تناولنا في الحلقات الثلاث مجموعة من الأعمال العربية والأجنبية. هنا الحلقة الرابعة.
جباه مطلية
"جباه مطلية" (تأليف بوريس شرجين، إخراج ناتاليا ستوبينا، روسيا). في أكثر الأوقات حرجاً، وصعوبة، يتخلص الناس من مشاكلهم والضغوط المتراكمة عليهم بالحكايات الشعبية والمرح والمقالب والضحك والقفشات، ويستلهمون القوة من الحِكَم القومية التي توارثوها، ليتمكنوا بذلك من السخرية من أنفسهم ومن السلطات في مختلف المواقف الصعبة التي يتعرّضون لها.
هذه المسرحية "الشعبية" و"الفولكلورية" تدور حول معنى الحكمة القومية والفطنة والمكر والخيال الشعبي وعلاقة الناس بالسلطة، من خلال قصة الصداقة بين الملك والفلاح كابيتوشكا في شمالي روسيا والخلافات الناشئة بينهما، والحكايات الصغيرة التي تتألق عبر ذلك ونتائج هذه الصداقة المبتورة. إنها حكاية شعبية تعكس، في ما تعكس الواقع اليومي بتفاصيله وعاداته وتقاليده وفولكلوره ورقصه وأغانيه وأزيائه وألوانه وأشيائه الحياتية.
فالديكور هنا ديكور ريفي. وقد عمد المخرج أن يكون السينوغرافيا من هذه الأدوات اليومية: مطحنة البن أو سواه، الشموع، البسط، الملاعق الخشبية، السلال، أي سينوغرافيا ملتصقة بالبيئة، خالية من أشكال التقنيات الحديثة والاضاءة الباهرة... وعلى هذا الأساس ينقل طقوس هذه البيئة وعاداتها ومشاغلها: واحدة تعجن، وأخرى تخبز، وأخرى تطحن البن، يد واحدة تهدهد رضيعها في المهد، وواحدة تمسح الأرض، وأخرى تخيط، أو تنسج قميصاً... كل ذلك بمؤلفة جمالية لونية زاهية، فولكلورية، وفطرية. يقابلها وعبر المشاهد أو من ضمنها رقص محلي وغناء وإشارات وإيماءات مأخوذة من الواقع.
في "جباه مطلية" كل عناصر الحكاية الشعبية. سياقها واقعي بقدر ما هو "خيالي" ميسر بقدر ما هو فطري وطفولي؛ والشخصيات كأنها طالعة من الكتب الملوّنة والمزركشة، فلا هي محسوبة على الشر ولا هي محسوبة على الخير المطلق. وإنما شخصيات تعوم على مواصفاتها "الخيالية". يومية وخيالية. حقيقية وغير حقيقية. ولهذا يرتاح المشاهد لعمل يرسم البيئة رسماً "فانتازيا" بالقدر الذي يلون فيه أشياءها بالزاهي ليتوج كل ذلك نهاية سعيدة بالطبع يتصالح فيها الجميع ويغنون ويعلنون حبه للوطن. وللحياة. ولكم ذكرتني هذه الحكاية ـ المسرحية بمسرح الرحابنة عندنا لا سيما بـ"بياع الخواتم". لكن المخرج تمكن من تحريك الايقاعات من حوار ورقص وديكور وفولكلور، تحريكاً متوازياً ومتوازناً عززه أداء الممثلين ومهاراتهم وبساطتهم وعفويتهم، إنه عمل يُصنّف للجميع: للكبار وللأطفال.
عين القمر
"عين القمر" (سينوغرافيا وإخراج وليد القوتلي، سوريا). وليد القوتلي من المخرجين السوريين الذين كان لهم أن يتخذوا موقعاً مميزاً في المسرح السوري، من خلال أعمال عدة لا سيما "حديقة الحيوانات"، لألبي في السبعينات. على أنه اختار هذه المرة الشعر، بمسرحه. أي لينقله من مادة على الورق مقروءة إلى صورة مرئية ـ إيقاعية، أي إلى جسد على الخشبة. وحسناً فعل القوتلي بكتابة نص بصري موازٍ لقصائد الشعراء أدونيس، أمجد ناصر، محمد درويش، ألن غينسبرغ ولوركا ومغناة شوقي بغدادي. صحيح أن القوتلي وجه القصائد في مقاربته نحو معنى الحرية، فجمع بينها، في المضمون، على اختلافها في الشكل، لكن حصرها في دلالة مقننة خدم الرؤيا وأفقر الصورة العامة. فالسينوغرافيا الموازية للنص، كأنها اقتصرت على هذا المعنى: جدران وحيطان وحواجز وستائر، وحبال، وكلها في النهاية تنتمي إلى مفردة سينوغرافية واحدة. وتراكم هذه العناصر ذات الألوان المتقاربة، والشاشات المتقاربة، على الخشبة: من خلفيتها، إلى منتصفها، فإلى صورتها، وبهذه الأحجام، افترس اثنين: الممثل والشعر. وكان على الممثل المحاصر، تدريجاً بهذه المكونات البصرية (والموسيقية والايقاعية)، ان يبحث له عن حيّز يوازيه، أو يبرز حضوره كناقل أول للنص، أو على الأقل كبؤرة أولى للدلالات الشعرية، وللنص. بمعنى آخر كان يمكن إيجاد حلول موازية، تظهر أكثر حضور الممثل جسداً وصوتاً، برغم أن ثمة مشاهد تمركزت كل العناصر في الممثل نفسه. وبمعنى آخر أيضاً، كان يمكن الشغل على أصوات الممثلين (وحركاتهم) من حيث التنوّع، والانتقال من حالة إلى حالة، ومن درجة إلى درجة، ومن أداء إلى أداء، ومن نبرة إلى نبرة، لكي يقع الممثل فيما يسمى "الإلقاء"، أو تقديم النص في مستويات أولى ومتشابهة. وكان هذا يتطلب أولاً لياقة صوتية، يعبر فيها الممثل تعبيراً "داخلياً" من الاحشاء، لا من الشفاه فقط، وثانياً استغلالاً لطاقة اللغة الفيزيائية: تقطيع الجسد، التركيز حتى على الحروف للكلمة كعنصر درامي أيضاً. أي أنه كان يمكن تحويل كل عنصر من عناصر القصائد إلى مفردة درامية: جمالياً، ومعنوياً، ولغوياً. وثالثاً تداخلاً أكثر عضوياً بين الشعر والجسد، الأدوات، الموسيقى، الفراغات، الصمت، والدلالات المنشودة. بحيث لا تشكل كل مفردة من هذه المفردات "شكلاً" منفرداً أو مستقلاً، لكي لا تقول مجانياً.
وهذا لا يعني التماع لحظات مميزة في العمل، وإشراف مشهديات معبّرة وقوية مع ممثلين شغوفين وذوي طاقات نضرة كفيلدا سمور، ونبال الجزائري، ورباب مرهج، وعايدة يوسف، ورغدة الخطيب، ووليد الدبس، وجهاد عبيد، ومازن الجباعي وحمود الملحم.
مسرحة الشعر مسألة خطرة تحتاج إلى كثير من المعرفة الشعرية وأسرارها وكوامنها وإلى كثير من الشفافية الداخلية التي تنفتح على درامية النص وجمالياته الصوتية والصورية.
ووليد القوتلي اجتاز هذه المناطق الخطرة مع مؤديه وممثليه.
ثورة الشطرنج
"ثورة الشطرنج" (تأليف نبيل خلف، إخراج ناصر عبد المنعم، مصر). مسرحية شعرية تتناول علاقة الرجل بالمرأة منذ نشوء الجنس البشري وعلى وجه الخصوص نظرة المجتمع للمرأة وفقاً للثقافة السائدة عبر العصور المختلفة، بداية من عصر الأمومة الأنثوي حيث كانت النساء فسيطرت على تقاليد الأمور كما الحال في المجتمع البدائي للأمازونات قديماً وقبائل الطوارق في الجزائر حالياً. وبعدها لتنتقل إلى المجتمع الذكوري الذي يسود العالم اليوم، حيث ينظر إلى المرأة كمخلوق أدنى من الرجل برغم حصولها على العديد من حقوقها. وتمتد الأحداث إلى المستقبل في عالم جديد تطرح فيه الأسئلة الصعبة: هل يمكن أن يؤدي التطوّر العلمي والتكنولوجي إلى تغيير الثقافة السائدة للمجتمع الذكوري وتكوين نظرة جديدة عن المرأة باعتبارها نداً للرجل لها الحقوق نفسها، أم التكنولوجيا الحديثة التي تتطوّر بخطى سريعة على عقول معظم النساء، مثل عمليات تعديل الجسد وتشكيل الملامح المثالية والنموذجية للمرأة وفقاً للمفهوم الذكوري للجمال لأغراض تسويقية.
كل هذه الأسئلة الصعبة، والتاريخية، والمفتوحة يسوقها العرض بلغة تجمع بين الأداء الحي، والسينوغرافيا المعبّرة، والايقاعات التي تحاول اللحاق بخطى هذه الرحلة الطويلة بين الذكر والأنثى، المرأة والرجل.
ليلة هيلغر
"ليلة هيلغر" (تأليف اينجمار فيلكنيست، إخراج دينو مستافيك، البوسنة والهرسك". مسرحية عنيفة بكل عناصرها. قوية. قاسية. بهلوسة بقسوتها. امرأة وابن بالتبني، مختل عقلياً، تعالجه بالأدوية وترعاه بكل حنان الأمومة. يدخل النازيون البلد بعظمتهم وجبروتهم ومظاهر القوة المدججة. الولد المختل يبهره النازيون. فيخرج وهو يهتف ويؤيد... على طريقته. الأم ولكي تحمي هذا الابن، أو لتجعله يتبيّن حقيقة الأمور، تدعه يذهب إليهم وينخرط في صفوفهم بالطرق التي ينتهجها النازيون، مع هذا لا يسلم منهم، وهو من مناصريهم. فيعود وقد اعتدوا عليه. الأم تسهل عليه الأمور، تهدهده، تدغدغه في حضنها، وتبدأ في اعطائه الأدوية... فيموت بين يديها. تقتله بالأدوية الموصوفة له، لكي لا يعيد الكرة، ويتعرّض لما تعرّض إليه، من أذى نفسي وجسدي: منتهى العنف.
هذه المشاهد، أو هذه الدراما المفجعة، التي تطل على الفردي إطلالها على السياسي، لم تكتسب قوتها وعنفها وأثرها النافذ من وسائل بلاستيكية، أو أدوات تقنية باهرة، أو سينوغرافيات وجماليات، وإنما من أداء متمكن، داخلي، متنوّع، خصب قامت به الأم والابن. كأن هذا العمل درس في كيفية أن يعوض الممثل بإمكاناته وسيطرته على أدواته وحضوره كل التقنيات التي باتت تسيطر على المسرح اليوم.
الجاروف
"الجاروف" (تأليف عبد العزيز عباس، اخراج جميل محفوظ، اليمن). قدم هذا العمل على المسرح المكشوف في المسرح القومي، ربما، لاعتماده الحركة، الرقص، والتعبير الجسدي على مساحة مفتوحة. هي قضية صراع الحياة والموت تسيطر على مناخ العمل: حبال تمتد في كل الاتجاهات، معلقة بها جماجم، وعلى امتداد العرض شخوص بالأبيض (رمز الحياة)، وبالأسود (رمز الموت) تتنازع حول الشخصية الرئيسية الذي يعيش هذه الهواجس. وفي النهاية، يبدو أن الموت ينتصر، ويسقط الرجل ميتاً؟
العمل بلا حوار. ولا نص. والأدوات التعبيرية مزيج عنيف من الرقص والحركات التعبيرية والتمثيل الصامت، وبين موسيقى (معظمها غربي) ملحاحة، قوية، عالية، منح العمل صخباً وضوضاء قويين امتدا على طول العرض. المؤدون من نساء ورجال يبدو أنهم تدربوا وإلى حد كبير على الحركة المعبّرة والايقاع الجامح، عبر رقصات (باليه)، أو إيماءات، أو ايحاءات أو حركات، تعوض كلها من غياب الكلمة. وقد نجح الفريق في تكوين مشهديات حية، بصرية، وسمعية، ألقت مناخات المسرحية الصاخبة حول الموت والحياة. لكن، وبرغم دربته، كان يمكن أن يشتغل أكثر على اللياقة الجسدية، والطراوة، والأداء الداخلي.
أما الممثل الرئيسي علي أحمد يافي، فقد كاد يغرق وسط هذه الحميا من الضجيج الموسيقي والجماليات البصرية، لكنه، وبوسائل مقتصرة، وبسيطة، وبأداء طبيعي، (أقرب إلى التلفزيون) تمكن من احتلال حيز له في هذا العمل ذي الأساس المونودرامي.
الذهاب إلى اللامكان
"الذهاب إلى اللامكان" (تأليف ديمترو سولامان، إعداد لوكا روبو، إخراج رادو سولكانو، رومانيا). كوميديا الذهاب إلى اللامكان. إلى اللاشيء، إلى هدف ما، أو الأحرى إلى اللاهدف.اثنان من ماكياجهما يبدوان كمهرجي سيرك. يحاولان عبثاً فتح حقيبة. ثم يحملانها ويمضيان بخطى متضاربة، مترددة، متنافرة، تدل على أنهما في النهاية بلا وجهة. أو الأحرى بلا قضية. ويبدو من هذه الكوميديا التي لا تضحك، ولا تثير، ولا تشد، ان هذين الشخصين يفتقدان المثاليات في العصر الحديث. أو الأحرى، ان العصر الحديث، يفتقد المثاليات، ومن غير المجدي البحث عنها. الألفية الحديثة حقيبة مغلقة. وطريق بلا اشارات. وإشارات بلا هوية. وهكذا، يمضي الممثلان، المتأثران ببعض الثنائيات السينمائية الكلاسيكية للوريل وهاردي، أو شابلن، يحاولان رسم مناخ ساخر لكن، البطء، والثقل، والمباشرة، وضعف الابتكار،كلها جعلت العمل مملاً، وبلا جاذب... وبلا هدف حتى مسرحي.
بامبي
"بامبي" (هولندا). قد تكون هذه المسرحية المستوحاة من أفلام المخرج وارنر هيرتزوغ والممثل كلاوس كنسكي، من أكثر الأعمال التي أثارت جدلاً، وربما تعاطفاً. مسرحية حركة تتم دقائقها في مطبخ عندما يدخل "غريب" على عائلة مقتحماً، بلا رادع، ولا مبرر، وهنا تبدأ معركة الحياة والموت. الشخصيات وضعوا على شفير: إما الموت وإما الحياة، وعليهم ابتكار طرق للهروب. أو للتخلص. وهكذا، ومن أدوات المطبخ العادية يخلقان أشكالاً ودروباً: البحر، الجبال، السهول، المنازل... أي أن السينوغرافية تتحوّل هنا، بأدوات محدودة إلى مركبات وتشاكيل غير محدودة. هذا الصراع بين الموت والحياة، أو بين الحب والكراهية (الوافد، والمقيمون)، يتخذ بعداً عنيفاً، يتمثل بالديكورات، ولكن أيضاً، بعنف الأداء. صحيح أن العمل يتضمن كثيراً من الحلول البصرية ـ التشكيلية، الجمالية (البسيطة) ذات الوظائف المحددة (درامياً) لكن الصحيح أيضاً أن هذه الأدوات لم تفترس الممثل، ولم تضعف حضوره. على هذا الأساس بدا العنف الجسدي، والصوتي، والنفسي، موازياً للمكان المحول. وبدا أننا أمام ممثلين ممتهنين، متمكنين، ذوي عصب، وقوة، وتعبير، وسيطرة على أدواتهم التعبيرية.
انه عمل مهلوس، حركي، مشدود، لاهث موتور وملموم ومتماسك... وشفاف.
سيمفونية الدم (مكبث)
"سيمفونية الدم (مكبث)، إعداد وإخراج حكيم حرب، الأردن". عالم فانتازي، طقوسي، سحري، غريزي، يفجر عوالم اللاوعي والباطن، في معالجة مسرحية شكسبير "مكبث". هوس السلطة، واقتحامها، وعنفها، ودمويتها، وجنونها، وفردانيتها، وطغيانها، عبر عنها حكيم حرب بكثير من المشهديات والطقوس، والرموز البصرية، وبقليل من الكلام (نسبياً). كأنه ينتمي إلى سلالة غروتوفسكي (المسرح الفقير) أو انطونان أرطو (مسرح القسوة)، وامتداداتها العربية منذ الستينات مع منير أبو دبس (لبنان)، وجهاد سعد (سوريا) وخالد الطريفي (الأردن).
خشبة عارية (إلا من شمعدانات) مفتوحة على لسان يقسم القاعة والجمهور قسمين، (كسر الجدار الرابع، والعلبة الايطالية)، لتشمل المساحة الدرامية الخشبة والقاعة.
وقد تمكن حكيم حرب بهذا العمل المشغول الدؤوب (وإن بوسائل معروفة) أن يبني مناخات سحرية، وفانتازية، وجنونية، وكاسرة هي الوجوه الظاهرة لعنف السلطة والتسلط، بمعماريات جسدية (ذات جمالية موظفة)، متحركة، ومتحولة، وبموسيقى تعبيرية طقوسية ودينية وحتى محلية (عتابا وزجل)، وبملابس تضفي على الفانتازيا فانتازيا أخرى، إذاً لعبة احتفالية (بالشكل والصوت والكلمة)، وقعت أحياناً كثيراً في الشكلانية أو في الضوضائية، مما أضعف العنصر التمثيلي والدرامي الأصلي عند شكسبير.
حكيم حرب يبدو أنه حاول الاتقان وتقديم عمل نظيف وجميل، ونجح.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.