8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (1)

شيء حزين ومؤسف وقاسٍ يخيّم على أجواء مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في دورته السابعة عشرة، وهي الحادثة التي ذهبت بعدد من المسرحيين والمواطنين المصريين في بني سويف أثناء أحد عروض المهرجانية هناك. بعضهم تظاهر للتنديد بالإهمال الرسمي، وبعضهم قدم عروض المهرجان لأرواح "شهداء المسرح"، وبعضهم أرادها، عبر المناسبة، معركة ضد المهرجان ككل، وضد الوزير فاروق حسني بتحميله المسؤولية، وبعضهم تذكر هؤلاء الراحلين الذين كان بعضهم جزءاً من فاعليات المهرجان وحيوياته... الكل أحس بغصة تحفر عميقاً، وأن شيئاً ما نقص في هواء المهرجان، بل إن أشياء جميلة افتقدت هذه الدورة عبر افتقاد هؤلاء الشهداء، ولكن كان ربما على الجميع، أن يحيّوا هؤلاء، عبر أن يستمر المهرجان، وتستمر عروضه، وأعماله، وفي ذلك ما يُريح "الراحلين"... وما يستذكرهم عبر الإبداعات التي تقدّم.
وكما سبق أن نشرت "المستقبل" في عدد الأربعاء 21 أيلول الجاري، فإنه ارتؤي إلغاء الافتتاح، والاقتصار على تقديم مسرحية وليد عوني في دار الأوبرا "بين الغسق والفجر"، لتنطلق في اليوم التالي، فعاليات الندوة الفكرية في قاعة المؤتمرات بالمجلس الأعلى للثقافة، والعروض على خشبات نحو 25 مسرحاً متوزعة في القاهرة.
الندوة الفكرية عقدت جلساتها على مدى ثلاثة أيام تحت عنوان "التجريب وتقاليد الكتابة المسرحية" في ثلاثة محاور. المحور الأول "التلاعب بالتقاليد"، كتاب عصر النهضة رواد التجريب في الكتابة المسرحية، أدواته الناقدة د. نهاد صلحة وشارك فيه كل من اليسا سوتو هولاس (إسبانيا)، أدريان دي ستيفانو (الأرجنتين)، د. جان داوود (لبنان)، محمد المديوني (تونس)، محمد مبارك بلال (الكويت)، روب دي جراف (هولندا)، سامي خشبة (مصر)، عصام عبد العزيز (مصر) وهاني مطاوع (مصر).
المحور الثاني "التمرد على التقاليد"، البنى والبحث عن تقاليد جديدة، كتاب المسرح الحديث والتمرد على الأبسينية، أداره أحمد زكي وشارك فيه (مصر)، وكذلك أبل نيفيز (البرتغال)، اليسع حسن أحمد (السودان) أنجاتو كرمان (ألمانيا)، جون هوتشو (كوريا الجنوبية)، حمد الرميحي (قطر)، فيليكس باريت (انكلترا)، وليد اخلاصي (سوريا)، مولي كرومي (العراق)، مصطفى يوسف (مصر).
أما المحور الثالث "الإطاحة بالتقاليد" فأدار الندوة فيه د. سمير سرحان، وشارك فيها كل من د. أحمد سخسوخ (مصر)، بول شاوول (لبنان)، بوزينا ساويكا (بولندا)، جواد الأسدي (العراق)، جوليو تيشزازي بيروني (إيطاليا)، ليلى بن عائشة (الجزائر)، ماكس كيرن (أميركا)، وجدي زيد (مصر)، ويوسف الريحاني (المغرب).
وسنحاول التوقف عند أبرز العروض التي قدمت، على أن ننشر تباعاً بعض الدورات المميزة التي نوقشت في الندوة الفكرية.
بين الغسق والفجر
"بين الغسق والفجر" لوليد عوني، من أنضج أعماله وأنضرها وأكثفها، إيقاعاً وصورة وحركة وإيحاء. العرض الذي امتد نحو أربعين دقيقة يصب في قلب الهاجس الإنساني ككل، عبر مجموعة من الناس تعيش في مكان بعيد وزمن غير محدد بعد كارثة نووية أصابت العالم. وضيّعت أصولهم وهويتهم وأحرقت بصماتهم عن أصابعهم ليضيع معها الإدراك والمعرفة منذ الخليقة كأنما أصبحوا رماداً يتناثر في الهواء الملوث، رماداً موبوءاً، في عالم موبوء مغلق. علماً أن هؤلاء كما يراهم وليد عوني، كأنما ينتظرون الانبعاث من الرماد، ينتظرون علامات العودة الى الجذور والينابيع، آدم وحواء، قابيل وهابيل، الذكر والمؤنث سر الوجود.
العناصر الأربعة كأنما تكمن في أكف هؤلاء. وهكذا يلجأون للرقص لكي لا يلتهموا بعضهم في زمن ينهار بوتائر سريعة ما بين الغسق والفجر، لتنفجر موسيقى طقوسية تنادي بفصل الربيع الضائع، والبحث عن مكان لكل شيء...
إنها طقوسية الاحتفال بالبدء من جديد.. وربما بإنسان جديد يستعيد وجوده ليجدده، ويفتحه على الأمل.
وليد عوني نفخ في المجامع روحاً، وإيقاعات ومشهديات، متقنة، ونضرة، ومكثفة، وعرف كيف يدخل كيميائيات اللون والحركة والموسيقى والفضاءات المفتوحة، على بعضها، لتؤلف في معناها وإيحاءاتها حساً درامياً مشبعاً، وحاداً، على مساحة احتفالية لم يسعَ فيها الى مجانية، والى مشهدية (درامية) لم يسعَ فيها الى مراكمة انبهارية تفرغ العمل من قوته ودلالاته.
نرسيوس
نرسيوس (نرسيس)، بحسب الأسطورة المصرية القديمة، من إخراج فولوديمير كوشنسكي (أوكرانيا)، هذه الأسطورة التي تنسب عادة الى الاغريق، صاغ لوحاتها المخرج الأوكراني، لكن من منطلق حواري، فلسفي، كتبه الأوكراني هريعوري سكوفورادا (1722 ـ 1794)، تمتزج فيه الأسئلة الفكرية بالدينية بالإنسانية. وقد انطلق المزيج من هذه المواد "الفلسفية" الجافة أو حتى البشرية منها لانتسابها الى الأسطورة، ليصوغ لوحات مشهدية، وصوراً بصرية، وإيقاعات، ونصوصاً غنائية وأصواتاً، ومونولوغات... إنها لحظات احتفالية متواصلة، تحاول الوصول الى "المطلق" أو الى علاقة هذا المطلق بالإنساني.
على أن العرض، برغم طموحه، وبرغم بعض اللمحات المضيئة، بقي ضمن حدود التمارين المدرسية غير المنضجة، وغير الموصولة بمناخها العام.
غاتو الليل
"غاتو الليل" (فرنسا). هذا العمل كأنه آتٍ من مهرجان "أفينيون" حيث أثيرت ضجة كبيرة من قبل النقاد والجمهور حول طغيان الصورة المجانية والعنف المجاني وغياب النص عن معظم العروض. فهذا العمل غاب عنه أركان المسرح الثلاثة: النص (المكتوب ولو شذرات)، والمخرج وتالياً الممثل.
لعبة إضاءة. ترسم في فضاء معتم واسع ولا نهائي. كأنها خلايا ضوئية تتشكل في "اسكتشات" و"مواقف" (افتراضية)، وفي تلاوين، تخفي أحياناً وجهاً إنسانياً ممحواً خلف العتمة، أو تصدر أصواتاً أو نبرات إنسانية. إنها خلايا ضوئية تتحرك، وتتلاقى وتتنافر، وتتصارع، وتفترق، وتنطفئ، ثم تعود بنبرات إنسانية معبّرة.
إنها لعبة تقنية محضة. لعبة إضاءة. ففي الوقت الذي كانت فيه الإضاءة جزءاً من السينوغرافيا الدرامية، صارت الإضاءة هي الكل. هي الشخصية وهي الموضوع. وهي المؤلف. وهي الصورة. وهي الكلام. والحوار. وبضع بطاريات يدٍ تتحرّك وترسم وتخطط. وإذا كانت مثلاً أفلام توم وجيري مصنوعة من الرسوم المتحركة، فإن هذا العرض مصنوع من الرسوم الضوئية. إنه المعادل الضوئي للشخصيات الكرتونية المعروفة والظريفة. لكن ما يميّزها ربما، هو اللحمة الإنسانية التي تبرز من خلال اليد التي تتلاعب بهذه الخلايا الضوئية. كأنها حوار بين الإنسان الذي يحاول السيطرة على هذه الخلايا وبين هذه الخلايا. ثمة يد تخترق تلك العتمة وتلهو بهذه الضوئيات المتحولة، والمتناثرة، والمتجامعة. هي في النهاية لعبة بطاريات يد وتتحكم ما تشاء بمصير هذه "الكائنات" المجهولة... وقد شاهدنا في نهاية العرض "أبطال"التحريك الضوئي من خمسة أشخاص. أي شاهدنا الأبطال المجهولين، والمختبئين خلف هذه اللعبة الجميلة، والشعرية أحياناً، والمسلية، والمرفهة والساخرة.
لكن برغم تلك الجماليات الرائعة التي تُرسم بالأضواء يبقى السؤال: وماذا عن المسرح في هذا العرض، هل تصنع المهارات، مجرد المهارات التقنية عرضاً يدرج ضمن المسرح؟ صحيح أن لحظات ممتعة عاشها الحضور من خلال هذا التلاعب الرشيق، والجميل، بحركات الضوء، وأشكاله، وحتى بعض دلالاته، الصحيح أيضاً أنه، ربما، يمكن أن يدرج هذا النوع في دائرة الفنون السينمائية أو التشاكيل الجمالية. خصوصية المسرح كتعبير، وشروط (مفتوحة) قد تكون مفتقدة هنا، خصوصاً أن عناصر كثيرة غير درامية باتت، من طغيانيتها، تضع المسرح (وخصوصاً العربي) على مفترقات (الدرامية) وخارج دوائره المفتوحة. فهذه الاسكتشات "الضوئية" من الصعب جداً أن تتحوّل حتى اسكتشات مسرحية وإن في تنوعاتها الكثيرة.
فوضى
"فوضى" (نص وإخراج عبد المنعم عمايري، سوريا)، عمل متقشف، بمفردات محدودة، وبعناصر معدودة، تمكن من اختراق حضور مميز في مهرجان القاهرة. قد لا يكون هناك نص بالمعنى الدرامي، ربما شذرات مصوغة ضمن حالات أو مناخات. أو فلنقل إنه نص مصنوع للمسرح، وليس نصاً مسرحياً جاهزاً. لكن هذا النص أعان المخرج، وتالياً الممثلين، على تكوين حالات إنسانية متفجرة، صاخبة، هشة، متموجة، على حافات مجهولة، وهاويات موصولة بظروف إنسانية، ومجتمعية. فمن مجموع شذرات أو حوارات صنعت دراما من خارج الإبهارات السائدة. فلا الإضاءة تفترس الكلام. ولا السينوغرافيا تطغى، ولا حتى الايقاعات الحركية تفرغ العمل من محتواه المسرحي. ذلك أن الجزء الأوفر من المسرحية كان عند الممثلات الست. ومن ثم الممثل (نضال سيجري) في النهاية. فكأنها حالات تتأرجح بين المرضية، والاستسلام والمقاومة والأمل، واليأس، والاحباط، والخوف، والخسارة، بين أدوار عدة من وجوه الضحية المكتملة. أو فلنقل مضلعات عدة من تراجيديا واحدة. كأن النساء الست امرأة واحدة. وكأن كل امرأة تختزن الست نساء. (الأزياء متشابهة وكذلك المسار الدرامي). كان الأداء يأتي فرادى ثم ثنائياً ثم جماعياً، بشكل متواتر هنا، أو هناك، أو على لقاء هنالك. تواتر في الدوامة. لا نقول روايات النهاية، بقدر ما نقول الدوامة، التي تعصف منذ البدايات، ثم ترتسم بكل عنفها على امتداد السيرة. هذا العصف المتراكم، بما يحمل من حالات متنوعة، وفلاش باك "غني"، أدته بقوة، وبتناغم، وبتراسل، وبتكامل الممثلات الست من نسرين فندي الى زينة ظروف، وسلامة مسمار، ونهال الخطيب، ونسرين الجنابي وأمل عمران. كل واحدة أمدت الأخرى بطاقتها من دون أن تفقد خصوصيتها. وأبرزت خصوصيتها بدون أن تحدث "نرجسية" أدائية. ولهذا، بدا العمل جماعياً بكل ما تحمله هذ ه الكلمة من مسرحة، ويأتي مشهد تدخل الرجل (نضال سيجري) موفقاً لكسر الحالات المتراكمة، وفتح نافذة جديدة على مرجعية من مرجعيات الذاكرات النسائية.
استمتعنا بهذا العرض الذي قدمته ممثلات كن الى امتلاكهن أدواتهن، وصرامة أدائهن، مثلن حالات وإنما بنكهة نضرة، حية، وقوية.
وتمكن المخرج عبد المنعم العمايري أن يمسك بخطوط العرض كلها، من دون أن يقع في نشاز ما، أو في مجانية ما، أو في بلاغية أدائية برانية. فهو من الوجوه التي تعبر بشغف الى مجهول المسرح.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00