8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 19 (4)

تناولت في الحلقات الثلاث السابقة مجموعة عروض. هنا حلقة رابعة.
هوى وطني
ـ هوى "وطني" (رجاء بن عمّار، مسرح فو، تونس). ذات الحضور الخصب على امتداد ربع قرن في المسرح، رجاء بن عمار، ها هي في عمل جديد ربما يختلف عن أعمالها السابقة من حيث النص، وطريقة الأداء ووسائله. صاحبة بعض أجمل الأعمال في الدراما العربية كـ"بياع الهواء" و"ساكن في حي السيدة"، وصاحبة طريقة في دمج الرقص التعبيري ـ الدرامي بالنص كقيمة أو كخطرية أو كقضية.
هذه المرة لم تستعن رجاء بن عمار بطاقتها الجسدية في مشهديات وحركات وتشاكيل، على فراغات الخشبة أو حتى في امتلاءاتها. تقدمت كممثلة اختارت أن تحكي وتسرد وتقول من دون رديفها الإيقاعي ـ البدني ـ الكوريغرافي. وعلى امتداد ساعتين ملأت الخشبة عرضاً وطولاً وارتفاعاً. والخشبة في "المسرح الصغير" متسعة، عبأتها رجاء بن عمار وحدها في مونودراميتها الجديدة. ساعتان في مونودراما ولم تضعف. هذا إنجاز كبير. ولم تتشقق بنية ـ النص ـ الأداء. وهذا إنجاز كبير، ذلك لأن رجاء بن عمار، الشغوفة بالمسرح، اختمرت خبرتها على نضارة، وانضرت لغتها على عتق، وامتلاك لأدوات التعبير.
روبنسون كروزو
ـ "روبنسون كروزو" (ألمانيا). هذا العمل كأنه من خارج التجارب الألمانية الكبيرة في المسرح. كأنه عمل مبتدئين. ممثلان وقعا على جزيرة، وكان لهما أن يتنافسا على الحضور في ذلك الخلاء. أداء مباشر. وافتقاد للتجربة، وللرؤيا، ولحس الاكتشاف.
ضحايا
ـ "ضحايا" (سيريلانكا). مسرحية ضد الحرب، ومآسيها، وضحاياها. تصور بطريقة مباشرة ومادية وحتى شعاراتية ما يجري في الحروب من أعمال غير إنسانية، وقتل وذبح وإعدام وتعذيب. مسرحية ذات "قيمة" تمكن الممثلون فيها أحياناً من تجسيد هذه الحالات بإيقاعات وأداءات مقنعة، لكنهم وقعوا أحياناً كثيرة في الميلودراما، والصراخ، والمبالغة، وحتى البرانية. السينوغرافيا كانت صاخبة: من قصف وإطلاق نار وحرائق وقتلى. هذا العمل هو صرخة في وجه العنف والموت ودفاع عن ضحايا الحروب في سيريلانكا، حيث تشهد حالات مماثلة، وفي العالم. قيمتها في كونها شهادة وموقفاً وتجسيداً لهما.
رصاصة الرحمة
ـ "رصاصة الرحمة" (تأليف هائل عقيل، إخراج عثمان فلاتة، السعودية). وهذا العمل يتصل بقضية العدالة. قضية "ضحية العدالة" أيضاً، القاضي أو المحقق يحكم بالإعدام على بريء، ويلتقيان في السجن، معاً، عندما يظن المحقق ـ القاضي ـ الدكتاتور ـ الجنرال أن الذي حكم عليه بالإعدام قد أعدم. وها هو يراه (إما بضميره) (وما بتصوره) وإما أمامه. مرآة الظلم أمامه. (المرآة لها حضور في العمل). الديكور خال: سواء في دائرة التحقيق أم في السجن. يتواجه الإثنان: المتهم (البريء) والسجان أو الحاكم، وجهاً لوجه بعنف البريء وبقسوة الظالم: الأخير يبرر إعدام الآخرين وإعدامه بأنهم مجرد "متمرّدين" ضد السلطة، ومجرد مخربين يجب حماية المجتمع منهم. إنها عدالة التسلّط. وفي سياق ميلودرامي مباشر، يُصدم البريء، ويجن المتسلّط الذي راح يصرخ في نهاية العمل "أنا الجنرال، أنا الجنرال، أقوى رجل في العالم"... لينهار بعدها هو وضحيته. المسرحية ليست زاهية في نهايتها. بل سوداء.
لم يستخدم المخرج سينوغرافيا معقدة أو مركبة: شاشة (خيال الظل)، وبعض الإضاءة، وبعض المؤثرات. لكن بقي الجهد الأكبر على الممثلين اللذين تمكنا في لحظات تأكيد حضور ما في أدائهما التقليدي، لكنهما وقعا كثيراً في المباشرة والخطابية، والشعاراتية (النص) والإفراط في الصراخ، والميلودرامية. عمل احتجاجي نحتاج الى مثله في هذه الأوقات الملتبسة، لكن بجهود مسرحية أكبر.
لاكونا
ـ "لاكونا" (تأليف تريغور زهرا، إخراج سيمون سبيتري، مالطا). في مركز تأهيل، أربع فتيات يتذكرن محطات في حياتهن: صندوق جاهز لملابس "التنكر" أو التذكر على مساحة خالية تقريباً (في الركن عازف بيانو)، تتحول الفتيات في أدوارهن، وشخصياتهن، بحسب محطات التذكر. مسرح كلام في النهاية. مسرح ذكرى وتقمّص ذوات. وحالات في الوعي أو اللاوعي أو الحلم أو الذاكرة. والكلام هنا (بالإنكليزية) كثير، ووسائل الإخراج محدودة. أي تبقى المهمة ملقاة على عاتق الممثلات الواتي أدّين أدوارهن بتفاوت؛ أحياناً بنضارة وبتلقائية، وأحياناً بضعف التقنيات، وأخرى بمباشرة.
والعمل في النهاية يندرج ضمن تجارب فنية طالعة، فلا بعمل هواة، ولا بعمل محترفين. بل بعمل بين المنزلتين، لكن مع هذا، تمكنت الفتيات الأربع، ومن ضمن سينوغرافيا شبه غائبة، وأدوات ومؤتمرات وحلول اخراجية محدودة، من تكوين مدارات ادائية قوية وعنيفة ومؤثرة. عمل مدرسي لكن حي ونضر أيضاً.
توقف
ـ "توقف" (تأليف منصور بوشناق، اخراج فرج بوفاخرة، ليبيا). رجل مقعد في كرسي متحرك تحاوره امرأة شابة: ناصر الأؤجلي وحنان الشهديدي، الاثنان يحكيان قصة ضابط مقعد لم يحارب بل كان يشاهد أثناء الحرب فيلم "ذهب مع الريح" مع زوجته العاقر التي تعيش أوهام إنجابها طفلاً يدعى خالد، وتتخيل أن لديها حديقة. وهكذا يعيش كل منهما أحلامه، ربما المستحيلة، على مساحة مسرحية فارغة وباردة. هذا الوضع يجعل سوء التفاهم بينهما يتصاعد الى درجة أن الزوجة عندما تطلب من الرجل أن يغني، فما يكون منه إلا أن ينشد أغنية "الى العلى" مع مارش عسكري لتؤدي هي التحية مأخوذة بجلالة الحالة العسكرية التي يتقمصها الزوجان والتي تعبر عن سخرية مرة تكمن في عجز الزوج عن تحقيق ما يحلم به. ويرافق هذا العجز أمر آخر هو العجز الجنسي، ليكون الوجه الآخر للعجز عن التواصل واللقاء...
العمل الليبي، الثنائي، والمحدود في وسائل الديكور والاضاءة، أظهر قدرة الممثلين على تأكيد حضورهما في دوريهما الملتبسين.
أوديسيا
ـ "أوديسيا" (أوكرانيا). عالم أسطوري مليء بالرموز والاشارات والخوارق والتعاويذ، يجسده ثلاثة ممثلين امرأة وشابان. وقد حاول الثلاثة على المسرح المكشوف في الأوبرا أن يستفيدا من الساحة وصولاً الى خارجها، وتجسيد هذا الجانب الأسطوري، بالجسد، وبالصوت، والاضاءة، واستخدام سيوغرافيا الفراغ. عمل احترافي أبرز فيه الممثلون الثلاثة مهارة في الرقص الحديث، والباليه، وبعض الحركات الجسدية (البدائية)، عمل بلا كلام، حركي وراقص استخدم فيه الايحاء والتمثيل الصامت، في مشهديات "شعرية" ودلالات جنسية، ودينية قديمة، وشعائر، واكزوتبكيات مباشرة، عمل ممتع، نظيف، يندرج في الأعمال التي تجعل من الجسد البؤرة التعبيرية ـ الدرامية، والممارسة التي ينبني عليها المشهد، بتفاصيله وتنويعاته وإيحاءاته.
بيت الحمقى
ـ "بيت الحمقى" (تركيا). عمل جريء الى حد المغامرة: سفينة تغرق قبل مدة طويلة، وتبني مكانها بناية جديدة. سكانها القدامى وبوحدة مقنعة يعودون في ما يشبه "الخيال العلمي" ويبحثون عن ذكرياتهم ووجودهم، في ذلك المبنى المؤلف من أربعة طوابق. وهناك، وفي هذه الممرات والأبواب والأمكنة، لا يلتقون إلا لماماً، ليسود بينهم ما يشبه الافتراق وسوء الفهم... أشباح من الماضي تبحث في الحاضر وفي الأمكنة عن وجودها، فلا تعثر إلا على الخيبة. مسرح أشباح وظلال. المسرحية لا تعتمد الكلام. بل التمثيل الصامت الذي يذكرنا بالسينما الصامتة. وهي تجربة صعبة، لا تلجأ لا الى الايماء، ولا الى البانتوميم، ولا الى الايحاءات. تمثيل بلا كلام. وهذا يعني التعويض بالايقاعات والحركات، لا سيما وان الوجوه مقنعة، أي أن الوجه بقسماته وتعابيره غائب أيضاً. الأقدام ربما وحدها هي التي كانت "تتكلم": أرضية المسرح من خشب والأحذية كانت تطرق طرقاً متواصلاً عبر مشي الممثلين. وعلى امتداد ساعتين، وفي جو كوميدي ـ تراجيدي تحرك الممثلون كما أريد لهم أن يتحركوا: تكرار واستعادة، وضياع... فكأن المبنى هو سرداب بأبواب ثلاثة وبنافذة... لكن لا توصل أحداً الى شيء، ولا الى لقاء، بل الى تنافر، وتضاد، وعدوانية، وسوء تفاهم، وقضاء لا سيما مع المستأجر الجديد الذي يحمل آلات موسيقية ويعزف علها عزفاً حديثاً، ليتشكل عالمان: قديم طاعن في القدم وجديد.
المسرحية مدتها ساعتان، ونظن أنها مجازفة كبيرة أن يعمد الممثلون (بإدارة المخرج) الى التحرك وبدوز محكوم، وبتكرار عبثي، الى ملء المساحة في هذه المدة، من دون رتابة، وترداد ومما قد يبعث الملل في هذه الخرائط الملتبسة من الشخصيات والأمكنة والعبثية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00