8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (5)

تناولنا في الحلقات السابقة مجموعة عروض. وهنا مجموعة اخرى.
"هوى وطني" (تأليف واخراج رجاء بن عمار، تونس)،
فوجئ الجمهور بأمرين: ان تقدم رجاء بن عمار عملاً بدون إدخال الرقص (الموازي للنص) والحركة الجسدية كعنصر أساسي في العمل. والثاني: ان تكون المونودراما التي عرضتها من ساعتين، مع هذا، جعلت المسرحية التونسية عمار صاحبة "ساكن في حي السيدة"، من حضورها الخصب، المتنوع الأداء الثري النبرة العميق الأثر، محور انتباه الحضور. أرادت ان تتحدث ربما عن كل شيء، وفي كل ما يعتمل ضميرها وداخلها وهمومها وما يحيط بها، وما تعانيه من الحرب في العراق، إلى وضع المرأة، إلى العنف، إلى العبث، إلى القمع، إلى الاستبداد: ضمير عربي نقي يتفتح كصندوق الفرجة في صور وحالات متداخلة، وعلى غير سياق معهود وعلى غير خريطة (درامية) جاهزة. ارتجال وعدم ارتجال، سيناريو وعدمه. ذلك ان خزين نصها الاصلي من يوميات كتبتها عندما اندلعت حرب العراق: يوميات من تفاصيل الحياة ومن عموميات المسائل والقضايا (اليوميات ستصدر في كتاب بالفرنسية بتونس). وتعدد "مسارات" هذه اليومية عدّد تحرك رجاء على "خشبة" فملأتها طولاً وعرضاً، وعلواً، ويميناً وشمالاً. وإذا علمنا ان "المسرح الصغير" في دار الاوبرا حيث عرضت عملها، متسعاً، في العمق، وفي الجوانب، عرفنا، بأي خفة، وبأي تألق، وبأي قوة ملأت تلك الخشبة، برغم ان العمل مونودرامي.
واللافت أن رجاء بن عمار التي لم تعتمد الحركة الجسدية أو الرقص أو الكوريغرافيا، استندت إلى الكلمة... الكلمة وحدها سادت على امتداد ساعتين في نص تناسل وتعدد ورحب وسرد واطنب وكرّر وكسر ايقاعات وجمع اخرى.. (وهي المرة ا لأولى التي يكون فيها النص وحده مع رجاء)، لكن بمزاوجة موصولة بين حركات الممثلة، وتعابيرها، وتفجراتها بالصوت والإيقاع وملء المساحة. وهذا قد يثير التخوف من ملل أو من أطناب أو من افقية، خصوصاً في شبه غياب أدوات سينوغرافية باهرة. إذاً وحدها، مع وسائلها المحدودة صرخت رجاء بن عمار لا للحروب، ولا للقمع، ولا للقتل، ولا للعنف، ولا للظلم، ولا لاضطهاد المرأة، ولا لمس الانسانية... صرخت وحدها على امتداد ساعتين، ونفذ صراخها إلى الأعماق.
لو تكلمت الغيوم
"لو تكلمت الغيوم" (رؤيا واخراج وليد عوني، مصر)، كأنه بطلة العمل هي الغيوم الواقفة في اعلى المسرح. الغيوم سقف المسرح. شاهدة ومتورطة ومشاركة في ما يجري تحتها. كأنها معلقة بخيوط سرية وحميمية وصاخبة وواقعية، بل كأنها الكورس "الصامتة" على الايقاعات والأحداث التي تجري. وقد يزاحمها في حضورها تحت الجدران أو الجدار. غيوم من فوق وجدران من تحت. ماء من فوق وحجارة واسمنت من تحت. وبينهما الحياة والزمن والتواريخ والصراعات والجنون والقمع والعنف... أي الانسان بكل قوته وهشاشته وطموحه ومطامعه وشروره وحروبه وهلوساته.. وثوراته وتمرده.. بين الغيوم الناظرة بكل تحولاتها إلى تحت، والحجارة المنتصبة بكل قوتها، ثمة فاغنر بموسيقاه (موسيقى التفجر والدراما والقوة)، موسيقى العناصر والاجتراحات الطبيعية، لتكون وصلات بين الغيوم وبين الحجارة والراقصين. فالغيوم الصامتة كأن لسانها فاغنر. والشباب المتفجر كأنما محركه فاغنر. والحجارة كأن مخترقها فاغنر في سمفونيته الرائعة "الخاتم" التي تومئ، وتوحي بعنفها وسريتها، وجنونها التوازن الطبيعي وخلالها، القوانين الطبيعية واستثناءاتها وأشكال خللها. هكذا تصفّى وتجوهر وفي الراب الذي ادته مجموعة من الراقصين والراقصات (نحو 15 عنصراً). انها العناصر الشابة التي تجسد "الثورة" في العالم الثورة ضد الجدران التي يرفعها الانسان في وجه الانسان منذ بدء الخليقة:
جدران تتحرك، جدران كالأطوار، جدران تتغيّر، جدران تصمد، جدران تقسم الناس في حروب وصراعات ومطامح وجنون، تعزل تحت شعارات دينية وايديولوجية وعرقية وسياسية وقبلية وشخصية وانسانية. كأن التاريخ من تجسيد هذه الجدران. بل كأن التاريخ من ورائه الجدران. لكن، إزاء هذه الجدران كان دائماً من يريد تحطيمها، أو القفز فوقها، أو تسلقها، أو إلغاءها: ومن أجدر بهذه المهمة سوى الشباب الثائر في كل زمن: يحاول كسينريف أحياناً ويسقط دونها، ينطحها ويكسر رأسه، ويعاود... هذه المعاودة وتكرار المغامرة هي التي جسدها وليد عوني باستناده الى موسيقى الراب والهيب هوب والاجساد الراقصة المتفجرة برقص حديث... وبباليه حديث، وبتنوعات أخرى. الغيوم هنا، تحكي بألوان الواقع: يجعلها الدم حمراء وكأنها باتت جحيماً هشاً، والعنق رمادية من المدى، والثورة تجعلها بيضاء من قلوب الثائرين.
وليد عوني هنا، يختار المكان كعنصر درامي والغيوم كعنصر درامي، والجدران أيضاً... والرقص والموسيقى، في كوريغرافيا غنية، متنوعة متقنة، موفقة، مشدودة، متوترة، صافية، مجنونة، لكن يمسك بخيوطها جيداً مع الراقصين والراقصات في خرائطهم المتفجرة بسينوغرافيا متقشفة لكن درامية رحومية. مجدولة كل العناصر، على تمازج مائي هنا، وعلى تصادم مادي هناك... وعلى انسياب هنالك، ورشاقة في كل الأحوال، وليد عوني من جديد يتجدد في عمل جميل، مؤثر، نافذ، وخصب.
الأسيرات
ـ "الأسيرات" (عن نص جزيرة الماعز لبروغر، الأردن)، ديكور طبيعي، داخل منزل وخلفياته، الأبواب، الحبل، هذا العمل جريء أحياناً، بتعبيراته عن الجنس والذكورية بطريقة جديدة ومجازية: طفاية... وخرطوم وبما تومئ إليه جنسياً تفيض "منياً" على المرأة والسرير... يشهرها الرجل بين ثلاث نساء يتنافسن عليه في سد رغباتهن "المكبوتة". إنها "اللقطة" الأجرأ. لكن لم يوحِ ديكور العمل بهذه الرغبات ولا المكبوتات، ولا الجنس، بل على العكس، بدأ بألوانه ومداده وتوزيعه أقرب الى أي بيت محافظ. الدلالات "الجنسية" التي كان يمكن أن تظهر في الديكورات... كبتت. مع هذا فالعمل بدا كلاسيكياً في أدائه، وكان يمكن أن يشتغل مع الممثلات الثلاث اللواتي أدين عملاً مقنعاً، بطريقة أكثر جوانية... وأكثر تعبيراً. ولهذا، ربما جاء الايقاع متباطئاً، وذا فجوات، برغم الاستخدام الجيد للأبواب الحديد بصريفها وصوتها.
الجوعى
ـ "الجوعى" (تأليف سلافوفير مروجيك، إخراج روبن بابايان، أرمينيا). لم يستطع المخرج تجسيد فكرة الكاتب البولندي مروجيك. فقد بسطها عبر اختزالها فتيات يتحاورن، يغنين، يتجاوزن، لكن بكثير من التبسيط والنمطية، والتسطيح، عمل أقرب الى المدرسي، برغم بعض اللحظات اللافتة.
بين الجنة والنار
ـ "بين الجنة والنار" (أوكرانيا). مسرحية يمكن أن توصف بأنها الأكثر ما بعد الحداثة. استخدمت الشاشة، والرقمية، والملابس الغريبة الغرائبية، وأدوات لم نألفها على الخشبة. أجواء من "السحرية" والغرائبية لكن كلها صبت في الاستعراضية، بدلاً من أن تصوغ عملاً درامياً، فانها قدمت ما يمكن نسبته الى مسرح "الكباريه" أو "الشو" بتلك الأزياء الجميلة، الفانتازية، وتلك المشهديات المركبة من عناصر تقنية متطورة. مع هذا، فيمكن القول انها كانت مسرحية جميلة، غريبة، رشيقة، وليس أكثر: لا يعلق منها شيء بعد إسدال الستار،
سكويكي
ـ "سكويكي" (اوزبكستان). لا ندري لماذا قدمت هذه المسرحية على المسرح المكشوف وليس في مكان مغلق. كأنها مسرحية "فولكلورية" بحكايات فولكلورية، وبملابس فوولكلورية، ارادت ان تكون من ضمن اسطورة ما. لكن يبدو ان الفرقة جاءت من الاطراف: فلا مهنية ولا امتهان، ولا اخراج، ولا اداء... واذا بدا شيء من كل ذلك، فبطريقة تقليدية (ضرورية) بدائية.
عروض اخرى
ـ ومن العروض التي قدمت "حديقتنا" (ميا نمار)، وموزارت ساليزدي (كازاخستان)، و"مدينة المرأة الوحيدة" (الاكوادور)، و"لونا" (روسيا) و"خبر ولعب" (صربيا)، و"كلام في سري" (مصر) و"شقيقات سايكي" (بيلاروسيا)، و"احلام غودزيلا" (النمسا) و"قصة غريبة" (لاتفيا)، و"الوان اساسية" (الكويت)، و"رسالة مشفرة" (اليابان)، و"التراكم" (ليبيا)، و"نهاية عصر الرشد" (السويد) و"ميديا" "كوريا)، و"حصان الدم" (العراق)، و"مؤتمر قمة" (الجبل الاسود) و"الرحلة" (رومانيا)، و"الانتصار على السينسي" (المكسيك)، و"الوجود" (موريشيوس) و"تباً لداروين" (الجبل الاسود).
(حلقة أخيرة)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00