تناولنا في الحلقة السابقة، مناخات المهرجان وعدداً من العروض، هنا الحلقة الثانية.
عرض
"عرض" (تأليف وإخراج سوتوس ستفراكيس، قبرص). مونودراما امرأة، تعبّر، على خشبة متسعة محتشدة بالديكورات، عن تحولات، أو تجسدات أو استحضارات قد تبدأ بطقوسية (اغريقية) من هيلين بطروادة الى جوليت بأنتيغون تتخلل التفاصيل، واليوميات، في جسد امرأة، وعقلها، وهواجسها، وأحلامها.
كأنها من أجمل المونودرامات التي قدمت. نحو ساعة وربع ساعة، تتحرك الممثلة القبرصية الشابة في كل الاتجاهات: المكانية، الزمنية، التاريخية، الجسدية، على مساحة من الأشياء، والديكورات "الوظيفية" غير المجانية والتزويقية. طاقة متفجرة في فضاء من "تحولات" متنوعة، جسدتها الممثلة، بلا تعب أو كلل أو حتى هبوط في الايقاع (ما عدا بعض اللحظات). فمنذ العلبة الايطالية المحصورة، بما تكتنز، الى كسرها نحو الجمهور، ولا سيما نحو باب الخروج من القاعة فالى الروايات الحميمة وأغراضها، والى الأمتعة تتحرك الممثلة وحدها، لتملأ المكان، كل المكان، (وهو مكان شاسع بالنسبة الى مونودراما من شخص واحد ومن شخصيات ضمنية متعددة). تنوّع في نبرات الصوت، من أسفل الصمت الى الصراخ (بدون زعيق)، فالى الغناء، فالى التمتمة، فالى القول الصريح... أدتها بامتلاك صوتي مميز. وهذا الصوت ذو النبرات الخصبة الفتنة، يطلع من جسد لم يهدأ. لعب أدواراً عدة من الكلمة المضمرة الى الحركة، والرقص، والتمثيل الصامت، والقفز. إنها بطلة العرض تمكنت من السيطرة على أدواتها. على دوران المسرح، لتوظفها كلها في الأجواء أو في معاني العرض والحركة ودلالاتها. كما أن المخرج والسينوغرافي وحتى الكوريغرافي، عرفوا، كيف يرسمون تصاميم لا تسعى الى الابهار، ولا الى التزيين، بقدر ما تخدم الغرض الجمالي والدرامي... والانساني.
كاليغولا
"كاليغولا" (تأليف ألبير كامو، إخراج أندره دزيوك، بولندا). قد يكون هذا العرض حتى كتابة هذه الأسطر أفضل عروض المهرجان.
إنه عرض بكل معنى الكلمة، أي عرض ذو معماريات عدة، معمارية ديكور متقشف، لا يتجاوز مفرداته أصابع اليد: من "خشبة" مستديرة داخل الخشبة (وحولها الجمهور، من النواحي الأربع) فمرآة في أقصى اليمين، فبرميل، فأقمشة خضراوية تميل الى اصفرار الى شحوب، والملابس. الى لازمنيتها وبانيوم متحرك... بهذه الأدوات "المعمارية" بالمعنى الدلالي أي، ليكون جزءاً من المناخات الدرامية والمدار والجسد، تحرك بضعة ممثلين، ليلعبوا "كاليغولا"" الامبراطور الطاغية التي كتبها كامو اعتراضاً على التوجهات الاستبدادية.
فكاليغولا الذي يختفي ثلاثة أيام بعد وفاة زوجته وحبيبته، ينقلب على نفسه وعلى العالم، التي تثبت فكرة لا جدوى هذا العالم، وعبثيته. العبث "الوجودي"، الذي يكسر كل القواعد الانسانية، ويجعل الموت جزءاً من هذه اللعبة. إنه الهزل القاسي، الذي يدرك في بعض جوانبه القتل في تلاوينه كما عبر عنه هذا الامبراطور. ومعروف أن كامو كتب هذا العمل من ضمن "نظرته" العبثية السوداء التي كتب بها رواية "الغريب". أو حتى "السقطة"، قبل أن ينتقل الى "الطاعون" الرواية التي تنفخ فيها عبثيته كل شيء أو على كثير من "التفاؤل".
نص كامو، مهم، لكن ثقيل أحياناً بأدبياته. لهذا تجد أن المسرحية البولندية، قامت على الكلمة، لكن الكلمة المنطوقة بمعماريات جسدية متحركة، حية، خصبة، مشغولة من الداخل، وممسوكة حركاتها، ومقتصدة وغنية. جوقة متماسكة من الممثلين المحترفين والجادين، لكن الممثل الذي لعب دور كاليغولا أظهر قدرات عالية شفافة، وحضوراً متعدداً تمكن من الولوج به الى عمق هذه الشخصية "المجنونة"، المسكونة، العبثية، لكن التي يحركها "منطقها" الخاص. ولهذا نكتشف قوة الالتباس الذي يبدو في أداء الممثل البولندي. وهو التباس يبعد الشخصية عن التسطيح والبعد الواحد والصفة الأحادية. لعب هذا الممثل على مساحة احتمالية خطرة. ذلك أن كل شخصية حركية هي شخصية احتمالية. كأنه كان يبحث بأدواته عن عتمة تلك الشخصية، وعن مأمن غموضها "القاتل" والعنيف، والعابث والهازل... لكن "الفلسفي" أيضاً. إنها التناقضات التي تذكرنا بشخصيات شكسبيرية مماثلة كهاملت أو ماكبث. نركز على الممثل الكبير لكن لا نغفل هذه الكوكبة المنسجمة الممتهنة عملها من الممثلين، الذين رسخوا حضورهم، كجزء بنائي وعضوي مع حضور الممثل الرئيسي. في هذه المسرحية التي تزاوج فيها النص والاخراج والممثل، دروس لمن ينعون النص ويعتبرونه "ظاهرة" قديمة، ليستغنوا عنه في لعبة تساهم في القضاء على روح المسرحة أو الدراما، لا سيما في الأعمال الحركية، أو الكوريغرافية أو المشهدية أو التقنية، التي ترسم صوراً جمالية رائعة... لكنها صور ما بعد الدراما... والمسرحة.
ساعتان قدم فيهما كل نص كامو، لكنهما ساعتان مليئتان بإيقاعات مليئة، مشدودة قوية، متنوعة، خصبة، لم نشعر فيها بفجوات إيقاعية أو أدائية... أو بملل أن بتبرم.
تحت التشغيل
"تحت التشغيل" (تأليف مسرح BYT التجريبي"، إخراج إد كوتريل، انكلترا).
عمل مسطح وبدائي، وربما قروي جاءنا من بلاد شكسبير، يقدم ثلاثة مهرجين بتمثيل ستة مشاهد يتناول كل منها موضوعاً رئيسياً باستخدام التهريجة والتمثيل الصامت والايماء واللعب على الكلام، تصب كلها في رفض التمييز العنصري، وأسلحة الدمار الشامل، وفي دعم المحرومين والمقهورين طلباً للعدالة والمساواة، خلفية وعظية لعمل قد ينتمي في أفضل الأحوال الى مسرح الأطفال، وفي أسوئها الى ما لا يذكر بالتهريج (قدموا تهريجاً بلا احتراف ولا خفة ظل)، ولا بالبانتوميم (هل نتذكر مارسيل مارسو)، ولا حتى بأغنية الأطفال وألحانها.
عمل يمكن أن يستغنى عنه بسهولة.
امرأة بلا ذاكرة
"امرأة بلا ذاكرة (تأليف اليشيا سوتو سولاس، إخراج اليسيا سوتو سولاس، اسبانيا). هذا العرض مأخوذ من قصة حياة الكاتبة والمخرجة ماريا تريسا ليون. عمل آخر تستمتع به لكن هذه المرة من معمارية الجسد الايقاعي والراقص والدرامي، يروي حياة وما يحيط بها، وما يحولها، وما يغيرها، وما يرفعها، وما ينهيها، في حزمة من التناقضات، والمآسي، والحضور، والانكسار، والحب، والشغف.
مساحة كوريغرافية معبّرة، ومجسدة، ومحترفة، وقوية، وموحية، وهنا الكلام بالجسد هو الكلام بالحواس. الحاسة الايحائية بالحركة الموقعة، بدوزنة الجسد عن أخصب ايماءاته، ورغباته، وشبقه، وضعفه أيضاً. وقد اكتشفنا ممثلة كبيرة، عرفت كيف يكون الرقص في موازاة الدراما. وكيف يكون البدن المتفجر رديف الكلام المضمر. فكأن هذا الكلام وما يضمره من مواصفات وأمزجة وأحوال لتلك الكاتبة، فاض مع تدفق الجسد على الخشبة وصولاً الى القاعة، من تطريب، أو إغواء. أو تنازل. وإنما بفعل درامي عالٍ، أوصل المكنون والمخبأ من زوايا الشخصية الى حواسنا ومسامنا... وحتى رغباتنا . فالراقصة بلانكا يالتيس، هي التي حضرت بكل مخبآت حركاتها، ودلالاتها. نقصد أن الجسد الراقص يصبح مجازاً. جسراً الى ما هو أبعد منه وحتى أبعد من الكلام. مجاز حياة كاملة. وبلانكا ذات الاحتراف الراقص الرفيع، أخصبت الخشبة، على مدى ساعة وربع، بتحولات الايقاعات والحركات والايحاءات، لتسرد بجسدها اللين المطواع، حياة الكاتبة، ضمن سينوغرافيا (هي رسمتها) قائمة على لعبة المرايا. تدخل المرآة. تتحرك أمامها. تنكسر وراءها. مرايا عبأت الخشبة من أطرافها ووسطها، لتعبر، مع ما تقدمه الحركات الراقصة عن تمزق، انقسام، وربما تملك، أو نرجسية، أو غياب، لتلك الشخصية المستحضرة.
عمل بلانكا متقن. ساعدتها فيه ممثلة ـ راقصة تتميز بمهارات في الاداء والبهلوانيات وفنون السيرك. عرض بصري أخاذ لم ينحن جوهر الدراما بمجانية جمالية، بقدر ما اخترقها بفعل مسرحي نافذ.
ثم ينفجر الصمت
"ثم ينفجر الصمت العميق" (تأليف ديروس ساندوز، إخراج تاموس هير سبنرج، المجر).
إنها محاولة لبناء مسرح شعري ينطلق من أجواء شعرية، وميتافيزيقية، وفلسفية، وصوفية... ودينية. محاولة "إقامة جسر من الكلمات بين الأرض والسماء"، بحسب الشاعر المجري ساندوز ويروس. طموح رائع! لكن الفرقة بممثليها، وسينوغرافيتها وحركيتها، وإيقاعاتها، وفضائها، تناولت هذه المواضيع الكبرى بتبسيط شديد وبقلة خبرة، لكي لا نقول سذاجة.
صحيح أن هناك التماعات مشهدية هنا وهناك، وبعض اللحظات "الاستثنائية" لكن كل ذلك كان لا يلبث أن يذوب في فضاء عمل بليد، ملول، خفي، مبتدئ، ومدرسي.
كان يمكن وبشيء من الاحتراف والعمل، تطوير الفكرة (وهي مقبولة) الى عمل متماسك، وحي وموح، ومؤثر. لكن شيئاً من هذا لم نشاهده على امتداد 40 دقيقة من العرض.
بداية الحديث
"بداية الحديث" (تأليف فرقة لاليش لعمل المسرح، إخراج شمال أمين، النمسا). قد تكون هذه التجربة ذات أبعاد نظرية ترى في الصوت العنصر الأساسي أي الأداء الدرامي. الصوت الذي يشكل المفصل الأساس سراً أو كان "غناء" أو تصويتاً، وقراءة، أو نشيداً، أو ترتيلاً. الصوت الذي يختزل الكلام والجسد لينتصب بطلاً على كل العناصر الأخرى. هذا كلام نظري طموح، لكن ما شاهدناه وسمعناه أن "المسرحية" هي مجموعة أغان (كردية عموماً وعربية أيضاً) متوارثة، أو متجددة، تنشد أو تصوت، في حواريات أو تكرارات، أو تطريبات قد تعبر في جوانب منها على حالة درامية، لكن في مجملها لا تعدو كونها وصلات تتحرك أحياناً على مساحة الخشبة بمفردات سينوغرافية محدودة، تغيب عنها الاضاءة إلا في لحظات تأتي فيها للانارة. الثلاثة: امرأتان ورجل يحتفلون بالصوت، على مدى 35 دقيقة، ليحيوا بهذا "أمسية" لطيفة، تقام في منزل أو في سهرة حميمة أو قد تشكل مفردة من عمل أكبر عمل، لكن في الأحوال لا تصنع مسرحية، أو عملاً درامياً، هذا العمل من ضمن أعمال كثيرة، تحمل رؤيا نظرية "معقدة" وتطبيقات ساذجة ومبسطة.
حارة عم نجيب
"حارة عم نجيب" (تأليف وإخراج أحمد حلاوة، مصر).
المسرحية مستوحاة من أعمال نجيب محفوظ في شخصية البطل عبدالله، من "حرافيش" المجتمع المصري. هذا العمل بدا في بداياته طريفاً وجذاباً من حيث التركيبة السينوغرافية: لوحات ورسوم تشير الى المشاهد (كما في المسرح القديم)، والشخصيات من تراث الأراكوز، وخيال الظل، تنافس الشخصيات الرئيسية في الحضور. كشخصية "الجد" (الأراكوز) الذي يمثل الماضي وتقاليده. فكرة جميلة، استمرت هكذا، حتى اختلطت الأمور، وطالت الحوارات، وتكاثرت المشاهد، حيث أضاعت "سحر" هذه التوليفة من الشخصيات "الكرتونية" والأخرى الحية.
أحمد حلاوة استغل كثيراً من عناصر الموروث الشعبي: من الأغاني، الى الأراكوز، وخيال الظل، ليصنع مسرحاً شعبياً، لكن، الى خفة هذا العمل وظرفه، كان لا بد أن يقع أخيراً في كليشيات المسرح الاستهلاكي وفي تطويله وفي منشاته السياسية وتلميحاته الى بعض الأحداث، أو بتعبيره المباشر (وأحياناً الفظ) عن بعض القضايا.
توليفة لو أكملها أحمد حلاوة كما بدأ لكانت محاولة تجريبية مميزة مع الموروث وأدواته وروحه.
عروض
ومن العروض التي قدمت "تعويذة مصرية" (تأليف محمد النيل وإخراج شريف صبحي، مصر)، تتناول التعويذات السحرية المصرية بأدوات طقسية كونية ومحلية. وهي تحاول أن تجسد سحرهم الشيطاني وهجماتهم الامبراطورية لنشر هيمنتهم على الدنيا. وهكذا تم استحضار طقوس من أرض بغداد والقدس ومصر لصيد سحر الصيادين...
وعرض كذلك "ست ستات" تأليف وإخراج حمدي التونسي، مصر). وهو نص مرئي تتوحد فيه المشاعر مع أدوات فنون الأداء لتقدم لحظات خاصة لدى المرأة. تعتمد هذه التجربة على الدمج بين طاقة اللحظات الفردية والطاقة الجماعية وذلك من خلال مجموعة من المؤثرات الخارجية الطبيعية كالألوان والحيوانات والخطوط محاولة للوصول الى لحظة شعرية تفرض نفسها.
"شوف يا أحمد" مسرحية كوميدية، تراجيدية إخراج خالد بلحاج، (الجزائر)، وتدور أحداثها حول حقوق الانسان والقضايا العربية في دول جنوب الكرة الأرضية من خلال قصة أحمد الذي أودع السجن بناء على شكوى قدمتها زوجته بدعوى إهماله لعائلته، ليتم إطلاق سراحه، وتعترف الجماهير به وبالخدمات التي قدمها للأمة.
ومن السودان "الهرم السادس" (تأليف دفع الله حامد، إخراج موسى الأمير). يبحث هذا العرض في الحكايات القديمة عن مناهضة الملكة أماني والغزوات على مملكتها. ويستعرض حرب الامبراطور أوغست الروماني ويستلهم شخصيات من التاريخ ويمزجها بالراهن من خلال مجموعة من اللوحات تربط بينها الأطياف وتمثل التاريخ بشكل أو بآخر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.