8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي الـ19 (3):

هنا الحلقة الثالثة من تناول وقائع المهرجان وعروضه.

شوكولا
ـ "شوكولا" (تأليف وإخراج رغدة الشعراني، سوريا) كأننا أمام انتقالي من الفرجوية (الاحتفالية) التي انتشرت في المسرح العربي خصوصاً في مرحلة السبعينات (بدأت مع مارون النقاش في "البخيل" والكياني في القرن التاسع عشر ثم أدلجت مع جماعات عدة تشكل "تراثي" أو تاريخي تؤكد الهوية المسرحية العربية.
ذهب الزمن الايديولوجي (لا رحمه الله)، كأننا أمام انتقال من الفرجوية الى الـ"شو" أو الاستعراض مع مسرحية "شوكولا". وكأننا أمام استخدامات حرة لأساليب وعناصر عديدة لتأمين هذه الاستعراضية (الامتاع عند برشت مشروطاً بالتغريب أو الملحمية). وهنا نتحسس أن رغدة الشعراني، كأنما صاغت هذه العناصر بحسها النضر، الطري، والمنفتح (بلا تنظيرات) على العصر، بوسائله وروحه وإيقاعه وهمومه وهواجسه لدى الشبان. فهي مسرحية شبابية بروحها وأدائها وتشكيلها وقوتها وحيويتها. ولعل البارز ان "فرجوية" الشعراني لم تعتمد الديكورات الضخمة، ولا المبالغة في التشاكيل اللونية، ولا اختبار "ماكينات" سينوغرافية تفترس الممثلين. على العكس: فالممثلون هم عماد الفرجوية بمعمارية جسدية متنوعة، في مشهدياتها وفي تأليفها، وحركاتها في فضاء شبه خال.
بمعنى آخر، لم تصبح السينوغرافيا هي البطلة، أقصد السينوغرافيا الجمالية من إضاءة ووسائل وديكورات، وإنما بعد السينوغرافيا هم الممثلون وهذا مهم، في وقت يستحق الانسان (الممثل)، والنص (القول)، والشكل (الاخراج) تحت وطأة الآلة الجهنمية المتمثلة بالتكنولوجيات المتعددة.
صحيح ان الشعراني أكثرت من العناصر الصوتية، الموسيقية، والحركية والتصويرية والرقص: التصوير السينمائي، الرقص الفولكلوري، والرقص العالمي، وعروض الأزياء والتصوير الحي على الشاشة (وغير الشاشة) لعكس ما يجري على الخشبة... إلا أن ذلك خدم والى حد كبير حضور الممثل ليس كبؤرة جسدية تنفيذية فحسب، بل كبؤرة جسدية محملة بالهواجس والهموم والتذكارات والألم والماضي والحب المكسور عبر شخصيات عدة، قدمت كل واحدة منها شذرة حية من تاريخها ومعاناتها، بشكل منفرد. كأنها "مونودرامات" مرتجلة، يؤديها كل ممثل على المنصة، ويتحول الباقي الى ما يذكر بالجوقة الاغريقية: سواء بالحيادية أو بالمشاركة. كأنها "حبيبات" في عنقود، أو أجزاء في كليات، أو تشظ في الرؤيا والايقاع. ولهذا وجدنا أن حضور كل شيء ليس تفكيكاً لشخصية ومركباتها فحسب، وإنما تفكيك للزمن: للصورة، والتذكر، والحنين، والمواساة واليأس، والحزن، والخوف... انقسام الخشبة الى "مونودرامات" هو انقسام الشخصيات في مونودراماتها المكسورة، أو الناقصة. فالذكرى لا تأتي دفعة واحدة، ولا تذهب دفعة واحدة. ومجموعة الشباب التي تجتمع في الاحتفال برأس السنة في صالة عرض للأزياء كبداية عمومية، لا بد أن تنتهي كنهاية خصوصية. ولهذا فالفرجة أو الشو كتنسيق للحواس، وضرب على أوتارها، هي أيضاً نوع من التطهير (نتذكر أرطو وغروتوفسكي من دون أن نعني تأثر المخرجة بهما)، وهي أيضاً بخلاصاتها، نوع من التجريب الخصوصي بعيد عن تنظيرات جاهزة. تبقى البنية العامة للعمل: تمكنت، رغدة المبادئة الطرية والحديثة من صهر مختلف عناصر الفرجة في بنية غير مهتزة، ولكن كان يمكن التنويع علي تكرارات "المونودرامات"، وكذلك تكثيف بعض الأغاني والألحان والحركات التي كادت تؤثر في بنية العمل. "شوكولا" عمل ملون، وحي، وجمالي، لكن أيضاً عمل بات ينتمي الى مرحلة جديدة، مرحلة شبابية واجتماعية جديدة، قد لا تنغمس فيها كلياً بشروط، ولكن يمكن التعامل معها، كانخراط في لعبة ما بعد المسرح القديم، والحداثة التقليدية، الى الانضواء تحت حضور الانسان بكل طاقاته، وضعفه وقوته، وحالاته. وأخيراً بشعرة قد تفصل بين الفرجوية الاستهلاكية، والفرجوية الخصبة ذات الدلالات والكشوفات. الممثلون أجادوا بحضور قوي وخصب وتماسك ورشاقة.
نسخة غير مطابقة للأصل
ـ "نسخة غير مطابقة للأصل" (تأليف وإخراج عاطف بن حسين، إنتاج التياترو، تونس). إنه عمل شبابي أيضاً، مليء بالأسئلة والهواجس والخوف والتردد والالتباس. إنهما علاقة الثنائي: الزوج والزوجة بالآخر (الوافد). فمن هو هذا الآخر الذي يقتحم حياة الزوجين: المجهول، الشيطان، فيروس الداخل، التناقضات، الأمكنة، الأمزجة، الموت؟ قصة "الحب" اليومية بين الزوجين في أحوالها، أوليست من التعقيد الى درجة أنها تتيح لأي شيء، ولأي شخص، أن يخترقها ويهددها، بحيث تصبح مسمومة ويصعب أو يستحيل علاجها: وهكذا تصير العلاقات على ارتهان، وتختلط أشكال الحضور، وتنتفي "الخصوصية" في مشاع مجهول من العلاقات المتصارعة، والمتضاربة، والمتناكرة، أهو فقر الروح؟ أهو العجز عن صوغ "أواصر" متينة وواضحة؟ أهو الفراغ؟ الممثلون الأربعة يمثلون هذه الأحوال، بكل عنفها وخفتها وتناقضها، وعبثيتها، ربما ليحال ذلك على أبعد من الثنائية وما حولها على الخشبة الى العمومي في العالم، وفي الأمور. كأنها مسرحية "العجز" والخوف من العجز في التواصل، والخوف من التواصل نفسه، وحتى الخوف من المكان الذي يجمع كل هذه الهواجس، بل هي مسرحية العبث بالآخر، وبالمكان، وبالعلاقات والتصفيق: الغريبان إذا صح التعبير يتصرفان في حيز الآخر وكأنهما بات حيزهما: نوع من احتلال الفضاء المكاني بما يمثل وبما يحمل. وهنا يمكن الكلام على تواطؤ ما يتسرب هذا "الخارجي" الى داخل الضعف الانساني: بل ان الثنائي، كأنه بتشابكاته اليومية يتواطأ مع "الوافدين" ضد نفسه. إنها الشقوق والفجوات ونقاط الضعف الذي يخترق فيها "فيروس" العجز والتردد والالتباس النفوس، فيدمرها، أو يكاد يدمرها.
في هذه المناخات، برز الممثلون الأربعة عاطف بن حسين، وفؤاد اللاتيم، وحمودة بن حسين وإيمان الجدرشي، في اداءات قوية، ومتنوعة، ليعيدونا من جديد الى "مدرسة" الممثل، أو مدرسة المخرج الذي يشتغل على الممثل في فضاءاته الجسدية والنفسية وفي استبطاناته، وتماهياته، وانفعالاته وتضارباته، واندماجاته. أربعة ممثلين سادوا "الحلبة" وأظهروا حضوراً كبيراً، من حيث تماسك أدائهم، وتنوعه، وقوة نفاذه على خشبة شبه فارغة سوى من الممثلين ومن إضاءة اختزلت مجمل السينوغرافيا لتساعد على تكثيف الحالات، والمواقف، ودفعها الى أقصى التباساتها. بالطبع لا بدّ هنا من الاشارة إلى ان الاخراج وبعض حلوله، يذكر في جوانب ببعض التجارب التونسية المرتبطة بجيل الستينات، ولكن برغم ذلك، فإن هذا التذكر لا يحجب قوة النص (الذي كان يمكن تكثيفه) والأداء، والاخراج.
ضحايا
"ضحايا" (تأليف واخراج دوغلاس سيريواردن، سريلانكا) هذا العمل يندرج في إطار ادانة العنف والحروب والقتل والارهاب، وهذا ما تشهده احياناً سريلانكا وسواها، في المقبرة "يقوم" الموتى ليتحدثوا كيف وقعوا ضحية العنف والارهاب والحروب. كل "منبعث" يتحدث عن "موته" وكيف عذب وقطع واعدم أو قتل. كل هذا صور اشكالاً عديدة، وطرقاً، في التعامل مع الابرياء ـ الضحايا.
وبرغم بعض "التعابير" الموحية والمشهدية في بعض المشاهد، فالعرض ينتمي إلى المسرح الملتزم التقليدي المليء بالمباشرة، والميلودراما، والخطابية والشعارات والوعظ. العمل مؤثر بمروياته اكثر مما هو مؤثر بطريقة تقديم هذه المرويات.

القناع
"القناع" (تأليف، سينوغرافيا كوريغرافيا واخراج مجد القصص، الأردن) عمل "مجنون" "جريء" وقوي، بنفسه الجمالي، ومضمونه الانتقادي، وخطابه الاصلاحي، تسع لوحات "مستقلة تعالج وبلغة شاعرية (أحياناً انشائية) قضايا المرأة الراهنة: قمع المرأة من قبل المؤسسة الذكورية لتهميشها، وتسليعها من خلال الإعلانات التجارية والفيديو كليبات المنتشرة في الفضائيات التلفزيونية، لتطالب في النهاية بالكف عن هذا الاستغلال للكائن الانثوي، لتستعيد المرأة حقوقها، ودورها الفعال في المجتمع ضمن هذه "الاطر" الفاضحة والكاشفة والمنددة، تقدم مجد "مطالعتها" بلوحات جمالية ـ درامية، تمزج بين الايقاعات والغناء والموسيقى والرقص من باليه وحديث...، من خلال مشهديات خصبة تحاول عدم الوقوع في الابهار المجاني، أو الجماليات المفرغة، معتمدة على ست شخصيات 3 نساء و3 رجال بالتوازي والاختلاف والتناقض، والنفور والقرب.
وقد تمكنت المخرجة من ادارة هذه اللوحات المتنوعة، والمركبة، بحس بنائي لافت، وبومض درامي (يضعف احياناً تحت وطأة التتابعات الجمالية غير المقنعة، وازدحام العناصر المستخدمة)، يتحول إلى خيوط سرية تربط بين اللوحات ذات العناوين المختلفة.
عمل جريء، وجمالي، وقريب في آن واحد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00