العمل الرائع الذي قدمه وليد عوني في ساحة الأوبرا "فيروز هل ذرفت عيونك دمعة؟" كأنه كان تتويجاً للحضور الاستثنائي اللبناني في مهرجان القاهرة التجريبي الثامن عشر، بل كان تحية شعبية واسعة تجلت في الإقبال الكثيف لحضور ملأ المقاعد والساحة، يحيي عمل وليد عوني بالمقدار الذي يحيي فيه الشعب اللبناني الطالع من المأساة الأخيرة جراء العدوان الصهيوني عليه.
هذه الحشود المتسعة، كم تأثرت، حتى الدمع، وكم اهتزت حتى الفرح، في عرض وليد عوني الذي جسّد قيامة لبنان من الموت، وانبعاثه من الخراب. إنها توليفة حول بيت جنوبي مهدم عاد أهلوه المهجرون في اليوم الأول من وقف إطلاق النار. وفي هذا المنزل المدمر، حيث الحطام، والدمار، والنوافذ والأبواب المقتلعة، والأثاث المتناثر، من صور، وسجاد، وبسط، وسيارة تحت الحطام، وسلالم مكسورة، وداربزينات مشلعة، وتلفزيون مرمي، وفتحات، وشقوق. عادوا. وفي عودتهم يبحثون عن صوت فيروز ـ الأمل. وفي هذا البحث، بعد الخراب، وبإيقاعات فيروزية وأغان، مختارة من مراحل عديدة، وبتوليفة ضمت اللحظات العالية من أعمال الرحبانيين، تحرك الممثلون، بين الخراب، وفي النوافذ، وعلى الأسطح، هنا يرقصون الدبكة، هناك يتحركون بإيماءات، وهنالك بتمثيل صامت، وبحركات تعبيرية تكمل أحياناً الأغنية، وأحياناً أخرى تجسدها، وأحياناً أخرى تهيء لها. ولكن بين الخراب في محطات تنتقل بين الموت وبين الحياة، بين الأمل واليأس، بين الدمعة والبسمة. وقد عرف وليد عوني كيف يستخدم كل الأمكنة، ليتحرك فيها الممثلون من النوافذ، الى الأقبية، الى السطح، الى السلالم، الى السطحية... مسرح خارج المسرح. مسرح في الهواء الطلق، وفضاء مسرحي مرتكزه المكان المدمر، مغلق بدخان الحرائق، ليكوّن مناخاً هو الى مأسويته، وقسوته، مكان للعودة، للاحتفال بالعودة، للتمسك بتراب الوطن، وبالبيت الذي صار رمزاً لوطن مهدم يريد أهلوه أن يستعيدوه. وكأن الجامع بين هؤلاء، والأمكنة، تاريخ وذاكرة وفجائع، وحروب، وصمود، ووقوف في وجه كل معتد، كل من يريد استباحة الوطن، وتخريبه، ابتداء بإسرائيل وانتهاء بأي نظام لا يرى في لبنان سوى ساحة لتفجير أحقاده، وصراعاته وتحويله خيمة متنقلة، هنا وهناك، ومرمى لمطامعه وأهدافه. فمن مسرحيات "البعلبكية" الى "أيام فخر الدين" الى "الشخص" الى "جبال الصوان" الى "ناطورة المفاتيح" الى "المحطة" وصولاً الى "بترا"، استمد وليد عوني مخزونه ومختاراته، في ما يُعبّر عن فجائع هذا البلد، وأيامه، ومقاومته، وعناده وخيباته، وآماله، وخوفه، وبيروته، وجباله وجنوبه، وشماله وشرقه وغربه. كما أخذ وليد عوني من أسطوانات فيروز "جسر العودة"، "بليل وشتي" و"معرفتي فيك" (وكذلك الدبكات) و"راجعون"... استل منها ما يلائم المناخات التي كونها، في توليفة حية، وقوية ومؤثرة متوازية مع أداءات الممثلين الراقصين، ومتجسدة في إيقاعاتهم الجسدية، وفي حركاتهم، التي قدموها برشاقة، وبجوانية، وبإحساس، ومرونة أذهلت الحاضرين خصوصاً وأن العمل لم يستغرق التحضير له أكثر من ثلاثة أسابيع، مع عودة المهجرين الى منازلهم.
ساعة استثنائية مؤثرة، وعالية، بقوتها وشفافيتها، وحنينها، وحنانها،وذاكرتها المتفجرة، قدمها وليد عوني، هذا الفنان الكبير، والمتدفق حباً لواطنه. انها المسرحية ـ اللحظة، المسرحية الزمن ـ المسرحية المكان ـ المسرحية ـ الوطن، التي هزت الحضور الذي تجاوز الألف، جلوساً ووقوفاً. عاصفة سحرية هبت في ساحة الأوبرا، امام تعاطف الحضور من مصريين وعرب وأجانب. وكم كان تعاطفهم صادقاً مع هذا العمل ومع لبنان، وكم صفقوا وطويلاً عند محطات لا سيما عندما غنت فيروز بيروت، والجبل، و"بيي راح مع هالعسكر، حمل سلاح راح وبكر، حارب وانتصر في عنجر"، أو مع "البعلبكية" أو مع "ريما" (من بترا)... وكم كان صوت فيروز المخترق الخراب بشفافيته، عاصفاً على رقته، رقيقاً على عصفه، نفذ الى الجمهور، واسره، حتى تماهى صوتها بالوطن كله. صوت لكل الوطن في افراحه وأتراحه، في مآسيه وأمجاده في خوفه وفي عناده، اخطاء ناسه وفي كبرهم. نشيد الأمل كان عمل وليد عوني. الأمل المنبثق من الركام. الزهرة الطالعة من الحجر. الذاكرة الملوحة من النوافذ الساقطة. التاريخ المستعار على السلالم المحطمة. دائماً توازت في مسرحية عوني اللحظة السوداء واللحظة الخضراء دائماً توازى الموت مع القيامة. دائماً توازت الهجرة مع العودة، دائماً توازى اليأس والأمل... ولهذا، وبكيميائية سرية، عرف وليد عوني كيف يجمع هذه التوازيات بتوليفة دينامية حية، وبايقاع مشدود، وبحيوية متواصلة، جعلت هذا العمل، محطة استثنائية، وافتتاحاً فنياً تجلى نجاحه في السيطرة على كل هذه العناصر الفنية ـ الغنائية، والسينوغرافية، والتمثيلية، في بنية لا شقوق بينها، والا فجوات، بالرغم من صعوبة مثل هذه التجارب. خرج وليد عوني من الخشبة المحدودة داخل المسرح الى الفضاء الأوسع، الى المسرح خارج المسرح، الى الناس، الذين لبوا نداء موعده، ولبوا دعوته، بما يشبه الذهاب الى المكان الحقيقي، الى المكان الأصلي، الى البيت الجنوبي، الى كل بيت سقط، الى كل شهيد، الى كل طفل مهجر، كأنه "هجّر" الخشبة الى حيث التهجير، لتكون شاهداً على ما ارتكبه العدو بحق لبنان، والى ما يرتكبه أصحاب المؤامرات، والتخريب، والفتن، في حق لبنان، سيادة، ودولة، وشعباً وأرضاً.
انتصر المكان بعودة الناس وبقوة ارادتهم في الصمود، وفي قوة التصاقهم بأرضهم، بل وبقوة ايمانهم. الم يقل وليد في ختام العمل: قد يذهب الضمير، والحب، والبيت، ولكن أكيد ان الوطن سيبقى. عمل وليد عوني هو نشيد الوطن الذي سيبقى برغم كل ما تعرض ويتعرض له: "كلهن بيروحوا وبيبقى لبنان. كلهن بيروحوا والناس هني يللي بيرجعوا".
وأخيراً لا بد من التنويه بهذا الاحتفاء الكبير، الخاص الاستثنائي الذي أحاط به لبنان، المهرجان، وبهذا الحضور الاستثنائي الذي افسح لبلاد الارز وشعبها، من قبل الشعب المصري، وفناني مصر، وبالأخص وزير الثقافة المصري فاروق حسني، ورئيس المهرجان الدكتور فوزي فهمي.
حقاً شعرنا اننا في وطننا الثاني، في مصر، وحقاً شعرنا كم ان للبنان حيزاً متسعاً في قلوب المصريين والعرب وعقولهم.
فشكراً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.