مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثامنة عشرة، ما زال يحتفظ بزخمه، وبرسوخه وتجدده. 54 دولة عربية وأجنبية تشارك بقرابة 120 عرضاً، تقدم على 18 مسرحاً في القاهرة. وعلى هامش المهرجان ندوتان فكريتان: الأولى بعنوان "أدبيات التأسيس للتجريب المسرحي ووثائقه، من نهايات القرن التاسع عشر حتى نهايات القرن العشرين"، ومن ثلاثة محاور:
1) أدبيات التجريب في الكتابة المسرحية ويشارك فيها بول شاوول (لبنان)، حسن رشيد (قطر)، ساتوشي أوكاي (اليابان) شي وو إن (كوريا)، قاسم مطرود (العراق)، لطيفة بلخير (المغرب)، لويس ماريو مونكادا (المكسيك)، محمد السيد غالب (مصر)، محمد خير يوسف علي الرفاعي (الأردن). وتدير الندوة الباحثة المصرية نهاد صليحة.
2) التجريب في الاخراج المسرحي والسينوغرافيا ويشارك فيها أحمد زكي (مصر)، أدريانا إيكوبيتر (رومانيا)، انتانويل فارسيما شفيلي (جورجيا) يدير الندوة هاني مطاوع.
جون ميزوناف (فرنسا)، عبد الكريم بن علي (عمان)، عبد الله الغيث (الكويت)، ليلى بن عائشة (الجزائر)، رفيق الصبان (سوريا) وهناء عبد الفتاح (مصر).
3)"وثائق التجريب في الأداء التمثيلي" ويشارك فيه أحمد شنيقي (الجزائر)، اليداجيه انيسلو (هولندا)، المنصف السويسي (تونس)، ايزابيل تخيرينا (اسبانيا)، بوجوسواف سيموتيك (بولندا)، عبد الحفيظ علي ابراهيم (السودان)، مارثا كوانييه (أميركا)، وهاني مطاوع (مصر) ويديرها أحمد زكي.
المسرح اللبناني
وفي بادرة مميزة، واستثنائية، خصص بالمسرح اللبناني ندوة بعنوان "لبنان والمسرح العربي" في ثلاثة محاور:
1) "الدور التأسيسي للمسرح العربي في لبنان ومصر" ويشارك فيه أسامة الصارف ورفعت طربيه (لبنان) ومدحت الجيار ومصطفى منصور (لبنان).
2) "ملامح المسرح اللبناني المعاصر" ويشارك فيه أنطوان كرباج ونضال الأشقر وميشال جبر (لبنان) وحسن عطية (مصر) ورفيق الصبان (سوريا).
3) "الرحبانية ثورة في المسرح الغنائي العربي" ويشارك فيه بول شاوول، عبيدو باشا (لبنان)، سعد أردش وفتحي الخميس ومحمد الشيخ (مصر).
العروض
وقد حافظ المهرجان على كثافة العروض وتنوعها مصرياً وعربياً وأجنبياً، فبلغت قرابة 120 عرضاً من 54 دولة عربية وأجنبية، منها مسرحية الافتتاح "النشيد" إخراج كابي يمين (لبنان)، "حمام بغدادي" تأليف واخراج جواد الأسدي (سوريا)، "التمرين" تأليف واخراج محمد قطاف، و"حتى الدين" إعداد وإخراج عنتر هلال (الجزائر)، وتشارك كذلك "بورشكا" إعداد رضا بو قديدة (تونس)، و"قطارة املح" لفرقة الجيل (ليبيا)، و"الملك لير" اخراج مجد القصص (الأردن)، و"نساء في الحرب" تأليف جواد الأسدي اخراج كاظم النصار (العراق)، و"ماء وماذا" اعداد واخراج دفع الله حامد (السودان)، و"أغنية الدم" (السودان)، و"دائرة بدون عنوان" (اليمن)، و"الهاجس" تأليف أمير الحسناوي، اخراج عثمان فلانة (السعودية)، و"مزون" تأليف قاسم مطرود، اخراج يوسف البلوش (عمان).
ومن العروض المصرية "ولد وبنت وحاجات"، و"العبد"، و"العشاء الأخير"، و"الى عالم جديد"، و"هكذا تكلم ابن عربي"، و"البطريق"، و"ابن سبعة"، و"فيروز هل ذرفت عيناك دمعة؟" (لوليد عوني) و"الأحمر القاني"، و"الخروج الى النهار"، و"الموقف الثالث" و"انتظار" و"أنتيجون"...
وسنحاول تباعاً مقاربة ما نشاهده من أعمال.
ـ "النشيد" اخراج كابي يمين (لبنان).
إذا كنا قد قاربنا هذا العمل أثناء تقديمه في بيروت في مسرح الاتينيه، فيمكن إضافة: ان العرض الذي افتتح به مهرجان القاهرة في الأوبرا بحضور نحو 1500 مشاهد، تميّز بكثافة أكثر، وبسيطرة أكثر على الأداء حيث تميزت رندا أسمر بحضور لافت، وبلعب أكثر تلوناً، وأكثر جوانية، من دون الوقوع في المبالغات، سواء الميلودرامية، أو الخطابية، أو النبرات العالية، بحيث ظل هذا "النشيد" صرخة موصولة من الداخل، وتفجراً جوانياً، تحت ضغط الواقع العائلي والاجتماعي. وكابي يمين سجل حضوراً مميزاً على امتداد العرض، ومقاربة لا تقل جوانية عن رنده الأسمر، بحيث كان حواراً خصباً بين الاثنين. عمل أبعد ما يكون من الصراخ، أقرب ما يكون الى التمرد البطيء الذي لم يسعفه الضغط الخارجي من الخروج على قواعد اللعبة الاستهلاكية المفروضة من المجتمع.
وننقل هنا بعض آراء مَنْ شاهدوا العرض. فقد قال سعد أردش (أحد كبار المخرجين المصريين): "لا شك أن الأحداث الجارية في لبنان كان لها أبلغ الأثر في خروج هذا العرض وتقديمه في حفل الافتتاح ليدعو كل المشاركين من الوفود العربية والأجنبية للتركيز على القضية اللبنانية". أما المخرج السوري رفيق الصبان فقال ان العرض انتقل بصورة سريعة وألقى الضوء على القضية اللبنانية وأضاف أنه عرض جيد ومميز إذ يشرك المشاهد ضمن أحداث المشكلة في وقت تمارس علينا فيه ضغوط أجنبية، وقال ان دلالات العرض كانت واضحة". وقال المخرج المصري أحمد عبد الحليم أنه إذا كان لم يفهم اللهجة أحياناً فانه وجد العرض جميلاً وخاصة أنه يدور بين شخصيتين بينهما مشاكل وقضايا بالتزامن مع خلخلة البيت". وقال الباحث القطري حسن رشيد: "لقد قدم العرض في إطار العبث من خلال عبثية الحياة ومحاصرة الفرد بكثير من القيود. كما شاهدت من خلال ما يمارسه الآخر علينا من اضطهاد سواء كان الجار أو الشقيق أو العائلة نفسها، وحاول المخرج كابي يمين أن يغلف عرضه بواقع الوطن العربي وبخاصة لبنان". أما الناقدة المصرية نهاد صليحة فقالت ان العرض شديد الرقة يستخرج المأسوية وأكدت أن الممثلين كانوا على مستوى جيد وكذلك الاخراج. وقال الباحث المصري أحمد سخسوخ "أن مجرد وجود لبنان شيء رائع وعظيم نفتتح به هذه الدورة. فهو تحية من مصر لشعب لبنان".
الملك لير
ـ "الملك لير" (عن شكسبير، إخراج مجد القصص (الأردن).
ما بين المغامرة والمقامرة شعرة. ما بين التجريب والفوضى شعرة أحياناً. الملك لير كما رأته الممثلة القصص التي تجرب الاخراج، خلطة عجيبة غريبة من العناصر والسينوغرافيا والسلايدات والأغاني والصوفيات وصولاً الى رابعة العدوية إضافة الى الرقص المتنوع والباليه والشرقي والغربي والغروتسك.
كل هذه العناصر التي كانت تحتاج الى مَنْ يخرجها من التوليف الى التأليف، ومن الاستخراج الى الاخراج حاصرت المأساة "الليرية"، ونفست عنفها، وقوتها الدرامية، وشخصيتها الرئيسية. الدلالات كثيرة الى درجة فقدانها. والمواد عديدة الى درجة تناكرها، بحيث لم تنصهر، ولم تأتلف في بنية، أو في إطار يوحدها أو الأحرى يمسرحها. فهل كانت كل هذه الخلطة في حاجة الى مسرحة؟ نعم! أي الى صنع مسرحية واحدة، بدلاً من توازي مسرحيات عدة فيها. فالسينوغرافيا كانت مسرحية في ذاتها. والملابس كذلك. والحوار، والغناء. والرقص. والمشهديات.
محاولة جريئة قامت بها مجد القصص، لكنها كانت تتطلب مزيداً من النضج، ومزيداً من العمل على الممثل، ومزيداً من العمل على الاخراج. مع كل هذه الملاحظات لا بد من القول ان كان في العمل دينامية ظاهرة... لكن تحتاج الى من يوجهها نحو المسرحة. مغامرة؟ نعم؟ لكن ناقصة.
ماء وماء
ـ "ماء وماء" إخراج دفع الله حامد ومصمم الديكور خالد ميرغني (السودان).
اختار المخرج في ساحة خضراء، وسط دار الأوبرا، في الهواء الطلق، أي مسرح خارج الخشبة المسرحية المعهودة. هذا الاختيار تم لأن المخرج أراد أن يستغل هذا الفضاء لتقديم عرض يختلط فيه الكلام بالحركة الجسدية، والتشكيل الكوريغرافي؟ وقد نجح الى حد في ذلك. إلا أن الارتباك الذي ظهر بين العناصر السينوغورافية والكوريغرافية، وكذلك في الأداء، أحدث بلبلة في العرض، زادت من بلبلته، حوارات طويلة، وثرثرات كلامية، كان يمكن اختزالها، وتجنب السردية حتى الخطابية، العرض السوداني، نسبياً، نتقدم، لكنه يحتاج الى كثير من الدربة والخبرة والرؤيا النصية والأدائية والاخراجية. مع هذا لا بد من مقاربة هذا العمل باعتباره محاولة خروج جدية من الأطر التقليدية في المسرح السوداني.
التمرين
ـ "التمرين" تأليف وإخراج محمد بن قطاف (الجزائر).
يستعيد المخرج ـ الكاتب "المسرح داخل المسرح" تيمناً بالتجربة البراندولية. فهناك ممثل (محمد عباس) ويساعده على الآلات الموسيقية زميله كمال بو عكاز، وتقودهما المخرجة نضال في تمرين على مسرحية "حكاية مواطن بسيط" مضطهد من طرف جيرانه الأقوياء. لكن مع تطور التمارين والبروفات يتحول هذا العنوان كابوساً يعبر عنه أساساً بالضحك الأسود حيث ان المواطن محمد الذي يحاول صوغ دعوى يشكو فيها الى المسؤولين في البلدية ظلم الجار، يخطئ في الرسالة والعنوان، تتحول الشكوى المحدودة، البسيطة الى شكوى أوسع: شكوى مواطن في وطن لا تتوفر لديه الحدود الدنيا من الحياة والكرامة. وهنا تبدو المخرجة كأداة قمعية (تمثل السلطة) وتذكره بخروجه على النص لتحدد المسألة في البلدية فقط... لا في رئاسة الجمهورية ولا في أي سلطة أخرى. بمعنى آخر يريد محمد بن قطاف فتح الدلالة على واقع السلطة، وعلى قمعها، وعلى معاناة المواطن...
السينوغرافيا بدت حيوية على بساطة، وجمالية من دون إبهار، ومشهدية من دون مجانية، أي أنها انخرطت في الوظيفة الدرامية، كجزء أساسي من مكوناتها. فتمكن بديكور متقشف: ملابس، كرسي، ودف ورق وملاءة بيضاء وقناع وشماعة ملابس أن يساعد على تكوين مناخ يفسح للممثل أن يستخدم هذه الديكورات في حركاته، وحالاته، من دون أن تبتلعه أو أن يبتلعها...
كوسوفو
ومن الأعمال التي قدمت (ثلاث مسرحيات ذات فصل واحد، كوسوفو)، وقدمت على المسرح المكشوف في دار الأوبرا. العمل يطغى فيه الكلام، والتطويل... ولا نعرف لماذا عرضت على هذه المساحة الفسيحة، في الوقت الذي لم يستغل المخرج سوى منصة متقشفة وممثلين.
هذا العمل ينتمي للمسرح الداخلي لما فيه من قرب وحميمية، وافتقاده الى أي عناصر سينوغرافيا تحتاج الى فلك المساحة الرحبة.
العربة الرمادية
ـ "العربة الرمادية" (إخراج انريك روزاس) المكسيك.
هذا العمل الذي قدم في المسرح القومي هو بمثابة للسينما الصامتة (الأبيض والأسود)، وللحكواتيين الذين كانوا يروون هذا الفيلم الصامت (في بداية القرن)، ويعلقون عليه. لكن الى ما يثيره هذا الفيلم السينمائي من حنين، وما أثارته النبرات الحكواتية الراوية وما قدمه عازف البيانو الحي، فانه ينتمي الى السينما لا الى المسرح، وكان يمكن أن يقدم في أي مهرجان سينمائي ويلقى الترحيب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.