الحضور القوي للممثلة التي لعبت دور انطيغون. وقد تكون هي بقوة ادائها وامتلاكها أدواتها، وفجاعة حضورها، ان تنقذ جنوح العرض الى الاستعراض. وهذا ما حاول ان يقوم به الممثل الذي لعب دور كريون. لكن بنسبة أقل لأنه وقع أحياناً في الخطبة المعروفة لمثل أدوار الطغاة: الصراخ، والخطابة، والمبالغة، والبرانية...
وأول من أمس بدأت الفاعليات والعروض وكذلك الندوة الفكرية تحت عنوان المسرح المستقل، تجلياته الغنية ومعضلات استمراره، في قاعة المؤتمرات بالمجلس الأعلى للثقافة.
المحور الأول من الندوة يناقش نشأة ومفهوم المسرح المستقل في العالم يديره المخرج المصري أحمد زكي ويشارك فيه انريس جونثليت (تشيلي)، ايزابيل مدينا (البرتغال)، رفائيل رويث (اسبانيا)، ماريلا ماستر انطوني (اليونان)، مصطفى يوسف منصور (مصر)، ويوسف الريحاني (المغرب).
المحور الثاني تديره د. نهاد صليحة، ويشارك في مناقشاته انا ايزابيل (اسبانيا)، حسن عطية (مصر)، لي ينجنيج (الصين)، محمد حسين حبيب (العراق)، ميرز فيتزو ليسكو (رومانيا)، مالجورزاتا سيمبل (بولندا).
أما المحور الثالث فيديره الممثل والمخرج المصري أحمد عبد الحليم ويشارك فيه أندررو ماكينيون (انكلترا)، بول شاوول (لبنان)، روسيلا باتيس (إيطاليا)، رودلفو بريجون (المكسيك)، عبد الرحمن عبدو (مصر)، مارغريت ليتفن (اميركا).
يذكر ان 55 فرقة تشارك في المهرجان من 62 دولة أوروبية و16 دولة عربية، وقد أكد الدكتور فوزي فهمي، رئيس المهرجان، ان 18 كتاباً جديداً صدرت في هذه الدورة وهي النساء في دراما اليمن، الاعداد الدرامي وفنون الاداء، ما وراء الحدود، المسرح الأميركي البديل، كتابات المسرح والمقاومة، مقدمة في تاريخ المسرح، القواعد الملهمة لفن الدراما، المناهج الجديدة في إعداد الممثل، الجسد والأداء المسرحي، المسرح وصناعة السياسة، الحداثة والاداء، مخرجو الغد، الدراما والزمن، المسارح الجسدية، وسعد أردش والطريق الى الريادة.

عروض أخرى

تحت الصفر
ـ تحت الصفر تأليف ثابت الليثي، إخراج عماد محمد، (العراق)، ثنائي على امتداد 54 دقيقة، في مواقف أشبه بالعبثية، والمجازية، ظاهرياً، لكن لتعبر عن عمق مأساة العراق بعد الاحتلال الأميركي ورديفه الايراني. الشخصيتان تعبران، وكل من موقعه: شاب وعجوز، عن يوميات المأساة في أسلوب يجمع بين الفكاهة والمرارة والقول والفعل. كأنهما محبطان، يلعبان كرة القدم، أو يتظاهران بأنهما يلعبان، في ملعب كرة القدم، في تذكارات وقفشات، والتماعات، هكذا، ليبدوا ربما إحباطاً، أو خوفاً أو يأساً على هامش الصراع، وخارج حلبة الحرب.
قوات الاحتلال الأميركية ترتكب انتهاكات، وهفوات، واعتداءات، ليتصدى لها الرجلان، اللذان تدب فيهما الحمية، ويسري دم التحدي في عروقهما. هذا التصدي للقوات الغاشمة كأنه أعاد التوازن الى هاتين الشخصيتين الممزقتين، وأكثر، ساعدهما على التخلص من شعورهما بالاحباط والعجز... ليمدنا بروح التحدي.
الرجل العجوز عبد الستار البصري، والشاب يحيى ابراهيم، نجحا في تقمص كل منهما شخصيته المحددة: الأول في منحاه السلبي، والثاني في منحاه الماثل الى الانخراط في لعببة الحرب. وقد شكل الاثنان ثنائياً حياً في لعبة العبث أو في لعبة الشق الثاني من الانضواء في الالتزام. الأول العجوز، المكتنز تجربة ونضجاً في الاداء، والثاني الآتي بطزاجته، ليعبئا الخشبة بإيقاع مشدود على امتداد العرض.
العمل جميل ومقنع، لولا بعض المبالغات، والقفشات، المباشرة، التي أثرت في إيقاعه ومرتبته.


بلا ظل
ـ بلا ظل، مختبر لاليتش في النمسا، لشامال أمين ونيكار حسيب. يدرج هذا العمل في خط اعتبار الصوت ينبوع لكشف الحقائق والدواخل والتعابير. تجربة تقدم على بنية صوتية خاصة، تحاول إيجاد لغة صوتية خارج النظام والعلامات اللسانية المقلقة، من خارج الانماط المعروفة، ومن مرجعيات حضارية وثقافية شتى. قد تكون نادرة أو مجهولة أو في طريقها الى الانقراض. كأنها التقاط الصوت في لحظاته المولية. انه الصوت االينبوع، المجبول بالطقوسية، كمساحات فيزيائية، وفضاءات من الرموز والأحاجي. انه الصوت الانساني الباحث عن حقائقه المقلقة. وقد جسدت الممثلة نيكار حسيب هذا الدور بمتعة وبامتلاك وبإيحائية... طوطمية، طازجة ومؤثرة ونافذة. تبقى المساحة الدرامية الممسرحة، أي يبقى الكيفية التي تصنع من هذه المفردات الصوتية عملاً درامياً، يتجاوز المعطى الصوتي ـ التاريخي، الى بنية ممسرحة، ربما هذا ليس من هواجس الممثلة والمخرج والكاتب والسينوغرافي. كأن تقول ان ما قدم قد يشكل مادة لمسرحية، ولكن هل يشكل مسرحية؟
فالصو
ـ فالصو (تأليف نيكولاي اردمان، إخراج عز الدين عبار (الجزائر). إنها مسرحية مشهورة تحكي أصلاً عن انتحاري، أو عن رجل يقرر الانتحار لظروفه المزرية، وحياته البائسة وزوجته. لكن في هذه اللحظة بالذات يأتيه تجار القضايا وسماسرة الموت، يحاول، كل على حدة، أن يقنعه بأن ينتحر من أجله، أو من أجل الحزب، أو من أجل تلك القضية، أو الشخصية. بمعنى آخر يريد كل واحد من هؤلاء ان يستثمر وضع هذا الرجل البائس لخدمة أغراضه. وعندما يقبل هذا الأخير ان يرتكب الانتحار تحت تأثير الاغراءات والأفكار، يفشل. يفشل في الانتحار، وهنا الطامة الكبرى بالنسبة لهؤلاء الذين يعلقون على انتحاره الآمال... بالاستغلال. انه عمل درامي، بحوار حي، وقوي، وبخلفية قاسية. وقد تمكن المخرج عز الدين عبار ان يرسم صورة اخراجية معبرة، عبر ذلك الانتحاري، وإن كان النص يحتاج، الى بعض تشذيب، وكذلك البنية الايقاعية، وكذلك الأداء الذي بدا أحياناً فجاً، ومتردداً، ومبالغاً.
لير السوداني
ـ لير السوداني (تأليف ربيع يوسف في مزيج من مسرحيتي الحريق للعراقي قاسم محمر، ولير لشكسبير. المخرج ربيع يوسف الحسن حاول ان يسقط مضامين المقاربتين المذكورتين على الحرب المندلعة في شمال السودان وجنوبه. الخلطة ناضجة هنا، وغير ناضجة هناك، لكن ثمة نجاحاً في إيصال الفكرة، وفي تقديم عرض متوازن الى حد كبير.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00