تناولنا في الحلقتين السابقتين مجموعة من العروض هنا متابعة لعروض أخرى.
هجرة أنطيغون
ـ "هجرة أنطيغون" (تأليف وإخراج جهاد سعد، سوريا).
عاد جهاد سعد من جديد الى استنطاق "الأسطورة" القديمة لمحاولة الكلام على ما هو معاصر. وكنا شاهدنا له أعمالاً مماثلة كـ"غاليغولا" و"جاسون وميديا". اليوم، يرجع سعد الى "أنطيغون"، هذه الشخصية التراجيدية التي لا تنفد دلالاتها في المسرح الاغريقي. ويمزج هنا بين "استعادة" أوديب (الملك الملعون بالقدر) وأبولينوس. من "عالمي المجهول والغيوب والتذكر". لا يريد سعد أن يرجع الى أي نص يقتبسه أو يجري عليه "انزياحاً"، أو إسقاطاً لا من سوفوكل ولا من اندي ولا من عشرات النصوص الأجنبية التي تناولت الموضوع. بل أراد أن يكتب نصه، كمخرج أو ككاتب سيّان.
فكل المخرجين العرب، من أقصى الخليج يكتبون ككتّاب ومخرجين عن باب النص الوظيفي ـ الذرائعي أحياناً، أو من باب "الأدب" أحياناً أخرى. لكن مع هذا حافظ على المناخ "التاريخي" للحكاية، لأنه أراد أن يخرجها من محتواها الأسطوري وعلقها في حيز تجريدي. والأسطورة أليست أحياناً تجريداً ما للتاريخ وللأمكنة والأبطال والشخصيات؟ إذاً مكان "مجهول" و"مُجَهَّل" تحده سماوات شاسعة، ومتسعة هناك. وأديم من الرمل، الرمل الحقيقي، الحي. المادي. المذرور. أو المترامي. أو كجزء من الجسد. والكلام. والدلالة: فراغ شاسع يلف القبر الرملي الذي دفنت فيه أنطيغون شقيقها متحدية القانون السياسي، منضمة الى "قوانين" الحرية والاختيار، وإن أضيف إليه أوديب ليعمق "المعنى" القدري للتراجيديا. وكريون الطاغية رمز القانون الميت موجود. وابنه حبيب أنطيغون موجود أيضاً. ذلك لمحاولة إيجاد الوشائج بين الحياة والموت، وبين الموت والحياة، وبين الهنا والهناك. والدلالة أحياناً قوية بالتباسها (التجريدي) وأحياناً ضعيفة بتناثرها في مقام الكلام. لكن كل ذلك ممهور هذه المرة بقلم المخرج. كتب نصه الذي أخرجه بنفسه. (وقبلها أيضاً كتب). لكن النص على شعريته، صار أحياناً منبراً أدبياً. أو فلنقل اصطناعاً "لغوياً" ما كاد يؤثر على الدرامية نفسها. على أن طغيانيته، وسيادته (النص)، أعادتانا الى مسرح النص العادي. النص الذي يحمل أسراره كلها ولا يحتاج الى ما ينضاف إليه من الاشارات الجسدية أو الكوريغرافية أو السينوغرافيا الناقصة لتشاركه في عزه. النص هو الأساس لأنه لم يستعن بسواه. جهاد سعد في "غاليغولا" أمد الكلام بالطقوس والرقص والاشارة... والسينوغرافيا والاضاءة، لتشكل كلها ايمائية توحي أكثر مما تشرح وتفسر. هنا في "هجرة أنطيغون"، تقدم النص بقوته خاصة. وهذا يعني عملياً أن يكون هناك؛ أداء مشحون ومعبأ ومليء ومتنوع لكي يعوض عما فاته من "المؤثرات" والعناصر. وهنا النقطة الهامة في العمل: هل كان الشغل على الممثلين، لفظاً، وقولاً، وحركة، وتمثيلاً ناضجاً، (ومبتكراً) بما يكفي لكي يقوم بهذه المهمة، وأظن أن جهاد سعد وفريقه من المؤدين توفر لهم الوقت المتسع لإنضاج هذا الحضور الانساني (التمثيلي) على حافة تراجيديات تترامى وتتساقط؟ فالنص أدبي. فهل يكون الأداء إلقاءً أحياناً، وهنا الطامة، والنص أيضاً درامي: فهل يكون صراخاً هنا، أو عويلاً هناك؟ والنص ذو دلالات: فهل تكون الاشارات والنبرات والتصويتات نابضة بهذه الدلالات الموحية؟ والنص ممسرح: فهل تكون العناصر المتاحة تحتاج أكثر الى مسرحة؟
هذه أسئلة طرحتها على نفسي أثناء مشاهدة "هجرة أنطيغون" وبعدها. ذلك أن من المزعج العودة الى النص بعدما أنهك وديس (من المخرجين طبعاً)، لكن المفرح أيضاً أن تكون العودة مشغولة بحس ناضج وعالٍ من المسرحة، لكي لا يبقى النص في حلبة الأدب. مجرد الأدب...
نقول هذا وما زالت تلوح أمامنا لحظات عالية لا سيما عند "أنطيغون" أو عند أوديب... أو بولينوس...
صوفيا
ـ "صوفيا S.P العلم هو الخيال" (تأليف وإخراج كاترين ديوخرت وتوماس ديشكه، بلغاريا ـ ألمانيا). عمل طريف وغريب. ربما يطل على حركات جديدة لمفهوم المسرح والنض في هذا القرن . كأنه مزيج من المواقع والخيال العلمي. أو مزيج من "استشراف" المستقبل الذي لا بد أنه يحكي عن نفسه. عن الراهن، بكل مشاكله، وأزماته وظواهره من مسألة الأسلحة النووية، الى الاستهلاك، الى العالم الافتراضي، ووسائل الاعلام، والحروب، والتكنولوجيا، والسياسة وحتى الأيديولوجيا والفن والثقافة، الواقع يعبر عن كل ذلك عبر حكاية تفيد أن صوفيا هي اسم لمحطة فضائية تدور حول الأرض. ويحدد العام 2080 كزمن. تنفصل مجموعة تدعى سوبيك التي اعتادت العمل سوياً مما يزيد عن 120 عاماً. تنفصل 30 عاماً ثم تعود مرة أخرى لإتمام عملها على متن "صوفيا S.P".
فالحدث إذاً "فضائي"، من فوق والى تحت، وفي المستقبل. بالطبع هذا يذكرنا كثيراًبأعمال سينمائية تندرج في هذا الاطار "الرؤيوي". لكن اللافت في هذا العمل أنه بقي وبرغم "فرجويته" المفترضة (عوالم الفضائيات...) مسرحاً متقشفاً، وفقيراً، بأدواته: كرسيان، بضعة صناديق من الكرتون تستخدم في وظائف متعددة، يافطات، منصة. وهو مسرح متقشف بأدائه: الشخصيات الثلاث تقول النص وكأنها تلقيه. تقوله بشكل حيادي. وطبيعي. أي تمثيل اللاتمثيل. وصراخ. لا عرض عضلات كوريغرافية، أو سينوغرافية. لا زخرفة. لا تصنّع. القول الطبيعي، المباشر، الخالي من "العاطفة" أو المبالغة أو الميلودراما. والحوار أيضاً متقشف بأسلوبه، بلا أدب ولا جمل مرنانة. ولا مواعظ. ولا ادعاء. نص اقرب الى البيان هنا، أو الى التعليمات هناك. أو البيانات. أو المقالة. والحوار مكثف، قصير، لماح، سريع، ولكن أهم ما في النص نبرته الساخرة، والماكرة، الحادة، ستستمر من التحولات الجارية والمقبلة... على امتداد القرون المقبلة.
يقول النص "إذا لم نستطع أن نتحول فلنتحول بشكل افتراضي" (أو مفهومي). وإذا لم نستطع أن نأكل فلنأكل بشكل افتراضي. وإذا لم نستطع أن نحب فلنحب بشكل افتراضي، وإذا لم نستطع أن نفكر فلنفكر بشكل افتراضي...".
الممثلون الثلاثة، A, B, C (للإيماء) أدوات بطريقة مقتصدة، مركزة، لكن حرة، ورحبة من دون قيود النمطية، أو المدارس المعروفة.
رومانيا
ـ "خطوة 100%" (تأليف وإخراج كلاوديا غرويو، رومانيا). سيناريو المسرحية مبني على الفترة ما بين الحربين الأولى والثانية على موسيقى العشرينات والثلاثينات والأربعينات.، ثلاث فتيات (جميلات بالمناسبة) يواجهن عوائق كثيرة مرتبطة بهذه المراحل. هذه هي "النتيجة" أو الطريق. لكن العمل ينتمي الى مسرح الكباريه أو "الشعر" الاستعراضي. مجموعة من الاسكتشات الرائعة المسحوبة من إرشيف الرقص في تلك المرحلة، على خلفية غنائية من المرحلة ذاتها، ومقدمة بأزياء جميلة. وأنيقة. ومحتشمة (الفتيات الراقصات الثلاث يرتدين الأسود والأحمر وينوعن عليه ببعض المتاع: الحقائب، القبعات، الشالات، بحسب كل استعراض.
فلا مسرح، ولا دراما، ولا تمثيل. وإنما استمتاع ببهجة الرقص الماهر، والرشيق، والحي، وكذلك حنين الى أنغام تلك المرحلة ما قبل الخمسينات وتسريحات الشعر النسائية، والأغاني الرومانية والرقصات المعروفة (نتذكر جين كيلي وفريد أستير). فأجمل ما في هذا العمل ما يثير من الحنين لفترة جميلة، ورومانسية، وأسوأ ما فيه أنه لا يمت الى المسرح بصلة.
قاتلة النبي يوحنا
ـ "قاتلة النبي يوحنا" (عن نص "سالومي" لمحمد سلماوي، إخراج عماد العقاد، مصر). قدمت هذه الشذرة من مسرحية "سالومي" في باحة "المتحف الحديث" (ساحة الأوبرا)، في الهواء الطلق، وقد استفاد المخرج من الفضاء المتسع، ومن معمارية المتحف (أعمدته). ومداخله وجوانبه، وامتداداته لتقديم عرض جمع بين الكلمة وبين الصورة المرئية والايقاع الحركي، والرقص التعبيري. العرض الذي لم يتجاوز الـ30 دقيقة، كان ضعيفاً برؤيته الاخراجية، وبممثليه لا سيما سلامة ماهر الذي لعب دور يوحنا.
هذا العمل أعدته "فرقة رؤية" المصرية.
جسد وسفينة
ـ "جسد وسفينة" (تأليف وإخراج الورشة التجريبية، قطر). علاقة الخليج بالبحر وإيقاعاته وألوانه وأغانيه ومواويله التراثية، جربت عليها الورشة الخليجية المؤلفة من مجموعة من الشباب. فهي تجربة شبابية، اعتمدت مواضيع وأدوات قديمة، سبق أن استخدمها المسرح الخليجي في أعمال عديدة، لكن برؤيا جديدة؟ فهل كانت الرؤية في حجم العمل، النص مزيج من شعر وشخصيات درامية (إقحام ماكبث ولير)، والاداء مزيج من لغة الجسد والرقص والألوان. تجربة على الصوت واللون والحركة، لصوغ مشهديات حيث بعضها في الدرامية والأخرى في البلاغية الجمالية. لكن تبقى التجربة الشبابية، بهوسها وشغفها، مدخلاً لأعمال أخرى ربما أنضج وأكثر ابتكاراً وجدة.
تغيّر البحر
ـ "تغيّر البحر". و"دائرة القطب الشمالي" (مشاركة بين المخرج بيت سكينر، والموسيقي إدوار هيربت وسائر العناصر السينوغرافية... الولايات المتحدة الأميركية".
"تغيّر البحر" لوحة سوريالية تدب فيها الحياة، وتسكنها شخصيات غريبة تجتمع معاً في رحلة بحرية في المحيط، وتتسم تارة بالهزل، وأخرى بالرعب، يسافرون في اتجاه تحول شخصي تاركين خلفهم كل ارتباطاتهم الدنيوية. يحتوي رأس المرأة وجسدها على صور وأصوات وأحداث "تغير البحر"، بالرغم من أنها معاً (تصنع) بيئة تخوضها كرحلة بحرية خاصة بها. يخرج عازف الموسيقى من لوحة الفنان الفرنسي رينيه ماغريت ""صوت الرياح" وهو غير موجود هنا على حد معرفة السيدة. قد تعتبر رجلها مبدعاً كنطاق الصوت برحلتها البحرية. ولكن يبدو أن ما تعبه هو إحساساتها الآنية، وأنه مجرّد سراب على زبد الموج. هل هو ما يصدر الأصوات أم هو التجسيد المتخيّل للتأثيرات المناخية في المحيط؟ ويحظى ماغريت برجال مهذبين ذوي أجنحة قاطنين هذا العالم ولديهم طرق تأمل لكي يحلقوا للتحرر من المنطق واللغة والتخوم الانسانية.
أما "دائرة القطب الشمالي" فتصور ماغريت كمكتشف للقطب الشمالي، هازاً حيوات الأفراد الواقعين في أزمة الاختفاء السريع وتتقلص في الوقت نفسه، إنها تكتشف القوة التي تتمدد وتتقلص في الوقت نفسه، كصراع روحي داخلي ربيعي. لوحة ماغريت "الاغتيال المهدد" تقدم رجلاً مهذباً يعتمر قبعة أنيقة لكن في هذه اللوحة يمسك بهراوة سميكة من الخشب (بينما يمسك قرينه بشبكة صيد) مظهراً الحسن والخطر سوياً، ربما التهديد الدائم كما هو عادي، والخطر المختبئ خلف المظاهر الكاذبة للتمدن، تتمدد امرأة شابة هامدة وفمها مغطى. تكشف النافذة المطلة على الخارج فيما وراء حدود الهجرة المرتبة على المنحنيات الحادة للواقع، والجبال الباردة. في هذا العمل يعمل المخرج على هذه الصورة لكي يحاول تطوير شخصية يتخيلها.
الدمى
ـ "الدمى". (تأليف وإخراج شادي عاشور"، السعودية) هذا العمل كان يحتاج الى كثير من التروي والانضاج لإيجاد لغة مسرحية متجانسة، أو لغة مسرحية ذات بينة تجمع كل النذرات التي وضعها المخرج، على المسرح، وكأنه كان يريد أن يقول كل شيء، لينتهي الى أن يقول القليل أو الأقل. فالنص مشتت ومتراكم ومتداخل. والأداء، غارق في المبالغة والنمطية والصراخ والبدائية. بالاشارة العشوائية وكذلك الموسيقى. بحيث لم يستطع الاخراج الجمع بين العناصر السينوغرافية وبين الأداء وبين الملابس والموسيقى. فكأن كل عنصر تقدم على حدة.
صحيح أنها مسرحية شبابية، لكن هذا يتطلب أيضاً درجة من التأهل الصوتي، والجسدي والتقني. مع هذا قدم هذا العمل مناخات ترتبط ببعض جوانب الواقع العربي السعودي. ونظن أن السمة الأساسية التي برزت في مشاعر القلق لدى هؤلاء الشبان الثلاثة. القلق من المجهول. القلق من مجهول لا يعرفونه. ويحاولون تبديد هذا القلق، بمواجهته، ممررين المواجهات التي اندلعت مؤخراً في السعودية، بالايحاء والمباشرة.
لكن نظن أن أفضل ما في العمل هو السينوغرافية المتقشفة: صناديق تستخدم في وظائف وتشاكيل عديدة: منصة، سيارة، نصب، كراسي في مقهى، فسحة للرقص، متاريس...
كان يمكن أن تكون هذه المسرحية صرخة ضد كل العنف والمظاهر، الأخرى، لو تم العمل فيها بهدوء، وبشيء من الابتكار وطبعاً من التأهيل.
الفراشات ترحل مضيئة
ـ "الفراشات ترحل مضيئة" مسرحية وضعت تحية لشهداء المسرح في بني سويف نفذها طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية. إنها تحية، أداها 12 شاباً في عمل جماعي بلا توقيع خاص، ومن خلالها تحكي عن رحلة هؤلاء الراحلين عن طريق الفلاش باك واسترجاع لأجزاء لأعمالهم.
من النصوص التي قدموها:
"في قاعة بني سويف، حيث حدثت الكارثة
وكان الصمت
داخلهم
يتأمل
والحزن رثاء
في ذلك الصمت
كان بكاء
قال: عندما يزيد عن الحد
ينقلب الموقف للضد
تحرك الصمت داخلهم
الى حركة
وعويل الحركة الى صرخة
نكتب في أرواحنا حزناً ورثاءً
وكأن ابناءَنا من زملائهم الشهداء
يصرخون في الكلمات غير المنطوقة
إخفوا الحزن
سيدة المظلة
ـ "سيدة المظلة" (تأليف شينو كوراشي، إخراج ياوسكي فوجيتا، اليابان). يعتمد هذا العرض على مناخ ثنائية الحضور الأدائي والموسيقي. امرأة، هي السيدة توتوكو أندو وعازف لآلة الكونترباص الالكترونية على المسرح. تحوك السيدة المظلات في مكان عملها وهو مصنع صغير لصناعة المظلات باستخدام ماكينة قديمة للحياكة.
أداء صارم، لا سيما في هذا التواصل بين الداخل والخارج، بين متطلبات جسدها وحرية عقلها، وأداء صارم، وملون في آن، تمكنت فيه الممثلة اليابانية من السيطرة على مجمل المناخات وعلى أدائها وعلى حركتها.
ماكينة أوفيليا
ـ "ماكينة أوفيليا" لـ(هاينر مولر، إخراج دافيد جيوفانزانا، فنلندا).
بالرغم من أن العرض مستوحى من مسرحيات عدة "ميديا" أوريبيدس، و"هاملت" شكسبير و"ماكينة هاملت" لهاينر مولر، إلا أن عرض "ماكينة أوفيليا" هو عرض صامت يقوم فيه الممثلون بأداء دور الكورس. وحضور الكورس ههنا ليس لعرض الواقع، وإنما لتوفير حلقة وصل بين الواقع والفضاء المأسوي.
"ماكينة أوفيليا" صورة للماكينة الاجتماعية حيث تغرق امرأة في فيض من الأيقونات والأرواح المفقودة في عزلة المطارات وصرخات الحروب تصدر عن المحاولات المدمرة للنفس عند اندلاع الثورة، قبل الصمت الأخير.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.