8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (4)

تناولنا في الحلقات الثلاث الماضية محموعة من العروض العربية والأجنبية التي قدمت في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.
هنا الحلقة الأخيرة المتصلة بالعروض على ان يعقبها نشر نصوص الندوة الفكرية التي عقدت على هامش المهرجان.
أوديسا
ـ "أوديسا 2001" عن هوميروس اعداد دامير سابان وتوبو ماريتيك، اخراج دامير سابان (كرواتيا). قراءة "معاصرة" لأوديسا هوميروس، وكتابة مسرحة، قائمة على تقطيع المشاهد، وتوزيعها الى عشرة: العاصفة، اوديسيوس يقابل نوسيكا، أميرة فايتبا، ملك فايتبا يقدم يد ابنته له، آكلو اللوتس، تحويل سيرة البحارة الى خنازير وتودده لأوديسيوس ثم يرسلهم ليسألوا اشباع الجحيم، السيرانات (كائنات اسطورية لها رؤوس نساء وأجساد طيور، الجحيم، لقاء اغاممنون، والأم وتيريسيوس وأخيراً الصورة الى ايتاكا.
التقطيع سينمائي، مسرحي، اذا صح التعبير. والسينوغرافيا مبسطة، ومحدودة، براميل، شاشة، طاولة، عصا،... تستخدم في وظائف عدة. ضمن هذه السينوغرافيا المتقشفة، يتحرك الممثلون في نصوص متقطعة، مبتورة، وموحية، متصلة بايقاعات العرض. واذا كانت السينوغرافيا العصرية لملحمة قديمة، تمنح الموضوع "حداثة" بل واسقاطاً على الواقع. فإن التمثيل جاء متفاوتاً بل ومتضارباً الى حد كبير، ومليئاً بالكليشيات من صراخ وزعيق الى مبالغة إلى مباشرة وبرانية، يحيث كان الممثلون وكأن كل واحد يمثل وحده. مع هذا برزت لحظات مشعة، من حيث استخدام السينوغرافيا (الشاشة والسلايدات) مع الأدوات البدائية، وانحراف الممثلين في مشهدية متقشفة فيها، لكن هذا لم يشفع لا بطء الايقاع، ولا نجداته. بمعنى آخر لم يتمكن المخرج من ربط مجمل العناصر السينوغرافية، والادارية ببعضها، ليصاغ منها عملاً ذا بنية مشدودة. كما أن الفكرة الجيدة لا سيما الديكورات البسيطة، التي حاول بها تكوين ملحمة ما فلنسمها ملحمة السقوط العصرية، لم يجد استغلالها، ولو فعل ذلك، وبشيء من انضاج هذه العناصر، لقدم عرضاً مميزاً وجديداً في تجريبيته، وهنا لا بد من التنويه بالمنحى التجريبي الذي اتبعه المخرج، لكن بقي هذا المنحى مقتصراً على لعبة الادوات المسرحية والفضاء المسرحي من دون أن يطول دائماً الى استنباط اداء مختلف.
وهذا ما أوقع العمل في ثنائية: العناصر المستخدمة من اضاءة، وسلايدات، وبراميل، وعصا وملاءات بدت تجريبية بينما التمثيل ظهر تقليدياً الى آخر الحدود.
أغنية الدم
ـ "أغنية الدم" تأليف جماعي، اخراج سيد عبدالله صوصل، (السودان) هذا العرض السوداني كأنما فيه كل شيء اي كل العناصر البرشتية، والفرجوية والواقعية والاسطورية والقبلية والحروب والوشم والاصباغ على الوجوه والعقود في الأعناق وكسر الجدار الرابع والرقص المحلي والقبلي والحديث... كلها في خلطة لم تخل من لحظات جميلة وايقاعية لا سيما عند استخدام المخزون المحلي والتاريخي والقبلي بما فيه من جمالية وغرابة وحيوية... ومعان وكذلك الحكواني وتوزيع الحلوى على المتفرجين سعياً إلى المشاركة...
حكاية السودان، تروى بالاجساد حيناً وبمذكرات الكاتب والحكواتي، من القبلي إلى الحروب، والى المعارك والانقلابات، السودان في تحولاته وعنفه وفقره ومعاناته وجروحه وضحاياه وصراعاته المتعددة، والعنف. وكذلك الاحتفالات والفرح واللحظات الاحتفالية وهناك امتاع ومؤانسة، وعبر ذلك حاول المخرج تمرير ما يريد تمريره. لكن المشكلة انه استخدم "النظرية" البرشتية التي استنفدت بحذافيرها (كنظرية)، منذ السبعينات، كل العناصر البرشتية كانت هناك وتحس وانت تشاهد هذا العرض، بأنه سبق ان شاهدت، من قبل، لعبته، مع روجيه عساف، والطيب الصديقي وجلال خوري وكرم مطاوع وسعد الله ونوس وعبد الكريم برشيد... الخ. فلو كان هذا العرض قدم اثناء "الموجة" البرشتية، لكان من أجملها، وامتعها.
ولكن، على حيوية هذا العرض، لا سيما البصرية، والحركية واللونية والمشهدية فانه جاء متأخراً قرابة ثلاثة عقود.
لكن بالرغم من ذلك، فان من شاهد العرض، يُحس بأن جديده يكمن في أن المسرح السوداني يشهد دينامية، ولا بأس، بالنسبة الى ظروفه ان استعاد ما تولى، لا سيما وان هذه الاستعادة (المبررة) تظهر شغفاً كبيراً عند الممثلين بالمسرح. تحسهم يؤدون ادوارهم وكأنهم يؤدون رسالة مسرحية مقدسة، وهذا ما نفتقده لدى المسرحيين اليوم، كباراً وصغاراً، حيث صار العمل المسرحي إما موسمياً (بين مسلسلين تلفزيونيين او مشروعين تجاريين) وإما احترافاً وتوضيباً، وتظبيطاً لعناصر العرض فيأتي هذا الأخير معلباً باتقان وبارداً بدقة، أي بلا روح، ولا نكهة. برغم السيطرة على مجمل عناصر العرض، واحتراف استخدامها. العرض السوداني كأنه عاصفة جميلة كانت تحتاج الى من يروضها، وكذلك الى من يجدد فكرتها القديمة، وادواتها البائدة.
مع هذا، احببنا العرض السوداني.
روميو وجولييت
ـ "روميو وجولييت" (عن شكسبير اخراج ليليا ابادزيفا، روسيا)، رؤية مغايرة، ومتجددة وتجريبية بالفعل، قدمتها المخرجة الروسية الشابة ليليا ابادزيفا لمسرحية روميو وجولييت المشهورة. انها مسألة التجريب، بكل جنونه على نص كلاسيكي، وقد تركز هذا المنحى التجريبي على تدمير المناخ الاسطوري للنص الشكسبيري. تخلت المخرجة عن المغزى الشكسبيري "المعنوي" والانساني الذي يبرز من خلال ضرورة تجاوز الصراعات القبلية والعائلية، للوصول الى لحظة التصالح، وهذا ما حصل في نهاية النص الشكسبيري.
المخرجة الروسية اعتبرت ان هذا المفهوم الشكسبيري للعالم قد تخلخل. لأن الحياة التي نعيشها اليوم، تجاوزت هذه الثنائية، الى ما يشبه القلق حتى العبث، واللامنطق والجنون والعزلة والموت والسخرية والتدمير... والخوف واللاتوازن واللاتوافق.
انها تشير بكل تناقضاتها الى كل تناقضاتها. ضمن هذا المفهوم التأويلي الخاص للنص الشكسبيري، قدمت المخرجة ست من الممثلات الشابات ليقمن بالأدوار الرئيسية في العمل بما في ذلك الادوار الرجالية. مسرحية "نسائية" تتقمص كل الأدوار، ولكن باختزال لنص روميو وجولييت الاصلي؛ كأن المخرجة ارادت التخلي عن الزوائد والتفاصيل لتقبض على جوهر في العقدة الشكسبيرية. وهنا تبرز "الحكواتية" التي تسرد الحكاية. والحكواتية هي مربية جولييت، وتحكي القصة من وجهة نظرها. وبطريقة كاريكاتورية، لا تخلو من العبث والابتذال لتقول استمالة الاصالة في المشاعر الانسانية، واستمالة العواطف الحقيقية التي تتحكم بها العلاقات الاجتماعية والانسانية والمصالح والطموحات المتناثرة، والمتصارعة.
عمل حي، مجنون، ضاحك إلى حد البكاء، كاريكتاتوري الى حد الحقيقة، مبتذل الى حد التقاط الجوهر الانساني، كوميديا الى درجة التراجيديا "الاصيلة". وقد رفد اللعب بالنص، وبالأدوار، سينوغرافيا لا تقل روعة عن تلك "التجرؤات": الخلفية السوداء وعليها ست شموع مضاءة بتشاكيل لونية متواترة احمر فأزرق، وبنت الكواليس على الجوانب بالأسود، وزرعت في الارض اطارا لحمام مما يوحي سيركاً للألعاب المائية.
أما العنصر الاساسي في السينوغرافيا فكانت الاضاءة.. التي ملأت بايقاعاتها وتدرجاتها وموحياتها الجوانب وصولاً الى الخلفية، فالأجزاء العلوية والأمامية، كلها متداخلة بموسيقى "تجريبية" بدت جزءاً اساسياً من مكونات العرض.
الباب الآخر
"الباب الآخر" تأليف امير الحسناوي، اخراج عثمان فلانه (السعودية)، ثلاثة اشخاص محتجزون يحاولون الخروج الى الحرية. فموضوع الحرية هو الذي يحرك هذا العمل السعودي. وعندما يكون كلام على الحرية يكون كلام على السجن، والمجاز المادي الثنائي يتمثل في باب لا يجرؤ أحد من الثلاثة على الاقتراب منه، لانه مراقب من قبل سلطة ما قامعة، وهناك القضبان، فالثلاثة بين القضبان والباب. وبين هاتين المسافتين تتحرك احلامهم بالخروج الى الضوء، وتحطيم القضبان. المخرج لم يرد ان يحدد للعمل مكاناً محدداً، ولا للشخصيات مرجعية واضحة. وكأنه يتوجه الى كل الذين يقفون، بخوف بين القضبان وبين الباب. بين الحرية والسجن. وقد تمكن المخرج الى محدودية العناصر التي استخدمها سواء السينوغرافية او الادائية، من تكوين مناخات ضاغطة، مليئة بالخوف والعنف والتردد والمعاناة والضيق.. وكذلك الامل.
مسرحية سعودية جدية تضاف الى ما برز من اعمال لافتة قدمها المسرح السعودي في السنوات الاخيرة.
الخروج إلى النهار
"الخروج الى النهار" اعداد واخراج انتصار عبد الفتاح (مصر). بعد انقطاع سنوات يعود انتصار عبد الفتاح بعمل مميز، وجديد، هو استمرار لتجاربه البوليفونية: الايقاعية، البصرية، وحتى الموسيقية، على مساحة سينوغرافية انيقة، مقطرة، وخصبة. من "كتاب الموتى" الفرعوني، استمد عبد الفتاح رؤياه هذه المرة. أي شغل على الموروث القديم بحساسية جديدة. بل والشغل على ما كان قديم هو قصر الامير طاز بتصور بصري انيق، مستغلاً فضاء القصر باتساعه وزواياه، ومناخاته "السحرية" ليقدم عملا تمكن فيه من صهر النص الشعري الفرعوني، والايقاعات المركبة، والاداء المتصل بهذه الايقاعات وبذلك المكان الاثري. توحدت الرؤيا المكانية ـ النصية ـ الادائية ـ الايقاعية، في عملية ضبط دقيقة متوازنة، مشغولة، حية، تمكن عبرها عبد الفتاح من صوغ بنية مفتوحة بوليفونية، لم يطغ عنصر فيها على عنصر آخر.
انتصار عبد الفتاح يكمل مسيرته، ويطورها، ولكن ما يمكن ملاحظته، هو ضعف المنحى الدرامي، بالمعنى المسرحي. فالجماليات سواء كانت موسيقية او بصرية، لا يمكن ان تفعل فعلها الا بتخصيب المناخ الدرامي، والغوص اكثر على اعادة النصية لكي تكون ذريعة، مجرد ذريعة لتلك الجماليات او الشكلانيات.
هوس الساعة 4.48 فجراً
هوس الساعة 4.48 فجراً تأليف سارة كين، تاتجارا اوسكولكوفا، اخراج سورين شاهفر ديان (ارمينيا)، هذه الساعة، كما هو سائد في العرف وفي الطب، اكثر الساعات المعتادة لارتكاب جريمة الانتحار وتسمى "ساعة الذئب" حيث تنتظر فيها الشياطين بهدف الاستحواذ على ارواح البشر. ساعة الذئب آثمة ولكنها ايضا ساعة ادراك الاثر غير المغفور، ساعة العذابات، ساعة العقاب والثواب.. كما يقول المخرج الارميني. في هذا العمل الجميل، لم تحل اللغة دون تواصل الجمهور معه.
ست فتيات يلبسن مآزر العاملات يضعن عليها الرمادي الممزوج بالدهان والأوساخ كما يجب ان تكون عليه مآزر العاملات. الخلفية سوداء وفي اقصى الخلفية شعاع ضوء خافت، يتصاعد ارتباطاً بوتيرة العمل. الى ذلك اضاءة أخرى جانبية على ثلاثة صفوف ولينتصب في وسط مقدمة الخشبة ضوء واحد مركزي، على علاقة باضاءة علوية، لتضفي هذه الاضاءات الموزعة توزيعاً سينوغرافياً مدروساً، مناخات العمل، اي لتكون العناصر البصرية المتصلة بالاضاءة جزءاً من بناء العمل، تردفه سينوغرافيا موسيقية كمؤثرات تندمج في الجماليات البصرية (الدرامية). تظنه مصمماً يلعب فيه الطبيب دورة متسلطاً على المرضى لا الممثلين. من خلال النواهي والأوامر التي يصدرها بطريقة فوقية. الطبيب هنا او المخرج هما من الذكور في مواجهة النساء الست.. أو السبع بعد دخول فتاة الى المسرح. هذا العمل السردي المجازي اصلا والتأويلي على الواقع الذي يسيطر فيه الذكر على الانثى وتالياً المستبد على الناس، لا يخلو من امل لدى الفتيات ومن فرحة للخروج من هذه الحالة. وهذا ما يظن في مشهد جميل، مؤثر، عندما يسقط الماء على الفتيات في مشهد تطهيري، نستمتع به، في حركة ايقاعية راقصة مفعمة بالفرح، وبالحب.. ويعقب هذا المشهد آخر عنيف، ومتوتر، تنخرط فيه الفتيات بالجمهور وكأنهن يستغثن به باعتباره الملاذ الاخير لكسر العزلة والتضامن معهن، والتعاطف مع حالاتهن.
انها صرخة ضد الكراهية. صرخة حب. امل. مصوغة بمشهديات لا تقع لا في الجماليات المجانية، ولا في الوعظ، وانما تدرك جوهر الدرامي.
العرض الارميني من اجمل عروض المهرجان.
عروض أخرى
ومن العروض التي قدمت "دائرة بلا عنوان" تأليف واخراج فيصل علي، ويتناول دوامة العنف والظلم والقهر التي تمارس من قبل الانسان، لينتهي العمل نهاية سعيدة يسردها الحب والاخاء.
وقدمت فرقة الصواري "مسافر ليل" لصلاح عبد الصبور، واخراج ابراهيم خلفان من البحرين. اما سلطنة عمان فتمثلت بمسرحية "رثاء الفجر" تأليف قاسم مطرود واخراج يوسف البلوشي وتتحدث عن امرأة اعتادت الذهاب الى المقبرة لزيارة زوجها الذي قتل في الحرب، لتقيم معه حواراً او مونولوجا افتراضيا حول الحياة والموت..
ومن ليبيا "قطارة الملح" تأليف القذافي الفاخري واخراج هدى عبد اللطيف. يدور العرض حول "مناطق البحث في الذات الانسانية وعن معنى وجود الانسان والأسئلة التي تطرح من خلاله...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00