تناولنا امس وقائع افتتاح مهرجان القاهرة وفاعلياته على مدى عشرة أيام. هنا نتناول بعض العروض.
الحائط
"الحائط" (مسرح الاصابع، جيورجيا): عمل منمنمات يدوية بالغة الدقة، والمهارة، والجمالية، الاصابع تهدم الجدران وتبنيها ثم تهدمها وتبنيها؟ وهي الأصابع تضع "الأطفال" والمخلوقات، وداخل الجدار وعليه، صراع الأصابع والجدران. صراع الأصابع مع الأصابع. تهدم الجدران في البداية، يحدث فجوة تشبه شاشة صندوق الفرجة (أو مسرح العرائس او احدهما) لتكون مسرحاً ومكاناً لمصائر وأقدار تلك "الكائنات" التي "تصوغها" الأصابع، صغيرة، صغيرة، وترميها، أو تقودها، كل ذلك الحائط، او في فراغاته. الحائط مجاز يشير الى المعوقات والأسوار التي ترفع بين الناس، وعلاقاتهم، والحروب، والمآسي، والحب، والنسيان، والنعرات، والكراهية، جدران تبنيها الأصابع (أي نحن) ثم تهدمها (نحن)، لكن لمن هذه الأصابع التي تجيد البناء اجادتها الهدم، تجيد الحب إجادتها الكراهية. تجيد "الرومانسية" اجادتها الخراب. من يصنع الجدران. ومن يرمي هذه المخلوقات اطفالاً وغير أطفال. وكسر اطفال. على حافة الجدران او على حافة الهاوية. وهنا يمكن، وعبر الاضاءة الموجهة الى القاعة اشراك الحضور بهذه اللعبة من موقع انهم لا ينفصلون عما يجري على "شاشة" الجدار، وان هذه الجدران المصنوعة هناك، هي الجدران التي يصنعونها، وهنا تأتي أمسية البنك فلويد الغنائية كخلفية ترافق "المجريات" على الجدر وورائه وحوله وأمامه. الكلمات جزء من الحركة، والايقاع، والبنتوميم (الأصابع) لعبة دمى لعبة بانتوميم؟ لعبة عرائس؟ مسرح "الأشياء" أو "أشياء المسرح"، ربما كل ذلك: سبعة أشخاص يحركون "الشخصيات" التي يكونونها باصبعهم، وبيوتهم: يعني هنا البطل الرئيسي على ايقاع غنائي وموسيقي فيه من الرومانسية على قدر ما فيه من القسوة والاحتجاج واللوعة، خيوط تحرك هذه الكائنات ثم تعدلها. الخيوط الخفية تظهر عبر الاصابع لتشكل مشهديات بالأبيض والأسود، وجماليات لا تقتنع في المجانية. والدرامية هنا تطلع من الشكل، الشكل البصري على الجدار (المصنوع من الطوب)، و"الكائنات" الصغيرة، وتوليفاتها، وحركاتها المدروسة، وانسياباتها ـ وتصادماتها، وخفتها، وثقلها في فضاء سينوغرافي مضبوط وحي ومفتوح، انها المأساة هنا. العشق. الشعر. الفرح (المؤقت) الموت. الشفافية. الهشاشة. انه عالم من الهشاشة لانه مهدد بالجدران التي "تقيد" اختيارات الناس ونوازعهم وحرياتهم. الجدار موت الاخر وموت الذات. وإعدام التواريخ الخاصة والعمومية.
عمل جميل، مهني، دقيق، منمنم، وجمالي، ومشغول بجهد، وتقنية عالية جداً. مسرح دمى حديث! مسرح عرائس بوسائل تقنية عالية؟ سينوغرافيا احياء صندوق الدنيا (او الفرجة)، كعلبة تقدم من هشاشاتها مصائر هشة، وكائنات هشة، وجدران هشة.
كرسي هزاز
ـ "كرسي هزاز" (تأليف صموئيل بيكيت، ترجمة زهراء ويوسف الريحاني، رؤية يوسف الريحاني المغرب).
نص بيكيت (La Berceuje) (كرسي هزاز) برؤية شبابية. ويعني ان بيكيت ما زال نضراً وحياً، وقوياً، وحاضراً. صاحب "نهاية اللعبة" و "في انتظار غودو" و "آه الأيام الجميلة" و "شريط كراب الأخير" وسواها، ما زال بحسه العدمي (الانطولوجي)، ولا معقولية (الميتافيزيقية) ولغته "العادية" المبنية "دراميتها" الجديدة على خرائط "ممزقة" وعلى "بياض" الفراغات، والصمت، وأحياناً تلك "الحنينية" (الآسفة) كما نجد في نصه "كرسي هزاز (وكذلك في شريط كراب الأخير).
لحظة هاوية او اطلالة على العدم. تعبر عنها المرأة القابعة في كرسيها وهي تنهي شريطاً طويلاً من حياتها، ومحطات تخشاها هنا، وتجذبها هناك، على ايقاع انغام بيانو، توقع هذه المحطات بين الغياب والحضور، والاستغراق واليقظة المشوبة كأنه "نص عاطفي" (او حتى ميلو درامي) هكذا يبدو للوهلة الأولى، او هكذا تبدو بعض نصوص بيكيت (كراب) أو بعض نصوصه النثرية. لكنه، الصمت الميلودرامي درامي بقوة لعنف الصورة الداخلية، او العدمية الوجودية، وغالباً، تلك الوجوه التي احرقت اقنعتها على جلودها، وقسماتها، وكلماتها، المحتلة التي ادت تلك اللحظات انما ادتها بطريقة "غنائية" ميلودرامية، وبايقاعات متساوقة، متتابعة متكررة، بنبرة بقيت واحدة على امتداد العرض من دون تلوين، أو أي أداء ـ مضاد لظاهر النص. وعلى هذا، كان حضورها "الثابت" على كرسيها الثابت (الهزاز) وفي وضعها الثابت كذلك في الشاشة التي كانت تنقل "وقائع" وجهها وتفاصيلها، وصوتها (أو نند). الشاشة تتحرّك، والبدن هامد أو شبه مستسلم للقدر. السلايدسات التي تعقب النهاية، وكأنها بداية: تتابع صور لبيكيت ولشخصيات معنية بإيقاع سريع، إزاء بطء الحركة وانعدامها على الخشبة؛ الشاشة شبه مملوءة، والخشبة فارغة، صامتة، (سوى من إيقاعات البيانو)، لا شيء. كرسي: امرأة: فراغ عدم. وهنا بالذات كان يمكن أن تنوع الممثلة زهراء بُحتها (أين بحة العجوز؟) وتلونها بين "الاندفاع" في النص التذكاري وبين حيادية قد تكون أقوى في مفعولها الدرامي ـ البيكيتي. عمل نظيف، واختيار صعب، واختراق لطبقات بيكيت الكبيرة بشفافية. لكن هل أضافت الشاشة كثيراً على النص، أم أنها كانت من خارج "مناخات" بيكيت العارية، العارية حتى العزلة الأخيرة، والعدم؟
سفر سفر
"سفر سفر" (أشعار معين بسيسو، إخراج (الراحل) فريد الظاهري، اليمن). هذا العمل كأنه احتفاء بذكرى المخرج اليمني الذي رحل قبل عدة أشهر بعد انتهائه من إخراج هذا العمل. بعض نصوص الشاعر الفلسطيني الراحل معين بسيسو، شكل خلفية لهذا العمل: امرأة ورجل جريح مبتور اليد، في معارك متعددة الجوانب والأطراف غامضة المغزى. على الخشبة المرأة ترفع صوتها وجسمها من تحت الأنقاض وتصرخ: يا عرب أين السودان، يا عرب أين فلسطين، يا عرب أين لبنان؟"، والرجل يكمل الكلام برغم بتر يده الملقاة قربه. وفجأة تظهر سيارة أو دبابة أو مركبة على المسرح يتسلقها الاثنان: هو يحمل يده المبتورة ويصرخ ويخطب، وهي تكمل ضمن شعارات تخص وتستنهض وتستثير. معظم العرض خطابي، أدته الشخصيتان بنمطية المسرح التقليدي، وبميلودرامية سياسية مباشرة حتى الدموع والغضب والنار. ونظن أن الممثلين بذلا كل جهدهما في محاولة إثبات حضور. يبقى أن المسرح اليمني يحتاج الى كثير من المقومات الاحترافية والمهنية لكي يبدأ في ورشة مسرحية حديثة.
الممثلان الوحيدان محمد عبدالله الحرازي وأمل اسماعيل "حضرا"، وإن احتاجا الى كثير من الإعداد والبلورة.
المشهد الأخير المأساة
"المشهد الأخير المأساة" (المعهد العالي للفنون المسرحية، الكويت). عمل مدرسي ذو طموح: في نص "عبثي" قائم على جمل مكررة، وعلى حركات مكررة، وإضاءة مكررة، وحركات مكررة. أي ما يشبه حركات الروبوت أو الرجل الآلي. جمل نظنها مشفرة وننتظر مدلولاتها، أو انفتاحها أو شيئاً من مفاتيحها. لكن العبثية هنا شرط من شروطها. ورسالتها الأساسية: بين العبد والسيد (تذكر بـ"في انتظار غودو")، بين المحرك وبين "المخلوقات" المحركة، المطيعة، والمنصاعة، لصوت "السيد": خارج الوعي، وداخل الغياب. ونظن أن البنية العامة التي أراد صوغها الكاتب والمخرج قائمة على التكرار. بنية التكرار من بنية المفردات والجمل، من بنية التحرك والحركات، لصنع عالم من الايحاءات، والضغط، والخفة، والهشاشة. كان يمكن أن ينجح المخرج والكاتب والممثلون. لكن التكرار إذا لم يضف شيئاً في تكراره فإنه يقع في الرتابة والخواء. فالتكرار إذا لم يتقدم ولم يتكثف. ولم يقدم دلالات جديدة في ترداده يُصدم الايقاع ويصيب الأداء بالنمط ويبدو المناخ الضاغط.
العمل شبابي مدرسي، وذو طموح. لكن الطموح يحتاج الى طموح أكثر عندما يصبح في حيز التنفيذ والأداء أي في حيز "المسرحة".
عروض أخرى
ومن العروض الأخرى التي قدمت: "من خلال عين الطفل" (جورجيا) من إخراج افنانديل فارسيها شويكي"، لفرقة "مسرح الحرية" التي تكونت عام 2001. العرض عبارة عن حدث درامي، صامتاً بلا كلام. 12 قصة متداخلة تشكل متن العروض، من خلال عين طفل.
ومن العروض "الجوغي" (أرمينيا) للكاتب البولندي سلافومير ميروجيك، وبعنوان "البحر المفتوح" حيث يمتزج على خشبة المسرح العرائس والهواء البلاستيكية، لتكون ثلاثة أجزاء في البحر المفتوح، الجزء الكبير والأوسط والصغير، و"عندما يقررون ماذا سيأكلون، يتصارعون ويتنافسون ثم ينتهون الى أن الجزء الأصغر هو ما ينبغي أن يؤكل... لينتهي العرض بعبرة أن الأجزاء الصغيرة هي التي يجب أن تؤكل أي أن تكون الضحية".
وتشارك بلغاريا بعرض "تنبه لما يحدث خلفك" للمخرج براين ستور بورجكت، وتعرضه فرقة خاصة ويطرح مجموعة من الأسئلة مثل ما مفهوم المؤخرة كعنصر فيزيقي، وماذا تعني الموضة؟ من ناحية أخرى يتشكل العرض عن طريق قصص شخصية وصور وبناءات حركية، تتبادل كتابة النص، والصوت والموسيقى.
وقدمت البحرين (مسرح أوال) "ألوان أساسية" من تأليف يونسكو وإخراج حسن منصور. "يطرح العرض إشكالية وسائل الاتصالات الحدثية ومدى تأثيرها على العلاقات بين البشر. ففي العصر الجديث أصبح الكل يثرثر ويتحدث في الوقت نفسه. لا أحد يقول شيئاً مفيداً لأن يريد أن يمتلك الحقيقة وحده، وهذا كله بسبب الفوضى التي عمَّت الواقع العربي والعالمي والسبب الرئيسي في بروز الأفكار المتطرفة المتطرفة. برغم الايجابيات الكثيرة لهذه الوسائط".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.