8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (3)

"العشاء الأخير" (تأليف سعيد حجاج، إخراج اكرم مصطفى "مصر")، حكاية نهاية "العمر" والأشياء والمستقبل. حكاية الحافة التي يجد فيها الإنسان نفسه، في شيخوخته وعزلته وأمراضه وهزيمته. امرأتان مسنتان: أمينة المفعمة بالحياة والتي ترملت وفقدت عطف ابنتها التي انقطعت عن زياتها فغرقت في العزلة والكآبة والذكريات المؤلمة، والمرأة العجوز الأخرى حكمت صديقة أمينة منذ الطفولة ورفيقتها في الشباب. كلتاهنا تعيش في الحاضر المهدد، تطريان قسوته بذكريات صباهما. وحيدتان في منزل يوحي الوحدة في فراغه ووحشته وأثاثه. تمثال رأسي ساعة ربما متوقفة. ستار مسدل علامة انغلاقهما عن الخارج. كراسي، طاولة مقعد. وفراغ يلف هذا المكان الذي تحسه المحطة الأخيرة لهاتين الامرأتين.
ما من حدث، ما من شيء آتٍ، أو مرتقب، لا غودو، ولا وعد ولا أمل. فقط حياة أو ذبالة حياة ترتعش بيدي أمينة المصابة بالرعاش وتنحني على ظهر حكمت المقوس وتبطئ بقدميها البطيئتين المتثاقلتين، تأكلان. تحضران الأكل، تتحركان على مسافة شبع لاغية. تتشاجران من باب العادة، ليكون شجارهما قناعاً لصداقتهما الطويلة وأيضاً نوعاً من ملء الوقت الفارغ، أو ملء الانتظار، انتظار الموت وسوء هذه العزلة والكآبة والفراغ والسكون والانقطاع عن العالم، والعجز والمرض والرتابة؟ هل تكملان هذه الرحلة المنتهية أصلاً؟ هل تخضعان لشروط السن ومتطلبات العجز المتزايد، والوحشة؟ رحلة الانتظار انتهت. فجأة بدون مقدمات ظاهرة.
الانتظار صار أيضاً من متاع الماضي، فلتضع إحداهما حداً لهذه "المهزلة". لتحسم إحداهما الأمر ليس بالنسبة اليها. وإنما بالنسبة الى كلتيهما معاً. ترعرعا معاً، وعبرا العمر معاً... فلترحلا معاً. وهكذا تقرر حكمت وضع السم في طعامها وطعام أمينة، لتكون النهاية المختارة. النهاية القصيرة لحياة مديدة.
القصة بلا أحداث، والحوار بلا ثرثرة والسرد موحٍ، لماح، مقتصد وهذا يحسب لمؤلفه سعيد حجاج. الإخراج بسيط، شغل على الممثلين بلا إبهار ولا افتعال، أداء داخلي، صمت كثير، والديكور طبيعي وكان يمكن أن يكون أقل طبيعية، السينوغرافيا بسيطة، الإضاءة كافية لتعكس المناخات، وتخدم الممثلين، إذاً مسرحية حجرة، هادئة، بلا ضوضاء. لكن مؤثرة. وذات ايقاع ملموس وقد نجحت الممثلتان آية سليمان ونيين آغا، في تجسيد دوريهما تجسيداً بعيداً من الإبهار والثرثرة الجسدية، والصراخ... والزعيق والانفعال. كانتا داخل دوريهما بكفاءة عالية.
ابن عربي
"هكذا تكلم ابن عربي" (تأليف وإخراج سعيد سليمان نصر)، عمل مضموم، ملتف حول ذاته، قريب، يحاول جمع آلام ورسائل، ومضامين شخصيات تنتمي الى مرجعيات عديدة تتشابه في العمق. وربما في المصير من ابن عربي إلى المسيح، وتالياً من المسيحية الى اليهودية الى الإسلام وحتى البوذية. رسالة لقاء بين الأديان التي تجتمع حول قيم مشتركة، وأهداف مشتركة، وهي محاربة الكراهية والعنف... والمادة والفساد. إنها اللحظة الصوفية الابن عربية بامتياز والتي تنفتح على روحانية المسيحية والإسلام... كل هذا في فضاء مقتصد، وديكور محدود لكنه موحٍ، ومندمج في المناخ العام، وكذلك كل صلة عضوية بالممثلين. رحلة العذاب هنا رحلة عذاب ابن عربي هي الجلجلة أيضاً: وهذا ما نلمسه في وضع رسم الصليب على امتداد المسرح متوجاً بما يشبه القبعة. والأبيض هنا الطاغي، البياض هو الشفافية والتنزه والطهارة والقبول. فالتمرد الابن عربي هو قبول. هو قدر مقبول. لكن أيضاً خروج على التفاسير والمقولات والطقوس الخارجية، وايضاً على "القدرية" الاجتماعية والسياسية السائدة التي تشوه باسم الدين، الدين نفسه... وعلى هذا الأساس يتحرك الممثلون بايقاعات حية، متوازية غالباً، على خشبة محددة. سواء في ابتهالاتهم، أو في تراتيلهم أو في صلواتهم... أو في صراعاتهم مع "الأسود" ذي القناع، ومع الجلاد، رحلة عدل وعدالة وتوحيد مشاها الممثلون، وعلى رأسهم سعيد سليمان بقوة أداء، وبتنوع متحرك، وبسيطرة على الأدوات.
عمل ملموم، جميل مؤثر نفذه هذا الفريق المتجانس.
درس أساسي
"درس اساسي" (أوكرانيا)، على خشبة فارغة أربعة راقصين، ثلاث نساء ورجل. الخلفية ستار أسود. الأربعة يجرون التمارين مع المدرب على مسرحية "كارمن" لبيزيه. وعلى امتداد 30 دقيقة، هي وقت العرض، ندخل الى تفاصيل العرض، ندخل الى تفاصيل التمارين، وعبر هذه التمارين الصارمة من قبل المدرب، تقطف بعض اللحظات الذروة في عمل بيزيه الموسيقي بالرقص، أو تحديداً بالباليه الحديث المطعم ببعض الرقص الحديث، في إطار درامي تعبيري، وأهم ما في هذا العمل رشاقة الممثلات الثلاث، وقوة حضورهن والشفافية الدرامية ولياقتهن. الراقص بدا الأضعف أداء ولهذا ربما أكمل المشاهد الأخيرة، مدرب الرقص نفسه، اللحظات الأخيرة المعبرة عن التراجيديا أي موت كارمن. وكان يمكن أن يكون هذه التتويج أقوى. وانفذ لو أن فكرة التدريب اندمجت أكثر بمناخ الأوبرا البيزية... أو حتى الرواية الأصلية.
بوراشكا
"بوراشكا والفلايك ورق" (نص رضا بوقديدة، إخراج جعفر القاسمي، تونس). القتل هو خلفية العمل، لكن في روايات ثلاث ملتبسة. فالواقعة واحدة والقتل واحد لكن الروايات متناقضة، عقدة بوليسية تطل على تفكك عائلة، وصراعاتها، وشخصيات متهمة ومذنبة تسعى الى التبرئة... في هذا الإطار الملتبس، يتحرك العمل في اتجاهات عدة، ليزيد الالتباسات ويعقد السياق، ومن ثم ليشتت البنية، في مزج ربما غير متآلف بين كوميديا مؤسلبة، وبين درامية كامنة، بادوات معهودة، مستلة من ذاكرات مسرحية معروفة، سواء في الريبوتوار التدفعي أو سواه، ومن مرجعيات متعددة، لم يستطع المخرج (وهو ممثل مهم تحول إلى الإخراج) أن يجمع، أو يوثقها في بنية، فبدت أحياناً مشتتة ومتفرقة يعوزها الايقاع الحي. عمل يحتاج إلى نضج أكثر لتكتمل عناصره الكثيرة من الأداء (المفتعل أحياناً) إلى الماكياج الفاقع، إلى الحركات الطائشة، وإلى الأصوات غير المصقولة. مع هذا بدا العمل في بعض لحظاته قوياً.
مؤتمر قمة
"مؤتمر قمة" (فرقة "رالف رالف الانكليزية" اخراج بارنابي ستون، انكلترا) يقدم العرض مؤتمر قمة بين اثنين من الساسة اللذين يتحدثان بلغتين مختلفتين غير مفهومتين دلالة على سوء التفاهم.
وهو حصرياً يقدم خلال أواخر الثمانينات أثناء وجود مؤتمرات الرئيس ريغان وغورباتشوف. الممثلان يتكلمان بلغة "بابلية" ملتبسة، تصل إلى حد اللامعقول، واللامفهوم للدلالة على التباس المواقف وتباعدها بين الساسة بلغة ايمائية.
هذا العرض رتيب، كوميدي لا يضحك، سياسي لا يقول أولاً المبسط. وقائم على التقليد. تفكير الرؤساء. ولهذا يصلح ربما لأن يكون مسرحية مدرسية تقدم في آخر السنة المدرسية، حيث التلميذ يقلّد المدير أو الأستاذ. بل هي مسرحية صالونات عرضت في مناسبات ترفيهية في مؤتمرات قمة أو سواها أمام جمهور "رسمي"!
قد تكون هذه المسرحية صالحة لمثل تلك المناسبات، لكن أبعد ما يكون من العمل الدرامي أو التجريب.
"نساء في الحرب"
"نساء في الحرب" (تأليف جواد الأسدي، إخراج كاظم النصار، العراق). ثلاث نساء عراقيات مهاجرات عبر تيه المطارات والجوازات المزورة يتحملن عذابات التهجير عبر أكثر من محطة في العالم، ثم يستقرن في إحدى كابينات ألمانيا بانتظار منحهن حق اللجوء الإنساني. معاناة لنساء عراقيات في المنفى تشبه معاناة آخرين وأخريات في العالم.
هذا العمل سبق أن تناولناه عندما عرض في مهرجان الفوانيس الأخير في عمان.
حمام بغدادي
"حمام بغدادي"، (تأليف وإخراج جواد الأسدي، سوريا). يسلّط هذا العرض الضوء على هموم الإنسان العراقي ومشاكل الإنسان العراقي قبل الاحتلال وبعده وذلك عبر الأخوين حميد ومجيد اللذين يعملان في قيادة الشاحنات على طريق عمان ـ بغداد. العرض يكشف الشروخ النفسية والمعيشية للعراقيين ويرصد تناقض الاخوة في العائلة الواحدة إزاء رفض النظام القديم قبل الحرب أو قبوله، وكذلك نظام ما بعد الاحتلال.
هذا العرض سبق أن تم تناوله أثناء تقديمه في مهرجان الفوانيس بعمان، وكذلك أثناء تقديمه في بيروت.
روميو وجولييت
"روميو وجولييت" (شكسبير، إخراج ليلي أفادزينا، روسيا، موسكو). مسرحية شكسبير الرائعة تخضع لتأويلات جديدة، ومناخات جديدة تتحرك عبرها في الزمان والمكان من خلال ثقافات فنية تقليدية ومحلية. مخرج العرض يحاول كسر "الهالة" المنصوبة فوق المسرحية، والأسطورة الجميلة للعاشقين روميو وجولييت، من خلال فتحها على عبثية كاملة، وبشتى الوسائل الكوميدية والدرامية. أهم ما في العمل الأداء التمثيلي البارع، والمتنوع، والمتنقل بين حالات بخفة وببراعة، وبتنويع، وبسيطرة بارزة على الأدوات التمثيلية. إنها مسرحية كسر الأسطورة، وقد سبق أن تعرضت المسرحية لمثل هذا الكسر عبر تحويلها كوميديا غروتسك... لكنها مسرحية الفضاءات الملتبسة على ابتسامة عابثة إزاء أسطورة عاشقين هما روميو وجولييت.
الأب
"الأب" (تأليف أوغست سترندبرغ، إعداد روبرت بودينا، إخراج سلوبودان أونكوفسكي، مقدونيا)، هذا العمل قدم بشكل طريف. مسرح خارج المسرح، في ساحة الأوبرا. حيث أقيمت مأدبة اتسعت لنحو خمسين مدعواً ومتفرجاً جالسين إليها، أمام الجمهور، لتسرد وقائع المسرحية بمشاركة الجمهور الجالس مع الممثلين حول المأدبة. هذا العمل الذي كتبه سترندبرغ ويركز على تفكك عائلة بورجوازية، وأثناء المأدبة تنفجر الصراعات، من خلال تشكيك زوجة الكابتن، بأبوة الكابتن. والهدف محاولة سيطرتها على زمام الأمور العائلية.
هذا العمل ينتمي الى السينما أكثر مما ينتمي الى المسرح. فكأنه مشهد واحد طويل، يتحرك فيه الممثلون والجمهور (في استعادة للتغريب البرشتي) حول تلك الطاولة، امتداداً الى مقاعد الجمهور، والمساحات الأخرى في جو من الواقعية القصوى حيث كل شيء حقيقي: يقدم الطعام، وتصب الكؤوس، وتوزع الصحون، والملاعق... في المأدبة التي لا تترك مكاناً للتأويل... أو للصمت.
الباب الآخر
"الباب الآخر" (تأليف أمير الحناوي، إخراج عثمان فلاته، السعودية). إنها مسرحية تظهر تجدد المسرح السعودي، وانخراطه جدياً وعملياً في الحركة المسرحية العربية. ثلاثة أشخاص محتجزون في مكان ما يحاولون الخروج بشتى الطرق للانطلاق نحو الحرية. هناك لعبة سينوغرافية درامية، وإيقاع حي، وأداء يريد الخروج من النمطية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00